طباعة
صبرا وشاتيلا

بقلم: روبرت فسك
ما وجدناه داخل المخيم الفلسطيني في الساعة العاشرة صباحا ذاك الايلول لا يمكن المبالغة فيه، علما بأن وصفه باللغة الطبية الباردة أسهل على القلم والروح.
سبق للبنان أن قرأ التقارير الطبية ولكن نادرا ما كانت على هذا الحجم، ولم يسبق أن أهملت من قبل الجيش النظامي الذي يفترض أن يتصف بالانضباط في غوغاء الكراهية والمعارك. لبنان شهد قتل عشرات الآلاف في لكن هؤلاء المئات من سكان المخيم قتلوا بدم بارد هم لا يملكون لا حول ولا قوة.
هنا آثار قتل جماعي، هذه الحادثة، وما أسهل استخدام كلمة حادثة في لبنان، جريمة فاقت الحوادث التي كان الجيش الإسرائيلي دوما يصفها كحادثة عرضية وقعت في خضم مواجهة الإرهاب. إنها جريمة حرب.
الصحفيان اللذان رافقاني ( جنكنز و نفايت) صعقا لما رأيناه في شاتيلا لدرجة أننا لم نستوعب المنظر لنعبر عنه. (بيل فولي) من وكالة ايه بي (AP )  أتى معنا، لم تستطع شفتاه أن تنطق الا؛ " يا مسيح " مرة تلو الأخرى.

كصحفيين نغطي الحرب كان من الممكن أن نستوعب وقوع حالات قتل أو حتى مشاهدة عشرات الجثث في خسرت أرواحها في وطيس معركة، ولكن هنا تستلقي النساء أموات في بيوتهن، أثوابهن ممزقة من أسفل الخصر سيقانهن منفرجة... وأطفال جزت رقابهم في عملية ذبح وحشي، صفوف من الشباب دخلت الطلقات في ظهورهم بعد أن اجبروا على الوقوف في طوابير أمام حائط الإعدام، أطفال اسودت أجسادهم خلال الساعات الأربع والعشرين وهم مرميون في أكوام النفايات ومن حولهم زجاجات الويسكي الفارغة وعبوات الطعام المختومة بعلامات الجيش الأمريكي والإسرائيلي.

أين القتلة؟ أو إن أردنا استخدام المصطلحات الإسرائيلية أين الإرهابيون؟ عندما أتينا إلى شاتيلا رأينا الإسرائيليين على أسطح العمارات في شارع كميل شمعون ولكنهم لم يحاولوا إيقافنا، الحقيقة أننا ذهبنا إلى مخيم برج البراجنة عندما علمنا بخبر المجزرة. هناك عندما وصلنا لم نرى سوى جندي لبناني يلحق بحرامي سيارات في إحدى أزقة المخيم.

فقط أثناء عودتنا قرر جنكنز إيقاف السيارة عند مدخل مخيم شاتيلا قائلا " ثمة شيئ مريب وغير مريح هنا .... أين الناس؟ وما هذه الرائحة الكريهة؟

في السابق كان عدد من المباني أحادية الطوابق تقف على مدخل المخيم الجنوبي، لقد أجريت العديد من المقابلات في هذه المساكن الفقيرة في السبعينيات. لقد دمرت تلك المباني بالديناميت وما تبقى منها سوى أكوام الحطام والردم وحولها مخازن الرصاص الفارغة متناثرة في الشارع الرئيسي والى جانبها  بقايا الانارات العسكرية التي تتهادى بالمظلات الصغيرة ببطء قبل وصولها الأرض وانطفائها.

هناك حول الردم أسراب الذباب تطن معلنة انتصارها بصوت يصلح موسيقى ترافق الكوابيس. على بضعة أمتار على يمين المدخل تراكم جبل من الجثث، أكثر من مجموعة من الشباب تداخلت أيديهم وأقدامهم بمنظر يصرخ بألم الموت دون همس. وجوههم تشهد للطلقة التي دخلت عبر  الفم ممزقة كل ما يعترضها في طريقها إلى تفجير الدماغ. على بعض رقابهم رأيت شريط الدم المحروق، احدهم تم خصيه، كان بنطاله ممزقا ومستوطنة ذباب تتحلق حول أحشائه الممزقة.

عيون هؤلاء الشباب باتت مفتوحة وشاخصة، أصغرهم لا يتجاوز 13 عاما يرتدون بنطالات جينز وقمصان ملونة مشدودة على جلدهم بسبب انتفاخ أجسامهم نتيجة الموت والحرارة، لم يتم سرقة أملاكهم حيث رأيت مؤشر ساعة سويسرية تشير إلى الوقت الصحيح، العقرب الطويل يدور ممتصا آخر طاقات صاحبها الميت ولكن ما الفائدة!

في الناحية الأخرى من الشارع الرئيسي عبرنا احد أزقة المخيم وركام منازله، وجدنا جثث خمسة نساء وعدة أطفال. كانت النساء في منتصف أعمارهن وجثثهن ملقية على تلة حطام إحداهن باتت على ظهرها بلباس ممزق، ومن خلفها رأينا وجه بنت صغيرة تنظر إلينا بشعر اسود ملفوف ونظرة غضب وهلع في عينييها ولكن كانت ميتة.

طفل آخر بات ملقي على حافة الطريق كالدمية التي لم يردها صاحبها، فستانها الأبيض ملطخا بالطين والغبار عمرها لم يتجاوز الثلاثة أعوام تم إطلاق النار عليها في الرأس فتحطمت جمجمتها. في الخلف، رأينا إحدى النساء تعانق ابنتها الصغيرة.كانت  الطلقة التي مرت من نهد الأم قد قتلت أيضا الطفلة. احد القتلة ادخل سكين في بطن امرأة حامل ممزقا أحشائها إلى اليمين ثم إلى الأعلى ربما ليقتل الجنين في رحمها قبل أن يولد، رأيت عيونها جاحظة ووجهها تجمد من الرهبة حتى قبل الموت.

ونحن واقفون سمعنا لسان عربي عبر الركام يصرخ إنهم عائدون فركضنا إلى الشارع من حيث أتينا، أظنه الغضب الذي منعنا من مغادرة ذلك المكان، انتظرنا عند البوابة لنلمح وجوه الرجال المسؤولين عن هذا كله لا بد أنهم دخلوا إلى هنا بإذن من إسرائيل ولا بد أن إسرائيل هي من وفرت السلاح لهم.

من الواضح أن الإسرائيليين قد راقبوا الفاعلين بنواظيرهم وهم يقومون بفعلتهم، تماما كما كانوا يراقبوننا  خلال جولتنا في المخيم.

متى يصبح القتل فضيحة؟ متى تصبح الحادثة المريعة مجزرة؟ لنطرح السؤال بطريقة أخرى ما هو عدد القتلى الذي يساوي مجزرة؟ ثلاثون؟ مائة؟ متى تكون المجزرة ليست مجزرة؟ أعندما يكون عدد الضحايا غير كاف أم عندما يكون مرتكب المجزرة من أصدقاء إسرائيل وليس من أعدائها؟!

هذا ما أظنه جوهر النقاش. لو أن قوات سورية دخلت الجليل وحاصرت كيبوتس وسمحت لحلفائها الفلسطينيين أن يذبحوا السكان اليهود لما تكلفت وكالة أنباء غربية واحدة عناء مناقشة فيما اذا كانت الحادثة مجزرة أم لا.

ما هو عدد القتلى الذي يساوي مجزرة؟ ثلاثون؟ مائة؟ متى تكون المجزرة ليست مجزرة؟ أعندما يكون عدد الضحايا غير كاف أم عندما يكون مرتكب المجزرة من أصدقاء إسرائيل وليس من أعدائها؟!

هذا ما أظنه جوهر النقاش. لو أن قوات سورية دخلت الجليل وحاصرت كيبوتس وسمحت لحلفائها الفلسطينيين أن يذبحوا السكان اليهود لما تكلفت وكالة أنباء غربية واحدة عناء مناقشة فيما إذا كانت الحادثة مجزرة أم لا.

لكن ضحايا بيروت من الفلسطينيين والمرتكب المباشر عناصر ميليشيا مسيحية متطرفة، دون شك، رغم أننا لم نكن متأكدين في تلك اللحظة أية ميليشيات بالتحديد، ولكن إسرائيل أيضا مذنبة ومدانة، فهي وان لم تشترك في القتل المباشر فقد تواطأت مع عناصر الميليشيا وسهلت دخولهم إلى المخيم بالتأكيد، وهي من درب القتلة ووفرت لهم الملابس العسكرية وعبوات الطعام الأمريكية، وأمدتهم بالمساعدات العسكرية والمعدات الطبية الإسرائيلية، ثم جلس الضباط  الإسرائيليون يراقبون القتلة وهم يقومون بعملهم القذر في المخيم.

إن سلاح الجو الإسرائيلي هو الذي أطلق تلك الانارات العسكرية ليضيء السماء لحلفاء إسرائيل وهم يقتلون سكان صبرا وشاتيلا.

 -------------------------------------

 نشر هذا المقال في صحيفة "الاندبندنت" بعيد ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا في ايلول عام 1982. والكاتب روبرت فيسك، يعد من أشهر الصحفيين العالميين وهو أهم المراسلين الدوليين بحسب نيويورك تايمز. وقد كتب المقال اثناء عمل الكاتب كمراسل مقيم في لبنان يغطي أحداث حرب عام 1982 وتبعاتها آنذاك. انظر: http://www.countercurrents.org/pa-fisk180903.htm