×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

فلسطين (الدولة) في عصبة الأمم، وقرارات الأمم المتحدة قبل نشأة م.ت.ف(عرض تاريخي تحليلي)

فلسطين (الدولة) في عصبة الأمم، وقرارات الأمم المتحدة قبل نشأة م.ت.ف(عرض تاريخي تحليلي)

بقلم: تيسير محيسن*

وفقاً للرئيس عباس، قد يضفي استحقاق أيلول/سبتمبر (انتزاع اعتراف دولي بحدود الدولة الفلسطينية، وقبول عضويتها في الأمم المتحدة) قيمة كبيرة للنضال الفلسطيني، تتمثل في تدويل النّزاع، وتغليب البعد القانوني على البعد السياسي، ومتابعة الإدعاء ضد إسرائيل لدى مؤسسات الأمم المتحدة، والتفاوض بين دولتين وليس مع شعب مهزوم.

في ظل فشل مشاريع التسوية، وعدم وضوح الخيارات والبدائل، يكون من المفيد مراجعة قرارات الهيئة الدولية تجاه القضية الفلسطينية، وتجاه مسألة الدولة على وجه الخصوص.

وعليه، تقدم هذه المقالة قراءة سريعة في أبرز وثيقتين صادرتين عن عصبة الأمم ومن ثم هيئة الأمم المتحدة. الوثيقة الأولى، وهي صك الانتداب 6 تموز/ يوليو 1921، والثانية، فهي نص قرار التقسيم 181 الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947.

شهدت فلسطين، في الفترة بين مطلع القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، تطورات سياسية وإدارية واقتصادية واجتماعية، متداخلة ومتسارعة، بتأثير عوامل شتى، أعمق تأثيراً، مما شهدته طيلة القرون الثلاثة السابقة من الحكم العثماني. تشكل هذه التطورات مرتكزات أساسية لفهم الأحداث اللاحقة في فلسطين بما لها من خصوصية ومكانة متميزة.

هذا التطور الكبير في التشكيلة الاجتماعية الفلسطينية، كان يوازيه تطور آخر يشكل نقيضا له ألا وهو تأسيس الحركة الصهيونية رسمياً في عام 1897، وتبنيها هدف إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، والذي لقي دعما أوروبيا سرعان ما بدأ العمل المنظم على تنفيذه. فقد أصدر وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور تصريحه المعروف في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917 الذي أيدت فيه بريطانيا إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

يرى يزيد الصايغ، أن القضية الفلسطينية تأثرت بالتطورات البنيوية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فزوال الإمبراطورية العثمانية وبسط السيطرة الانتدابية أديا إلى فتح الأبواب أمام الهجرة اليهودية وغلقها، من جهة أخرى، أمام إقامة الدولة العربية وإمكانية تقرير المصير أسوة بالأقطار العربية المجاورة. هذا وساهمت العوامل النسقية، ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، في قيام إسرائيل، بينما حالت دون قيام كيانية فلسطينية.

وهكذا، رأت إسرائيل النور كدولة بفضل ثلاثة عوامل: (1) إرساء بنى الدولة في ظل سيطرة الانتداب البريطاني، بالتعاون معه وبرعايته، (2) استخدام القوة والعنف (3) تواطؤ العامل الدولي وانحيازه. في المقابل، بضعف عامل الدينامية الداخلية للمجتمع الفلسطيني، كعامل رابع، يمكن تفسير عدم قيام دولة فلسطينية. فالمجتمع الفلسطيني لم يصل إلى الدرجة نفسها التي وصل إليها مجتمع اليشوف، ولم يفرز بنية دولة، ولا مؤسسات تمثيلية، ولم يفلح في امتلاك قدرات عسكرية كافية. وبالرغم من أن المجتمع الفلسطيني لم يكن أقل تقدماً من مجتمعات الدول المجاورة، لكن ما كان ينقص الفلسطينيين هو القدرة على الحشد الاجتماعي والسياسي الكافيين للتغلب على التحديات.

صك الانتداب:

صادق مجلس عصبة الأمم على صك الانتداب في 24 تموز/ يوليو 1922، ووضع موضع التنفيذ في 29 أيلول/ سبتمبر 1923. تألف الصك من مقدمه و28 مادة. اختصت المواد 22،11،7،6،4،2 بإنشاء الوطن القومي اليهودي، أما المواد 17،21،3،1 فقد تناولت المصالح البريطانية وأعطت دولة الانتداب السلطة التامة في التشريع والإدارة.

امتنع صك الانتداب عن الإشارة صراحة إلى الفلسطينيين كشعب أو ذكر حقوقهم في تقرير المصير، بينما اشتمل على النص الكامل لوعد بلفور، وأكد التزام سلطة الانتداب رعاية مشروع إقامة وطن قومي لليهود ودعمه.

كان لصك الانتداب الأثر الكبير على الفلسطينيين؛ إذ أثر بشكل واضح على صيرورتهم الاجتماعية والسياسية والإدارية. فقد عانى الفلسطينيون في عهد الانتداب من التمييز على الصعيد الدستوري، وهو التمييز الذي حاول البريطانيون التستر عليه من خلال تصوير أنفسهم "وسطاء عادلين" بين جماعتين محليتين متساويتين نسبياً. وفي هذا السياق، يصف الخالدي الإطار الدستوري والقانوني المعقد والفريد الذي أدارت بريطانيا من خلاله احتلالها فلسطين بـ"القفص الحديديالذي شكل عائقا كبيرا لم ينجح الفلسطينيون من الإفلات منه وتجاوزه، والذي وقف حائلا أمام تحقيق طموحاتهم. كما لم تتعامل بريطانيا مع عرب فلسطين بصفتهم شعباً قائماً بذاته، وإنما حرمتهم من أي مدخل للمشاركة في حكومة الانتداب، وحالت دون تمكينهم من إقامة بنية شبيهة بالدولة، ومعترف بها دولياً.
علاوة على ذلك، لم يعترف البريطانيون بأية صفة تمثيلية للأطر الوطنية التي شكلها الفلسطينيون، ما لم تقبل هذه الأطر، وكشرط مسبق، بالسياسة البريطانية. وحتى عندما اقترحت حكومة الانتداب إقامة مجلس تشريعي، أو وكالة عربية، رهنت قيامهما بقبول العرب هذا الشرط المسبق.

ترتب على ذلك، أن وجد الفلسطينيون أنفسهم، خلافاً لما كان عليه الأمر في البلدان العربية المجاورة، بدون برلمان أو هيئة تمثيلية منتخبة، أو مجلس وزراء، وكان المندوب السامي هو المصدر الوحيد للسلطة. ويلحظ الخالدي مفارقة تمثلت في دور المؤسسات الإسلامية التي أنشأها البريطانيون، مثل المجلس الإسلامي الأعلى، ومنصب مفتي فلسطين الأكبر. فقد تمتعت هذه المؤسسات بدرجة معينة من الاستقلالية وبقدر لا بأس به من الإيرادات، غير أنها انسجمت، إلى حد كبير، مع الرؤية البريطانية لفلسطين بصفتها بلداً مكوناً من ثلاث طوائف دينية، واحدة منها فقط تتمتع بحقوق وطنية.

لم يتجاهل صك الانتداب واقع فلسطين التاريخي والقومي فحسب، وإنما تجاهل الأكثرية العربية الساحقة (90% من مجموع السكان). كما شكل الصك مخالفة لميثاق عصبة الأمم بحسب ما جاء في المادة (22) الذي جعل لرغبة السكان الأصليين المقام الأول في اختيار الدول المنتدبة، فالعرب، وهم السكان الأصليون والأغلبية الساحقة، لم يختاروا بريطانيا، بل إن المنظمة الصهيونية العالمية هي التي اختارتها.

قرار التقسيم:

اشتمل القرار، الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، على مجموعة من المبادئ والآليات تحكم المرحلة الانتقالية بين إنهاء الانتداب البريطاني، وتثبيت الوضع النهائي عبر إنشاء دولتين، واحدة عربية على مساحة 43% تقريبا، وأخرى يهودية 56% تقريبا، مع وضع وصاية دولية على القدس. أما الآلية المقترحة فهي لجنة دولية تشرف على إنشاء مجلسي حكومة مؤقتين، وإنشاء أجهزة حكومية إدارية مركزية ومحلية، تجنيد ميليشيا مسلحة في كلا الدولتين، إجراء انتخابات الجمعية التأسيسية، ووضع مسودة دستور ديمقراطي، واختيار حكومة مؤقتة، وإنشاء مجلس اقتصادي مشترك.

من المبادئ التي تضمنها القرار، الانتخاب بالتصويت العام وبالاقتراع السري، التمثيل النسبي، تسوية الخلافات بالوسائل السلمية، الامتناع عن التهديد بالقوة أو استعمالها، ضمان الحقوق المتساوية في الشؤون الدينية والمدنية والاقتصادية، والتمتع بحقوق الإنسان وبالحريات الأساسية، المحافظة على حرية المرور والزيارة لجميع سكان ومواطني الدولة الأخرى في فلسطين ومدينة القدس، عدم المس بالحقوق القائمة المتعلقة بالأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية، عدم التمييز بين السكان بأي شكل من الأشكال، الحق في حماية القانون، احترام القانون العائلي، والأحوال الشخصية لمختلف الأقليات، وكذلك مصالحها الدينية ونظمها التربوية والتعليمية، عدم جواز نزع ملكية أي أرض إلا للمنفعة العامة. كما حدد القرار أهداف الاتحاد الاقتصادي الفلسطيني في ضمان الوحدة الجمركية والنظام النقدي، وإدارة الطرق والسكك الحديدية، ومرافق الاتصال، والإنماء الاقتصادي المشترك، وتمكين الدولتين من الوصول إلى المياه ومصادر الطاقة دون تمييز.

إذا كان قرار التقسيم في ظاهره ينطوي على مخطط عملي لقيام دولة مدنية، واحدة عربية وأخرى يهودية، مع مراعاة المساواة بين الطرفين في الحقوق والالتزامات، غير أنه من حيث الجوهر هو محاولة لإضفاء المشروعية الدولية على واقع جديد في فلسطين، يقوم على تقسيمها وإعطاء اليهود حق إقامة كيان قومي لهم على أكثر من نصف مساحتها، وذلك على حساب سكانها الأصليين وحقوقهم الفردية والجماعية. واستخدم القرار كلمة فلسطين للإشارة إلى الإقليم الجغرافي وليس إلى الكيان السياسي، كما استخدم تعبير فلسطيني للإشارة للجنسية وليس إلى الانتماء الوطني أو "الهوية الوطنية"، هذا ووردت مصطلحات عربي ويهودي بمعناها القومي (nation)، وليس بمضامينها الدينية أو العرقية.

يرى عبد الله حوراني، أن قرار التقسيم، وحده من بين قرارات الشرعية الدولية الذي ينص على حق عرب فلسطين في تقرير مصيرهم، وإقامة دولتهم المستقلة، مساوياً بينهم وبين إسرائيل في حق الدولة، وعليه كان من شأن قيام الدولة الفلسطينية ضمن حدود التقسيم حل مشكلة ثلثي اللاجئين. كما أن تطبيق القرار، ووجود العرب واليهود على قدم المساواة داخل دولة إسرائيل، يحولها إلى دولة لكل مواطنيها، ويساهم في تحريرها من عقدة العرقية والعنصرية التي تتحكم فيها، ويفتح الباب أمام تعايش حقيقي بين العرب واليهود، ويمهد في المستقبل لقيام دولة ديمقراطية واحدة.

خلاصات ختامية:

(1) أصدرت هيئات الأمم المتحدة طوال فترة الصراع الكثير من القرارات والتوصيات تتعلق بالمسألة الفلسطينية. يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات: الأولى قرارات تأسيسية، منها صك الانتداب الذي أغفل وجود الشعب الفلسطيني ونفى بالتالي حقوقه السياسية، وقرار التقسيم الذي أجاز قيام دولة عربية على مساحة 43% تقريبا، ولكنه منح، دون وجه حق، اليهود دولة على أرض فلسطين. الثانية تضم القرارات والتوصيات الصادرة حتى عام 1969 والتي عالجت المسألة الفلسطينية باعتبارها مشكلة لاجئين. أما قرارات المجموعة الثالثة الصادرة ما بعد ذلك التاريخ فعالجت القضية من منطلق حق تقرير المصير، ومنها اعتراف الجمعية العامة بإعلان دولة فلسطين 1988، وتبني مجلس الأمن لأول مرة قراراً يذكر فيه دولة فلسطينية عام 2002.

(2) تباينت مواقف الفلسطينيين تجاه الأمم المتحدة وقراراتها وتوصياتها، فمنهم من اعتبرها مسؤولة عن خلق مشكلتهم، ومنهم من يرى أنها منظمة عاجزة أو مهيمن عليها، هذا بينما تبنى آخرون موقفاً ايجابياً ورأوا ضرورة احترام الشرعية الدولية التي تمثلها.

وفيما يتعلق بموضوع الدولة، يتهم أصحاب الرأي الأول المنظمة الدولية بالخروج عن ميثاقها حين منحت نفسها حق خلق دولة جديدة بتقسيم دولة قائمة، وأن الحل الذي تقدمت به المنظمة لا يتفق واعتبارات العدالة والقانون الدوليين، وقرار التقسيم قدم أكثر من تصريح بلفور وصك الانتداب. أصحاب الرأي الثالث دعوا للموافقة على قرار التقسيم بالرغم من الإجحاف الذي انطوى عليه، وذلك لقطع الطريق على أطماع الحركة الصهيونية، واقتناص الفرصة التاريخية السانحة بإقامة دولة عربية فلسطينية على المساحة المخصصة بموجب القرار الدولي.

(3) أدرك القادة الصهاينة أن الحجج والبراهين التاريخية والتوراتية لا تكفي لإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، وأن فرض الأمر الواقع بالقوة يفتقر إلى المشروعية والقبول والديمومة، ولذلك سعوا دوماً إلى الحصول على سند شرعي وقانوني من قبل المنظمة الدولية، دون أن يلتزموا من جانبهم بقراراتها وتوصياتها التي تتعارض وأهدافهم. ومن هنا فما يُعرف بـ" بالشرعية الدولية" سواء أكان عصبة الأمم، أو الأمم المتحدة، استخدمتها الحركة الصهيونية لترسيخ وجودها و"شرعيتها" دوليا. في المقابل، فإن أية قرارات تدعم الحق الفلسطيني كان يتم تجاهلها وإجهاضها. وبالتالي فالمؤامرة الدولية وإمكانات القوى الكبرى كانت أكبر من قدرات الفلسطينيين في وقت افتقدوا فيه النصير القوى.

(4) يستخلص رشيد الخالدي في كتابه "القفص الحديدي: قصة الصراع الفلسطيني لإقامة دولة"، أنه بالرغم من الإجماع الدولي على حل الدولتين، فإن مسألة بنية، أو بنى، الدولة الملائمة للشعب الفلسطيني لم تتقرر بعد، الأمر الذي يشكل مصدر قلق وجودي عميق للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. فالفلسطينيون، وعلى الرغم من إحساسهم القوي بالهوية الجماعية، لم ينجحوا في إقامة دولة مستقلة خاصة بهم. أما الإسرائيليون، فمع امتلاكهم اليوم دولة قوية، إلا أنهم لازالوا يحملون في داخلهم مخاوف حول بقاء هذه الدولة وبقائهم كشعب.

في ضوء هذا القلق، يمكن فهم استحقاق أيلول وردود الفعل عليه والمواقف المتباينة حوله، والمأزق التاريخي المستحكم: فالفلسطينيون يريدون اعتراف العالم بحدود دولتهم، في ظل عدم وضوح بنية هذه الدولة، بينما يرى الإسرائيليون في ذلك محاولة لنزع الشرعية عن دولتهم. أما الأمم المتحدة، فمثلما كانت دوماً، رهينة موازين القوى الدولية، إما قادرة على اتخاذ قرارات تعجز عن تنفيذها، وإما عاجزة عن اتخاذ قرارات تضفي طابعاً إنسانياً وأخلاقياً على تدخلها.

يتفق الكثيرون على أن انجازاً كبيراً في الأمم المتحدة، ربما يتحقق، وقد ينطوي على تغيير المسار، إلا أنه لن يعدو كونه خطوة متواضعة على الطريق الطويل نحو إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني. فالأمم المتحدة وإجراءاتها القانونية وقراراتها السياسية وتوصياتها العملية هي، في نهاية المطاف، نتاج وحصيلة تأثير الدول المنضوية في عضويتها، وفقاً لمصالح هذه الدول والقيم التي تؤمن بها مجتمعاتها والمساومات التي تتفاوض حولها. وبالتالي، تمثل ساحة سياسية هامة يمكن ويجب خوض المعارك فيها.

قد يتيح استحقاق أيلول انطلاق أول محاولة جدية منذ إعلان وعد بلفور لشرح القضية الفلسطينية شرحاً وافياً وصحيحاً، على ألا تتم هذه العملية في إطار التفصيلات القانونية المبهمة، وإنما عبر المقومات الأساسية للقضية الفلسطينية التي يدعهما القانون الدولي، التي يعددها رشيد الخالدي كالتالي: إحقاق العدالة إنصافاً لضحايا التطهير الإثني قبل 63 عاماً، وذك عبر منح اللاجئين حقوقاً غير قابلة للتصرف، تحرير القدس من السيطرة التمييزية والحصرية لدولة إسرائيل المستبدة كي تصبح ملكاً لكل من يعيش ويمارس طقوس العبادة فيها ويعتبرها عاصمته، وضع حد نهائي للاحتلال والاستعمار في الأراضي المحتلة، ومنح الفلسطينيين حق تقرير المصير بعد طول انتظار وتأجيل.

----------
*تيسير محسين: عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني.