لا تمعنوا في قتل المخيم

 لا تمعنوا في قتل المخيم

بقلم:محمود زيدان
عاش مخيم شاتيلا مأساة مستمرة بدأت بالنكبة والتهجير تلتها المجزرة ثم حرب المخيمات، ولازال يرزح تحت نير سياسات التمييز والحرمان من ابسط الحقوق الإنسانية.
أسس مخيم شاتيلا من قبل الصليب الأحمر الدولي عام 1949 على مساحة لا تتجاوز النصف كيلومتر مربع، ويسكنه حسب إحصاءات الاونروا للعام 2004  8370 فلسطينيا مسجلا يعيشون ظروفا حياتية مأساوية.
تاريخيا، اعتبر مخيم شاتيلا مركزا للعمل الوطني الفلسطيني لكونه في وسط العاصمة بيروت حيث موقع القرار. ثم ارتبط اسمه فيما بعد بالمجزرة التي ذكرت العالم اجمع بإرهاب ووحشية الكيان الصهيوني الذي تعاقبت مجازره منذ النكبة عام 1948 ولما تتوقف بعد.  تلتها حرب المخيمات التي استنزفت المخيم ودفعت بالكثير من أبنائه إلى تركه. ومن افلح منهم في الهرب خارج البلاد لاقى ملاذا آمنا في دولة أوروبية، أما من لم يسعفه الحظ انتهى في منطقة بعيدة عن المخيم. قلة قليلة من أبناء مخيم شاتيلا يعيشون اليوم في المخيم الذي صار يضج بالغرباء الذين يشاطرون أبناء المخيم أوضاعا إنسانية قاسية تنعكس في فقر البنى التحتية، والأوضاع البيئية: الصحية والاجتماعية القاسية؛ حيث يشتري أهالي مخيم شاتيلا الماء والكهرباء؛ ناهيك عن الاكتظاظ السكاني والبناء العشوائي، بالإضافة إلى الانفلات الأمني وحالات العنف والآفات الأخلاقية المتزايدة باستمرار.

نكبة، تهجير، مجازر، حروب، تهميش، إفقار، حرمان، يأس، وضياع... مفردات تؤلف قصة شاتيلا. إن لواقع المخيم الأسود هذا، مخاطر وخيمة على سكان المخيم وله نتائج كارثية على مستقبل الشباب؛ حيث تنتشر بينهم موجة من الإحباط الشديد نتيجة تدهور الأوضاع الاجتماعية والأمنية والاقتصادية؛ ومما يزيد بدوره من نسبة الفقر. تقول نهاد حمد إحدى سكان المخيم: "إن الإحباط المنتشر بين الشباب سببه قلة فرص العمل وهذا بدوره انعكس على رغبة الشباب في الإقبال على التعلم." ولعل أموال المغتربين هي المورد الوحيد لأهالي المخيم. من جهتها، تساعد الأونروا عددا محدودا من أبناء المخيم ككبار السن وذوي الحاجات الاجتماعية العاجزين عن العمل كالمصابين بعاهات مستديمة جراء الحروب أو الاعتقالات.


كما يرى محمود ع.، 38 عاما، الذي فقد إحدى عينيه في حرب المخيمات أن تعاسة الحياة في المخيم تعود إلى قلة فرص العمل. إذ تصل البطالة في المخيم إلى نسبة عالية جدا تزيد على 50%؛ لذلك يعجز معظم سكان المخيم عن إعالة عائلاتهم. ويضيف محمود أن الزواج بات بالدين، ولولا مساعدة أفراد ميسورين من عوائل المخيم لما تزوج شاب من شبابه. وينهي محمود: "إن الخروج من هذه المأساة يكون فقط بتحقيق حق العودة."

أما ابو عرب، 67 عاما، فيرى أن المخيم بات زريبة، وهو لا يشكل بديلا عن فلسطين. وفي وصفه لوضعه يقول: "اشعر أنني غريب مشرد وذليل لان اللي ما عندو وطن ما عندو كرامة." ويرى أن العلم والقوة وحدهما يشكلان سبيل العودة إلى الوطن الذي لا ينسى.

هي حال اقرب إلى العبث! شظف العيش، مرارة اللجوء، الم الفراق والتشرذم، فماذا بعد أقسى؟ بالرغم من هذا الواقع القاسي الذي يسحق أهالي المخيم، طور أبناء شاتيلا آليات لمواجهة الصعاب، فاوجدوا بعض الجمعيات الاهلية التي تعمل في عدة ميادين وحقول كنوادي الشباب، ودور الحضانة، والجمعيات النسائية التي تسد بعض حاجات أهل المخيم. ومما يجدر ذكره هنا التجربة الريادية التي بادر إليها أهالي مخيم شاتيلا حيث تمت مواجهة الانقطاع الدائم والمستمر للكهرباء بتشكيل لجنة متابعة تلتها انتخابات للجنة شعبية نالت ثقة واحترام الأهالي. غير إنها اصطدمت بواقع التفتت والانفلات الأمني والتدخلات الخارجية. ما يدل على أن الشعب قادر على إعادة تنظيم نفسه لمواجهة التحديات المستجدة إذا ما توفرت له الظروف الملائمة.

كيف يمكن أن ينسى المرء حاله  وكل يوم تمعن فيه خيبات وويلات تحملها الذاكرة؟

المجزرة!

المجزرة التي راح ضحيتها بين 2500 – 3000 شهيد مزقت النسيج الاجتماعي للمخيم آنذاك.  فالقتل وحده سبب كاف لنتخيل كيف آلت أحوال الأهالي بعد فقدان الأم والأب والأخ والمعيل! أم حسين البرجي، 65 عاما، فقدت الزوج وثلاثة أولاد. " لم يعوض علينا احد، ولم يلتفت ألينا احد. نحن بحاجة إلى أدوية لكن من يؤمنها؟" بهذه الحرقة يتذكر أهالي المخيم المجزرة. ثم تكمل آم حسين: "كانت الساعة الخامسة والنصف عندما بدأت المجزرة. وكنا في الملاجى من شدة القصف. أخرجونا من الملاجئ وقتلوا أولادنا أمام أعيننا."

الجيل الأول لا يرى في هذه المجزرة سوى حلقة من عمليات تصفية الشعب الفلسطيني بدأها الصهاينة عام 1948. وهذا ما تؤكده نهاد حمد كما تشدد على ضرورة إحياء ذكرى هذه المجزرة كغيرها من المجازر: " كان أبي وهو من قرية الصفصاف في الجليل دائما يحدثنا عن المجزرة التي ارتكبت بحقهم في القرية. فهم اكرهوا على ترك القرية حين عمدت العصابات الصهيونية إلى قتل 104 اشخاص من الأهالي ثم عمدوا إلى دفنهم في بئر القرية كي لا ينجو الأحياء منهم." تضيف نهاد: "أنا ولدت في مخيم شاتيلا ولكني اعرف مجزرة الصفصاف تماما من حكايات والدي عنها."

وقد يرمي البعض الآخر باللائمة على المرجعيات السياسية الوطنية واللبنانية. فالمخيم ترك وحيدا. "لو كان في رجال في المخيم ما كانوا استهدفوا النسوان والأطفال"  بهذه الكلمات ابتدأ ابو عرب تذكره للمجزرة التي يعزو سببها إلى خوف العصابات اللبنانية من وهم احتلال الفلسطينيين لبلادهم.

تروي نهاد عن تجربتها: "هربنا من المخيم بعد بدء المجزرة. في البداية لم نعرف أن هناك مجزرة، كنا نسمع صوت الرصاص والطيران. لكن المجزرة كانت تجري بصمت. كانوا يدخلون البيوت ويقتلون كل من فيها، فلا يخرج من يخبر. أخيرا تمكن بعض المارة من الوصول إلينا بعد أن نجوا من القتل، ورأينا بعضهم يحمل أمعاءه بيديه. عندها هربنا من المدخل الشمالي للمخيم ولجأنا إلى شارع حمد. وهناك تذمر اللبنانيون من وجودنا وطلبوا إلينا الخروج لان إسرائيل تطاردنا، فتابعنا المسيرة بعيدا عن المخيم."

وعن أكثر ما يحتفر في الذاكرة قالت نهاد: " لا استطيع نسيان صورة جارتنا الخرساء الحامل مبقورة البطن وجنينها موضوع على صدرها. المجزرة عندي صراخ تلك المرأة المكبوت."  تنهي نهاد كلامها بلوعة وحرقة على أطفال المخيم وهي اليوم ترحل عنه من اجل أطفالها الذين تشعر بالمسؤولية تجاه إحباطهم الزائد إذا ما بقيت فيه.

قبل عامين، اي بعد مرور حوالي 58 عاماً على النكبة وتبعاتها التي عاشتها المخيمات الفلسطينية وخصوصا مخيم شاتيلا، زار وفد لبناني رسمي عالي المستوى مخيم شاتيلا وباقي المخيمات بهدف تحسين الأوضاع الإنسانية في المخيمات الفلسطينية التي تعاني قوانين وممارسات لا إنسانية كثيرة كان من أقساها قانوني العمل والتملك. لعل هذه الزيارة كانت لتترك أملا حقيقيا يبشر بجديد ما عند كثير من سكان مخيم شاتيلا والفلسطينيين في سائر المخيمات، إلا أن الحرب بين الجيش اللبناني وفتح الإسلام التي دمرت مخيم نهر البارد وشردت أهله، بددت كل أمل لدى الفلسطينيين. فماذا بعد؟

بعد ستين عاما على النكبة ينغص عيش الفلسطينيين في لبنان واقع اللجوء المرير، ومواجهة سياسات التمييز والحرمان من الحقوق الإنسانية، ويثقل عليهم ما يتعرض له أهلهم في فلسطين من مآسي يسببها ويرتكبها الاحتلال يوميا. وما يزيد الطين بلة أنهم يعيشون مرارة الاقتتال الداخلي على سلطة وهمية. لا زالت تقلق الأهالي هواجس ومخاوف مشاريع التوطين والتشتيت التي تحاك ضد حقهم في العودة إلى ديارهم وبيوتهم التي هجروا منها في فلسطين عام 1948.

-------------------------

محمود زيدان: ناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان وعضو مؤسس لمجموعة عائدون/ لبنان.

 

المزيد في هذه الفئة : « محمود درويش: صبرا وشاتيلا »