×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

استحقاق الدولة والتنمية

حاجز بيت لحم ,القدس,2009(المصدر :activestills.com) حاجز بيت لحم ,القدس,2009(المصدر :activestills.com)

بقلم: احمد أبو غوش*

قامت الدول بسماتها المعاصرة (في الواقع الأوروبي) في سياق التطور الرأسمالي بالقضاء على النزعة الإقطاعية المجزِئة. فكانت التنمية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية القيمية سابقة على إقامة الدولة و/أو مرافقة لها، ولم تكن الدولة المعاصرة ممكنة بدونها. وفي سياق آخر، في العالم الجديد، قامت الدولة المعاصرة إثر عملية هجرة واستيطان واسعتين من العالم الأوروبي المرتقي تنمويا إلى نمط الحياة الرأسمالي وبنيته الفكرية. أما في بقية العالم، والذي كان قد خضع للسيطرة الاستعمارية، فقد قامت الدولة المعاصرة نتيجة لسياق نضال تحرري سياسيا واقتصاديا وثقافيا، والذي تطلب نهجا تنمويا تحرريا. الدولة المعاصرة (ومن خلال دراسة سياق تطورها العام) قامت نتيجة تطور الجماعات الاثنو-اجتماعية إلى أمة أو في سياق نضالها من أجل تحقيق هذا الهدف، واقترن ذلك بحق الأمم في تقرير مصيرها بالاتحاد أو الانفصال أو الاستقلال. مع أهمية ملاحظة أن بعض الأمم لم تنجز حتى الآن هذا الهدف، أو أنه أنجز وما زال يعتريه بعض الخلل؛ ما زالت الكثير من دول الأمم تضطهد أقليات قومية داخلها، وبعض الأمم لم تحقق أهدافها بعد في إقامة دولتها القومية لأسباب عديدة، أهمها تدخل الدول الاستعمارية بالنفوذ أو بقوة السلاح لإعاقة هذا الهدف، وعلى رأسها الأمة العربية.

أنماط تطور الجماعات الاثنو-اجتماعية قد تتشابه أو تتماثل لكنها لا يمكن أن تتطابق. لذلك لكل جماعة اثنو-اجتماعية سياق تطور له سماته الخاصة، انطلاقا من وجود واقع خاص، وقوانين خاصة لهذا الواقع، الذي لا يمكن فهمه وانجاز الأهداف فيه إلا بتطبيق القانون العام على الواقع الخاص تطبيقا خلاقا، من خلال فعل منظم تحكمه برامج وسياسات وآليات تقوده قوى اجتماعية لها مصلحة في تغيير واقعها وتطويره وصولا إلى تحقيق هذه الأهداف. وبذلك يمكن القول أن إقامة الدولة المعاصرة عملية نضالية تنموية معقدة تحتاج إلى رؤية وفعل منظم ومبرمج. ولأنه فعل في واقع إنساني بسماته المعاصرة، يتداخل ويتراكب فيه الفعل والتأثير بين قوى فعل متفقة ومتعارضة ومختلفة ومتناقضة، محليا وإقليميا ودوليا، يبقى العامل الذاتي هو الحاسم في عملية التغيير وتتوقف عليه القدرة على انجاز الأهداف وسقف الأهداف الممكنة.
وفي هذه المرحلة من التطور البشري يمكن القول، أن استحقاق الدولة معترف به لكل الأمم والقوميات ولكنه يحتاج في كل حالة إلى إقناع العالم به وربما فرضه عليه، في ظل واقع دولي، دول العالم فيه تحكمها المصالح التي قد تصل في بعض الحالات إلى درجة الرفض والنفي لهذا الحق.
الواقع الفلسطيني يكاد يكون واقعا فريدا من نوعه، وإن كان له سمات مشتركة مع أكثر من واقع، لذلك وبدون فهم سمات هذا الواقع سيظل يعتري النضال فيه أكثر من خلل يعيق تحقيق الأهداف. وأهم سماته الخاصة هي:ـ
الواقع الفلسطيني خضع للإحلال، لا للاحتلال، والفرق بين المصطلحين مختلف جذريا. فالاحلال يستهدف الأرض وحياة السكان الأصليين فوقها مع ما يترتب على ذلك من نفي للعلاقات الاجتماعية الاقتصادية الثقافية، من خلال إحداث قطع في تطورها الطبيعي. أما الاحتلال فيهدف إلى السيطرة أساسا على الأمم والشعوب وتحويل بلادها إلى أسواق لمنتجاتها المصنعة، وتجيير كل النشاطات وبالذات قوة العمل لصالح اقتصاده، فالربح الاقتصادي محركه وناظمه وضابطه. أما الاحلال الذي مارسته الحركة الصهيونية في فلسطين فقد سعى إلى نفي الكيان الاجتماعي الاقتصادي والسياسي المحتمل للفلسطينيين، وكانت نتيجته سنة 1948 قيام دولة إسرائيل وسيطرتها على 78% من الأرض الفلسطينية، وتدمير المدن والقرى الفلسطينية، وتشريد السكان وتشتيتهم في الأقطار العربية وبقية دول العالم.
• الشعب الفلسطيني يعيش في الشتات على أرضية علاقات إنتاج لدول مختلفة، لذلك واقعه البنيوي يختلف باختلاف الأقطار والدول التي يعيش فيها. وفي كل الحالات كانت محاولة قوى الثورة تأطير أبناء الشعب الفلسطيني في النضال الوطني تواجه، وفي حالات عدة، بعدائية. وكان التناقض الثانوي بين الثورة الفلسطينية والأنظمة العربية يتحول بين فترة وأخرى إلى تناقض عدائي. فقد أجبرت الثورة على الأقل مرتين على مغادرة الأردن ثم لبنان بعد معارك طاحنة. ومن المعروف أنه نُظر إلى محاولة بناء الإنسان الفلسطيني تنمويا على أنها تدخل في الشؤون الداخلية العربية، إذ لا يمكن تطوير قدرات الإنسان الفلسطيني في الأردن مثلا وتحسين واقعة الاجتماعي والاقتصادي دون أن يعتبر ذلك تدخلا في شؤون الأردن الداخلية. وبذلك، واجه الشعب الفلسطيني أفرادا وجماعات ومنظمات وأطرا مشاكل خاصة نابعة من خصائص وجوده مشردا ومشتتا ويعيش على أرضية علاقات إنتاج أقطار مستقلة أو دول.
• التبلور البنيوي في الواقع الفلسطيني تعرض لانقلابات وهو واقع مختلف ومتعدد، فواقع من تبقى في الأرض المحتلة سنة 1948 غير واقع الفلسطينيين المهجرين إلى الدول العربية والدولية، والذي يختلف أيضا كميا ونوعيا في كل دولة عن الأخرى. وواقع الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية التي احتلت سنة 1967 يختلف، بعد أكثر من أربعين عاما من الاحتلال والإحلال، عن واقع الفلسطينيين في الشتات. وبدون أخذ هذا التنوع والتعدد بالاعتبار لا يمكن فهم الواقع ولا يمكن وضع البرامج لتغييره. إن أهم نتيجة لتجاهل سمات الواقع هي وضع برامج لا تتلاءم معه والفشل الكلي أو الجزئي في تحقيق الأهداف والبرامج المطروحة. وأبرز مثال على ذلك النظر إلى ما حدث سنة 1967 كاحتلال مع أنه في حقيقة الأمر احتلال يتخلله احلال، والتناقض في الحالتين لا يحل بنفس الطريقة والنضال التنموي يختلف جذريا في الحالتين.
• م ت ف في نشأتها ومسار نضالها وتطورها كانت ضعيفة ذاتيا وعجزت رغم بعض الانجازات المهمة عن تحقيق انتصارات بارزة. وواجهت في نفس الوقت ظروفا صعبة بسبب القطرية العربية والتبلور التابع في ظلها، مما حد من فعالية نضالها ضد الاستيطان الاحلالي، وتنمويا على المستوى الفلسطيني مما راكم في حالة عجزها وضعفها، وصولا إلى حرب 1982 وإجبارها على الانسحاب من لبنان وتشتيت قواها خارج منطقة دول الطوق. ضعفها الذاتي، وصعوبة الظروف الموضوعية المحيطة بنضالها، والتحولات الدولية، وأهمها سقوط الاتحاد السوفييتي أنتج اتفاق أوسلو ووليدته السلطة الوطنية الفلسطينية بكل ما يعتريها من ضعف وعجز وعوامل تدفع باتجاه الفشل في انجاز استحقاق الدولة تنمويا وسياسيا ومقاومة.
وبسبب عوامل خاصة بنشأتها وبظروف ولادتها وتطورها كانت السلطة الوطنية الفلسطينية:-
1. سلطة ليست دكتاتورية، ولكنها ديموقراطية بقدر ما يفرض عليها من القوى الخارجية، وكانت ديموقراطيتها تقليدية لا تتلاءم مع الادعاء بالاستقلال في ظل اللا-استقلال.
2. سلطة بيروقراطية، الارتقاء فيها كان بقدر القرب من هذا الزعيم أو ذاك المسؤول.
3. الوصول إلى اتفاق بعد مباحثات سرية وبدون مقدمات، أعطى انطباعا بانتهاء مرحلة الثورة والنضال، وبداية جني الربح وحصد الفوائد. لذلك حدث تهافت على الوظائف، خاصة العليا منها.
4. قامت سياسة التوظيف في السلطة على لملمة المناضلين والأسرى المحررين واحتضانهم، خاصة القدماء منهم، فتشكل جيش بيروقراطي برواتب عالية، كان عبئا على ميزانية السلطة منذ البداية.
5. انتشر الفساد منذ البدايات فكان من أخطر العوامل السلبية على السلطة ودورها الافتراضي وشعبيتها في الأرض المحتلة وخارجها.
6. عدم تبني سياسة تنموية، وعدم التخطيط أو التخبط في تأسيس النظام السياسي الفلسطيني أعطى انطباعا بحتمية فشل السلطة.
7. الإعاقة المتعمدة من قبل الإسرائيليين لدور السلطة وبناء مؤسساتها، وإهانة رموزها وسجن شرطتها وتجريدها من سلاحها، واجتياح مكاتبها وفرض القيود عليها وعلى رموزها الوطنية، بلور اعتقادا بحتمية فشل طريق المفاوضات، مما أدى إلى ظهور ازدواجية منهجية غير منظمة خلطت بين المقاومة والتفاوض بطرق فوضوية، جعلت الفوضى واللا-استقرار من أهم سمات الواقع الفلسطيني في مراحل حياة السلطة.
8. كان وما زال على الثورة عبء ثقيل، نتيجة النضالات الطويلة التي خاضتها فصائل م ت ف، حملته معها إلى السلطة الوليدة، فقد تراكم عليها التزامات اتجاه الجرحى والشهداء والأسرى وفقراء الشعب الفلسطيني في مناطق مختلفة من الوطن العربي والشتات، فعاظم ذلك العبء المالي للسلطة منذ نشأتها.
9. نشوء تيار ديني تحول منذ الانتفاضة الأولى إلى قوة فصائلية عارضت نهج م ت ف، فاكتسب شعبية عالية لتبني نهج الكفاح المسلح ضد الاحتلال، خاصة في الأرض المحتلة، مما أدى إلى انقسام الشعب الفلسطيني إلى تيارين متناقضين وقسمين متعارضين. هذا التيار، بالإضافة إلى تيار وطني وقومي كان وما زال ضعيفا، قسم الشارع الفلسطيني في ظل السلطة الوطنية إلى نصفين، أحدهما معارض لم يندمج في م ت ف، ورفض اتفاق أوسلو وتبنى نهج المقاومة، فساهم في إفقاد فصائل م ت ف شعبيتها خاصة بعدما اقترن عجزها عن تحقيق انجازات عبر نهج التفاوض، بالفساد والفوضى وعدم تبلور رؤى تنموية لصالح القوى الشعبية الفلسطينية.
10. ضخامة عبء قطاعي الصحة والتعليم الذين تحملتهما السلطة فأخلت بذلك مسؤولية الاحتلال عنهما قبل أن تتمكن من توفير الدعم الكافي لهما. فكان لتدهور أوضاع العاملين في هذين القطاعين الأساسيين أثره في تعميق أزمة السلطة وساهم في تدهور شعبية الفصائل المساندة لها.
11. استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في ظل السلطة، خاصة للعمال الذين عانوا من البطالة بسبب زيادة أيام الإغلاق ومنع التجول واشتراط التصاريح للعمل في قطاعات الإنتاج الإسرائيلية.
12. ربما ملك المناضلون خبرات في مجال النضال السياسي والعسكري والاجتماعي، ولكن التجارب أكدت أن أداءهم في إدارة أجهزة الدولة كان دائما ضعيفا. فالجهاز الحكومي وإدارته أكثر تعقيدا، مع أنه أقل خطورة. لقد احتاج قيام دولة وأدارتها إلى خبرة في الإدارة والتنمية لم تتوفر لدى المناضلين الذين تحولوا إلى موظفين في الدولة. ولأن السلطة الوطنية الفلسطينية حديثة الولادة، ولأن ولادتها كانت قيصرية، تعثر أداء وزاراتها التي لم تمتلك استراتيجيات واضحة ولا رؤية تنموية. وعندما فعلت تبنت رؤى تنموية وبرامج خاطئة في معظمها ليس لها علاقة بالواقع.
13. التناقض السياسي في الساحة الفلسطينية هو الأهم، ولأنه لم يحل ظلت تناقضات عديدة غير محلولة. ولأن السلطة جاءت بولادة تفاوضية في ظل موازين قوى كانت الأسوأ في تاريخ م ت ف، كانت النتائج على هذا القدر من السوء. أهم ما في هذا الواقع، أن من كانوا أعداء الثورة قبل الاتفاق، صاروا حلفاء السلطة بعد قيامها، فالداعمون الأساسيون للسلطة، هم أمريكا وحلفاؤها، وبالذات دول أوروبا، والأنظمة التي عادتها الثورة عندما توجهت نحو الحل السياسي التفاوضي. لذلك، ومنذ البداية كانت السلطة عندما تتعرض لضغوط إسرائيلية لا تجد من يردع هذه الضغوط، والأنكى، أنها كانت تُحمَل مسؤولية كل ما يحدث في الساحة الفلسطينية، دون أن تتلقى دعما سياسيا كافيا لتحقيق انجازات. أما الدعم التنموي فكان وما زال مشروطا بتقديم تنازلات سياسية تقدمها السلطة.
14. كان من المفروض أن تكون السلطة الوطنية الفلسطينية تحت وصاية م ت ف لكن قيامها أدى إلى إضعاف المنظمة وهذا قصر الفعل التنموي على الداخل الفلسطيني وأدى إلى تهميش الفلسطينيين في الخارج، وصارت السلطة الوطنية هي الجهة الداعمة ل / م ت ف ومسيطرة عليها.
العوامل السابقة منفردة ومجتمعة ساهمت في خلق سلطة فلسطينية وُوجهت بتحديات أكثر من طاقتها، كانت أمامها، في معظم الأوقات، عاجزة وحائرة وخائرة. ولأنها هي أصلا، كما سبق ولاحظنا، كانت ضعيفة ومنقسمة، ولا تمتلك رؤية تنموية واضحة، وبسبب تزايد التناقضات وتعمقها في الساحة الفلسطينية، وبسبب الفساد، وعدم النجاعة في الأداء الوظيفي للسلطة، تكرس فشلها، وتعمق انقسام الواقع الفلسطيني وتعاظم إلى درجة الصراع والاقتتال، فانعكس كل ذلك على الواقع التنموي الفلسطيني سلبا.
ضعف العامل الذاتي في المجال التنموي كما في النضال والسياسة يؤدي إلى الفشل وعدم النجاعة، كل ذلك في ظل ظروف موضوعية قاهرة وضاغطة على الشعب الفلسطيني خصوصا في ظل التحولات الدولية لصالح إسرائيل. فالعالم منذ 1991 صار أحاديا بقيادة الولايات المتحدة الحليف المركزي لإسرائيل، والواقع القطري العربي تكرس في أغلبه أنظمة تابعة شكلت عوامل ضغط ضد الشعب الفلسطيني لا عوامل مساندة.
الظروف الموضوعية السابقة التي جعلت من أوسلو اتفاقا سياسيا لصالح إسرائيل وبشروطها، ومن اتفاقية باريس اتفاقا اقتصاديا ضاغطا على الشعب الفلسطيني وضع السلطة الوطنية والمنظمة في موقع الضعيف غير القادر على تحقيق انجازات سياسية أو تنموية بشكل عام. مما أوقع السلطة تحت إملاءات الولايات المتحدة وحليفتها المدللة إسرائيل. وجعل من خيار التفاوض خيارا قاتلا نقل السلطة الوطنية والمنظمة من واقع سيء إلى أسوأ.
إن أخطر ما واجه السلطة الفلسطينية هو قبولها باملاءات البنك الدولي والدول والمؤسسات الدولية وتبنيها سياسات تنموية تقليدية لا تصلح حتى للدول المستقلة في العالم الثالث، حيث كان تبنيها لها كارثة على اقتصادها وسياساتها التنموية.
لا يمكن أن نتخيل أن أنسانا عاقلا أو مؤسسة تحترم نفسها تقبل أن تطرح سياسات تنموية كسياسة اقتصاد السوق وتشجيع القطاع الخاص، والحرية التجارية في الواقع الفلسطيني الزاخر بالحواجز المادية المباشرة والملموسة كالمستوطنات.
الواقع الفلسطيني، في ظل احتلال مفروض بقوة السلاح والأوامر العسكرية، لا يسمح باستغلال الفلسطيني لأرضه وكل موارده، ويعرقل خلق مؤسسات وتفعيل المؤسسات القائمة، فكل عناصر العملية الاقتصادية مضبوطة بأوامر احتلالية تقيد المواطن الفلسطيني، بحيث يشكل كل منها حاجزا أمام حريته الفردية وبالذات حريته الاقتصادية.
وفي الواقع الفلسطيني تدمير وقمع يومي مباشر، وفصل بين المدن والقرى لدرجة يصعب معها التحدث عن سوق واحد، بل عن عدة أسواق فلسطينية. إن من يطرح اقتصاد السوق في ظل سيطرة وهيمنة الاحتلال على الأرض الفلسطينية يساهم في تعزيز الاحتلال وترسيخه، فاقتصاد السوق لا يهتم بالمشاعر الإنسانية ولا يكترث بما يصيب البعض من دمار أو تخريب، وربما الموت جوعا، ولا يهتم بالهوية الوطنية لأنه يهتم أولا وأخير بالربح، العامل الأساسي في تحريكه. لذلك، ليس غريبا أن نجد أن 65% من القطاع الخاص الفلسطيني هم مقاولون من الباطن للاقتصاد الاحتلالي. وليس غريبا أن يستهلك المجلود والمقموع سلع جلاده. ان اقتصاد السوق يميز بين اسعار السلع، ولا يميز بين هوية صانعيها. لذلك، تحتل سلع الاحتلال السوق الفلسطيني وتشكل أهم عائق أمام تطوره، بل أمام تحرره. لذلك، الحديث عن سياسة دعم القطاع الخاص في ظل الظروف المعطاه في الواقع الفلسطيني هو حديث عن دعم للتبعية لاقتصاد الاحتلال.
بالإضافة إلى ما سبق، هناك حواجز التخلف والجهل، والعلاقات الاجتماعية المتخلفة، وسوء الإدارة والفساد والعديد من الآثار الخارجية التي يخلفها انفتاح اقتصاد ضعيف على اقتصاد قوي محتل. لذلك، واقعنا الفلسطيني يعاني من تشوهات جغرافية وهيكلية وأخرى في الأجور والأسعار وفي التجارة الخارجية، وفي المرافق، وفي البنية الاجتماعية، ومن الصعب، بل من المستحيل أن يكون اقتصاد السوق بآلياته خيارا لمصلحة الاقتصاد الوطني وعاملا من عوامل تحرر الإنسان الفلسطيني واستقلاله وتقدمه، بل يشكل وجوده ترسيخا للاحتلال وسيطرته وهيمنته.
إن أهم مشكلة في الواقع الفلسطيني هي أن المحتل هو الأقوى واقتصاد السوق يخدم بآلياته العمياء الميكانيكية الأقوى ويعمل لصالحه. وبالمقابل، السلطة الوطنية الفلسطينية لا تسيطر على الأرض الفلسطينية وليس لها سيادة على السكان ولا على الموارد ولا على الحدود، وهي في ظل هكذا معطيات عاجزة على التدخل في اقتصاد سوقها لتحفز الاستثمار أو الإنتاج أو للحد من تأثير العوامل الخارجية عليه، فهي غير قادرة على إتباع سياسة حماية مباشرة أو غير مباشرة. وبذلك تطبيق سياسة اقتصاد السوق في الواقع الفلسطيني سيرسخ بقاء اقتصاده تابعا ومتخلفا وعاجزا، وهذا بالتأكيد سينعكس على الواقع السياسي للشعب الفلسطيني.
من الواضح ومن خلال تتبع التطور الاقتصادي بشكل خاص والتنموي بشكل عام في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية بسبب ممارسات الاحتلال ونتيجة لإتباع سياسات تنموية خاطئة أن وضع القطاعات الإنتاجية زاد سوء. قد يستغرب البعض ذلك، ولكن إمعان الاحتلال في مصادرة الأراضي الفلسطينية أعاق بشكل كبير تطور قطاع الإنتاج الزراعي، كما أن إمعانه في السيطرة على المياه الفلسطينية أدى إلى نقص مساحات الأراضي الزراعية المروية التي أصبحت في ظل السلطة أقل بكثير مما كانت عليه قبل قيامها. ومن الملاحظ أيضا أن أهمية قطاع الإنتاج الزراعي من خلال مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي قلت. وبالرغم من أن هذا تطور طبيعي في سياق تطور الاقتصادات الرأسمالية إلا أنه في الأرض المحتلة اقترن ببقاء مساهمة القطاع الصناعي على نفس مساهمته تقريبا، فمساهمته كانت 6,7% عام 1968 ، وفي عقد التسعينات وصلت إلى 11% إلا أنها عادت وهبطت لتصل إلى 9% في العامين 1997-1998 وهبطت إلى 7% عام 1999 ووصلت إلى أقل نسبة لها وهي 6,9% عام 2005 ثم عادت إلى 8,1 و 8,3 عامي 2006 و 2007. ويلاحظ في معظم الدول النامية أن مساهمة قطاعي الزراعة والصناعة تصل إلى أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي (57%) بينما هي في فلسطين أقل من الربع. ويشكل هذا الوضع غير الطبيعي للقطاع الإنتاجي في الاقتصاد الفلسطيني الدينامية التي تكرس وضع التنمية مرتبطا بالاقتصاد الإسرائيلي.
وإذا تتبعنا نمو الناتج المحلي الإجمالي سنلاحظ أنه نما في الفترة الممتدة بين عامي 1968و1987 بمعدل 5.6% في الضفة الغربية، و 4.8% في قطاع غزة. وبلغ نموه في الفترة الممتدة بين عامي 1995 و1998 في الضفة الغربية 5.4% وفي غزة 3.6% أما في الفترة الممتدة بين عامي 1998و2007 فقد كان معدل نموه ـ 0.72% في الضفة الغربية وغزة.
كما يلاحظ تزايد أهمية قطاع الإنشاءات والخدمات وانخفاض أهمية القطاعات الإنتاجية، من حيث القدرة التشغيلية، بعد تغيير البنية الهيكلية في ظل السلطة. وهو تغيير، إذا ربطناه بتغيير المستوى الاستهلاكي، وزيادة الواردات وانخفاض الصادرات يعبر عن تناقص في أهمية القطاعات الإنتاجية.
الواقع الفلسطيني في ظل السلطة الوطنية لم يستطع الفكاك من سيطرة الاقتصاد الإسرائيلي عليه، حيث تعمق ارتباط السوق الفلسطيني تصديرا بالسوق الإسرائيلي. ففي ظل السلطة الوطنية زادت الصادرات الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلي فوصلت سنة 1993إلى 82% من مجمل الصادرات، وظلت في حوالي 90% خلال السنوات الممتدة من 2002-2005. والعجز في الميزان التجاري بلغ 162.1 مليون دولار في السنوات 1968-1977 و 480.9 مليون دولار في السنوات الممتدة من 1983_1994 و1416 مليون دولار في السنوات الممتدة بين 2002-2005. وبالرغم من تناقص نسبة الواردات من إسرائيل ظلت المصدر الأساسي للواردات الفلسطينية، وظل السوق الفلسطيني من أهم الأسواق للسلع الإسرائيلية.
إن أخطر ارتباط للاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي هو تشغيل قطاع مهم من قوة العمل الفلسطينية في قطاعات الإنتاج الإسرائيلية، حيث استغل الاحتلال ذلك في الضغط على الشعب الفلسطيني في الأزمات. فكان يعمق من أزمة البطالة في الواقع الفلسطيني ليستغلها كورقة ضغط على الشعب الفلسطيني. فمنذ 1967 بدأ تزايد عدد العاملين في قطاعات الإنتاج الإسرائيلية ليصل سنة 1970 إلى 19800 عاملا، وسنة 1975 الى 62,900 عاملا، وسنة 1987 الى 108,900 عاملا، وسنة 1994 إلى 74,800 عاملا، وسنة 1998 الى 110,800 عاملا، وبلغت نسبتهم 10,3% من العاملين سنة 2002، و 9,7% سنة 2003 و 8.7% سنة 2004 و 9,9% سنة 2005 و 9,6% سنة 2006.
بالمقابل، لجوء السلطة الوطنية إلى التشغيل غير المنتج في قطاع الوظائف الحكومية عمق أزمة السلطة الوطنية ولم يحلها. إن زيادة عدد موظفي السلطة الوطنية من 39 ألف موظف عام 1996 إلى حوالي 150870 موظفا سنة 2008، أي بزيادة قدرها 387% يشير بوضوح إلى وجود سياسة لا تقوم على التوظيف لتلبية الاحتياجات الإدارية والتشغيلية. وزيادة المصروف على الرواتب من 304.3 مليون دولار سنة 1995 إلى 1368 مليون دولار عام 2006 يعني وصول السلطة الوطنية إلى مأزق مضاعف.
سياسة تشغيل العمال الفلسطينيين في قطاعات إنتاج المحتل، كانت وما زالت، واحدة من السياسات التي عملت على تفكيك الترابط الداخلي بين علاقات الإنتاج والدخل وتوازن العرض والطلب في السوق الفلسطينية، ونشأ وضع يتكون فيه دخل ثلث الأيدي العاملة من العمل في الاقتصاد الإسرائيلي. ومع سياسات الإغلاق التي مارسها الاحتلال منذ العام 1992 تعرض الاقتصاد الفلسطيني لصدمات كبيرة بحكم افتقاره لهذا الدخل. ومن الملاحظ أن السلطة الوطنية الفلسطينية لم تحقق أي إنجاز على صعيد تطوير القطاعات الإنتاجية القادرة على استيعاب الأيدي العاملة الفلسطينية. وبدلا من ذلك اعتمدت سياسة التوظيف والتشغيل غير المنتج في القطاع الوظيفي العام مما عمق من أزمتها الاقتصادية، وزاد من تبعيتها بسبب حاجتها للدعم الخارجي الذي استغل لفرض شروط سياسية عليها. البطالة وعمل العمال في قطاعات الإنتاج الإسرائيلية والتشغيل غير المنتج من أهم دلالات الخلل في السياسات التنموية في الواقع الفلسطيني في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية.
وما يجري اليوم هو ابرز دليل على أن السلطة الوطنية عاجزة عن دفع رواتب موظفيها بالكامل بسبب تناقص الدعم الخارجي الذي يستخدم ضد السلطة الوطنية لمنعها من اللجوء إلى الأمم المتحدة للحصول على اعتراف دولي بدولتها على حدود الرابع من حزيران كما تطالب الولايات المتحدة. ففي ظل الواقع السابق يذهب الدعم الخارجي أدراج الرياح لأن الدخل المتحقق من الأجور والرواتب يسيل باتجاه الاستهلاك، الذي هو في معظمة من الواردات من الخارج. ولأن حصة الواردات من السلع والخدمات في الواقع الفلسطيني عالية جدا تتسلل أموال الدعم الخارجي عائدة إلى الخارج، وتصب بالذات في اقتصاد الاحتلال، حيث الواردات منه هي الأعلى. فالمساعدات الخارجية البالغة 497 مليون دولار عام 1999 والمتزايدة لتصل إلى 1322 مليون دولار سنة 2007 لم تخفف من الفقر المتزايد، وأدت إلى تزايد مضطرد في الاستهلاك وثبات في الواردات وانخفاض في الصادرات، وزيادة الدين العام وتناقص في الناتج المحلي الإجمالي.
الحل في اعتقادنا هو خلق تنمية تحرر في الواقع الفلسطيني، أي تنمية فعل، ونشاط ايجابي وديناميكي، يتجه إلى تغيير الشروط المادية للواقع من خلال تنمية قدرات قوى الفعل في المجتمع، وهم الناس أفرادا وجماعات، لتمكينهم من الإنتاج بنجاعة وفعالية واستثمار مواردهم الاقتصادية لخلق مجتمع إنساني بكل ما في هذه الكلمة من أبعاد. واستنادا إلى ما سبق، التنمية بالرؤية الوطنية تعمق الوعي الوطني والقومي في مواجهة التغريب، وتنمي الثقافة الوطنية التي تمكن من تعميق الوحدة الوطنية وتجذير الفعل التنموي من اجل خلاص وطني لا فردي، من التخلف والمرض والعجز والفقر، وتسعى إلى فرض السيادة الوطنية بالثقافة والقيم الوطنية في ظل انتفاء السيادة بسبب قوة المحتل أو هيمنة المركز الدولي اقتصاديا. والتنمية بالرؤية الوطنية في ظل الاحتلال تعتمد على بناء الأطر الشعبية والمؤسسات الأهلية الوطنية الفاعلة لخلق بناء تنموي مؤطر في ظل عدم وجود دولة، ولخلق السيادة الشعبية في ظل نقص السيادة السياسية. هذه الرؤية تعتمد آليات مختلفة لتطوير الإنتاج الوطني وحماية المنتج الوطني، أهمها اعتماد تحريك وتفعيل الإنتاج الوطني بالاستهلاك الوطني المرتكز على الوعي الوطني لا حافز الربح المحرك للاقتصاد في ظل سياسة اقتصاد السوق، والذي قد يؤدي إلى تدمير المنتج الوطني ونفيه لصالح سلع الاحتلال أو السلع الأجنبية.
للتنمية بالرؤية الوطنية برامج وبالذات برنامجان استراتيجيان هما: الأول: للتنمية الوطنية في ظل الاحتلال، والثاني: للتنمية الوطنية في ظل الاستقلال. ولها استراتيجيات أهمها: البناء في قدرة الإنسان، والحفاظ على الوحدة وتعميق وتطوير البناء الثقافي والقيمي الوطني، والتأكيد على أن الأرض عامل مركزي في التنمية الوطنية. ومحور وأساس وهدف البرامج والسياسات هو الاستقلال الوطني لا الربح الاقتصادي. والسياستان المتبعتان لإنجاز البرامج والأهداف هما التنمية البشرية والتنمية الإنتاجية في علاقة جدلية تمكن كل منها من تعزيز الأخرى. لذلك، يجب التأكيد على تنمية التعليم، وكم المعرفة ومنهج التفكير، وتنمية القدرات الجسدية، والمهارات، والتنظيم والإدارة. وبما أن الأرض هي محور الصراع، يجب التركيز على أن التنمية الإنتاجية تبدأ من وترتكز على التنمية الزراعية، في علاقة متصلة مع التنمية الصناعية، والحرفية. وآليات التنمية الإنتاجية هي تشجيع استهلاك المنتجات الوطنية والسعي إلى تخفيض تكلفة مستوى الحياة الاقتصادي، والحفاظ على نمط حياة شعبي ووطني والحفاظ على التراث الوطني بطرق مختلفة، وإعطاء قيمة للمنتج الوطني.
إن محرك التنمية بالرؤية الوطنية هو التحرر والاستقلال لا الربح الاقتصادي أو الجدوى الاقتصادية. فإذا كان الخيار إما الربح الاقتصادي أو الاستقلال والتحرر يجب الانحياز للتحرر، وهذا لا يعني عدم اخذ الربح الاقتصادي بعين الاعتبار لأنه محرك فعال للتنمية الاقتصادية.
-------
* احمد ابو غوش: باحث وكاتب فلسطيني، له مؤلفات عديدة منها ملاحظات حول التطور العربي والمسألة القومية.