مقاطعـــة اسرائيــل: الدروس والعبــر

بقلم: حــازم جمجـــوم
في مطلع هذا العام، شكلت مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني "اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل"، والتي تضم في عضويتها نقابات عمالية وقوى سياسية ومؤسسات وطنية فلسطينية لتشكل مرجعية فلسطينية للحركة الدولية لمقاطعة إسرائيل.

لقد علت الأصوات والحملات المنادية بمقاطعة إسرائيل بطريقة عفوية في العديد من الدول الأوروبية، مع انطلاق الانتفاضة الثانية في أيلول 2000، وكان أبرزها مبادرة المقاطعة في بريطانيا في العام 2004 والتي تمت بالتنسيق مع الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية في رام الله، وحملة مقاطعة المنتجات الزراعية الإسرائيلية في بلجيكا في العام 2002، حيث نجحت هذه الحملة في تجميع مؤسسات أهلية في فاعلة في  المجتمع البلجيكي لدعم مقاطعة البضائع الإسرائيلية قبل ان تقوم المؤسسات الصهيونية بتهديد بعض مركباتها التي اضطرت الى الانسحاب منها.
وتعتبر المقاطعة من أقدم أساليب المقاومة ضد الاحتلال والعنصرية في فلسطين، حيث قامت القوى الوطنية بمقاطعة المصالح الصهيونية في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، وعملت الدول العربية والإسلامية ودول عدم الانحياز على مقاطعة الاستثمارات والبضائع الإسرائيلية بعد نكبة فلسطين في العام 1948.


بدأ تراجع حركة المقاطعة الدولية الرسمية مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل في اواخر سبعينيات القرن الماضي، والتوقيع على اتفاقيات أوسلو في عقد التسعينات من القرن الماضي، واتفاقيات عربية- إسرائيلية أخرى. وتحولت حركة المقاطعة في هذه الفترة من مواقف رسمية ميزتها مكاتب المقاطعة في العواصم العربية الى حركة شعبية انضوت تحت شعار "مناهضة التطبيع".

لقد أصبح التطبيع هدفا أمريكيا استراتيجيا معلنا، سعت الولايات المتحدة من خلاله الى جعل الشرق الأوسط منطقة تجارة حرة حتى عام 2013، وقد ترجمت سياستها هذه بوضع الشروط أمام الدول العربية الراغبة بالانضمام الى منظومة التجارة العالمية وبإبرام اتفاقيات اقتصادية معها بوجوب التطبيع الاقتصادي بين هذه الدول وبين إسرائيل.

بيد أن نقطة التحول في مسار حركة المقاطعة الدولية قد جاءت في التاسع من تموز من عام 2005، حيث صادفت الذكرى السنوية الأولى لصدور الرأي الاستشاري عن محكمة العدل الدولية والذي اعتبر فيه جدار الفصل العنصري "غير شرعي وغير قانوني". في هذه الذكرى، أصدرت مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني  نداء الى المجتمع المدني الدولي تطالبه فيه بالعمل على مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها حتى تنصاع للقانون الدولي وتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني وفي المقدمة منها تطبيق حق العودة للاجئين والمهجرين الفلسطينيين، وإنهاء الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وإزالة ما لحقه من تبعات، ومنح المساواة الكاملة للفلسطينيين داخل الخط الاخضر. وقع على هذا النداء أكثر من 170 نقابة واتحاد ومؤسسة وحركة وحملة فلسطينية تمثل جميع قطاعات الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية والشتات.

توقع المبادرون الفلسطينيون لهذا النداء والموقعون عليه أن تكون له نتائج ملموسة متوسطة وبعيدة المدى، خاصة، بالأخذ بعين الإعتبار تجربة المقاطعة في جنوب افريقيا التي حصدت ثمارها بعد اكثر من ثلاثين عاما من النضال. بيد أن قوة الموقف الفلسطيني الموحد قد جاء بنتائج فورية. فقد سارعت حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني في كافة الدول الأوروبية والأمريكيتين وأفريقيا الى تبني النداء، كما كان له كبير الأثر في تداولات نقابات عمالية أجنبية واتحادات طلبة ومؤسسات أخرى التي أعلنت في النهاية عن انضمامها الى حركة المقاطعة.

إن أبرز ما يميز حركة المقاطعة الجديدة عن سابقاتها، هو ارتكازها على أعمدة شعبية غير رسمية، وعليه، فهي تتطلب زيادة في برامجها الهادفة الى التوعية الشعبية بغية حشد الطاقات للوقوف الى جانب إخوانهم في فلسطين ومخيمات اللجوء. وتعني الطبيعة الشعبية لهذه الحركة أن لكل فرد مهما كان، وليس فقط ذوي النفوذ وصناع القرار، لهم دور في مناصرة الشعب الفلسطيني، عن طريق مقاطعة البضائع الإسرائيلية مثلا وتوعية من حوله.

كما تتميز حركة المقاطعة المتبلورة بتصنيف دولة إسرائيل كدولة "ابارتهايد"، بالإضافة الى وصفها كدولة "استعمار واحتلال". وهو ما يدل على تحول في نظرة العالم الى حقيقة ما تقوم به اسرائيل من جرائم وانتهاكات لحقوق الانسان ضد كافة أبناء الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، واللاجئين الفلسطينيين في الوطن والشتات، والمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل.

ورغم أن الحركة لم تكمل بعد عامها الرابع، ثمة دروس واستخلاصات جديرة بالاهتمام لكل المعنيين والمهتمين، يمكن استخلاصها، وأولها:

 أن وحدة الموقف الفلسطيني قد جاءت بنتائج فورية وقوية، خصوصا بعد سنوات من التشرذم والتجزئة التي واجهها الشعب الفلسطيني شانه بذلك شأن حركات التضامن التي انساق قسم منها في غياهب التجزئة ذاتها. كما أثبتت تجربة المقاطعة القصيرة أن حركات التضامن متعطشة للتوجيه الفلسطيني في كيف يمكن مساندتهم لمسيرة النضال الفلسطيني.

بالاضافة الى ذلك، ثمة أهمية بالغة في مساندة أنفسنا بالعودة الى مقاطعة البضائع الاسرائيلية في الاراضي المحتلة. فقد أصبح للفلسطيني القابع تحت الاحتلال نظرة دونية لنفسه ولمنتوجه الوطني، حتى عندما يكون المنتوج الفلسطيني اعلى جودة من منتج الاحتلال. لكن الموضوع لا يتمحور حول الجودة، فالفلسطيني الذي يختار البضائع الاسرائيلية بوجود بديل وطني أو أجنبي إنما يدعم الحصار على نفسه وعلى أهله وشعبه. من هذا المنظور، لا تعتبر المقاطعة عملا مقاوما، وإنما ثقافة مقاومة، وهي ثقافة تاثرت سلبيا بثقافة التطبيع التي تنهش بلحم كافة أبناء شعبنا.

العبرة الأخيرة المستفادة من تجربة جنوب أفريقيا، بالإضافة الى أهمية توحيد الصف الفلسطيني هي ان المقاطعة وحدها لم ولن تأتي بنتائج ملموسة، بل يجب ان تكون جزء من مشروع وطني يشمل المقاومة على ارض الواقع وسياسة خارجية تسعى جميعا الى تحقيق الهدف ذاته.

قد ننظر الى التدهور السياسي والاقتصادي في الساحة الفلسطينية ككارثة، ولكن نستطيع ايضا ان نرى فيها فرصة لاعادة بناء مشروعنا الوطني، يكون مبنيا على أساس حقوقنا المعترف بها دوليا، ومستندا للقاعدة الشعبية كذراع ضروري من ادرع نضالنا ضد العنصرية والاستبداد.

-----------------------

حازم جمجوم هو منسق المعلومات والإعلام باللغة الانجليزية في بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.