الجــدار: نمــاذج مــن المقاومــة الخلاقــــة

الجــدار: نمــاذج مــن المقاومــة الخلاقــــة

بقلم:محمــد إليــاس
رؤية ودوافع
بات واضحاً اليوم، لكل من يريد أن يرى، أن الجدار ليس سوى عنواناً لمرحلة قد تكون الأخطر والأفظع في مراحل المشروع الصهيوني الكولونيالي الإحلالي. إن مسار الجدار ( أكثر من 700 كم ) والذي يراه البعض مساراً لحدود سياسية تفصل بين الكيان الكانتوني الفلسطيني العتيد وبين الدولة الصهيونية، هو في الواقع ـ  ومن وجهة نظر أصحاب الجدار أنفسهم ـ مساراً لحدود أمنية تحيط بالتجمعات الفلسطينية داخل الحدود السياسية للدولة الصهيونية، والتي تمتد من النهر الى البحر.فكرة الجدار نفسها، كانت "معراخية" مئة بالمئة: "هم هناك ونحن هنا"، وقد جاءت بمثابة حل نموذجي يستند على الموروث اليهودي الصهيوني (الجيتو؛ السور والبرج..) في مواجهة التهديد الفلسطيني التكتيكي منه والاستراتيجي. بقيت هذه الفكرة التي ولدت من رحم إبداعات المؤمنين بمفهوم "دولة اسرائيل" مجرد فكرة إلى أن وجدت تجسيدها على أيدي أصحاب مفهوم "أرض اسرائيل"، واقصد هنا، اليمين الصهيوني المتطرف.
تمثل الخطر الفلسطيني التكتيكي بالتفجيرات والأحزمة الناسفة التي استهدفت العمق الاسرائيلي، العسكري منه والمدني، خالقة حالة من الرعب والفزع في المدن الإسرائيلية، دون أن تتمكن عمليات الاعتقال بالجملة، والقتل العمد ـ الفردي والجماعي ـ من أن توقف تلك العمليات.
أما الخطر الاستراتيجي، والذي شخّصه علناً استراتيجيو مؤتمر هرتسيليا قبل نحو عامين من بدء العمل بالجدار، فقد تمثل بالتزايد الطبيعي المضطرد للفلسطينيين في فلسطين التاريخية ( نسبة الزيادة لدى الفلسطينيين تعادل ضعفها لدى اليهود)، وهو ما يشكل تقويضا لأساس المشروع الصهيوني المتمثل بخلق أغلبية يهودية على أرض اسرائيل.  

إن عمليات استجلاب الروس والفلاشا، وان كانت قد حسّنت من وضع كفة اليهود في الميزان الديمغرافي، إلا أنها لم تنجح في إجراء ذلك التغيير العميق والمطلوب صهيونيا، خصوصا في ظل نضوب مصادر الهجرة اليهودية. وفي الوقت الذي سيسمح فيه تطبيق اتفاقات أوسلو بعودة مئات آلاف الفلسطينيين الى أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، فقد كان لزاماً أن يتم البحث عن آليات مناسبة لتفكيك هذه "القنبلة الديمغرافية".

هكذا وجد معارضو فكرة الجدارالاوائل، أصحاب مفهوم أرض اسرائيل، في عنوان "الجدار المعراخي" مدخلاً لمشروع يهدف الى التحكم بشروط التطور الديمغرافي الفلسطيني في فلسطين ـ مع الضمان المسبق لاجماع الطيف السياسي الإسرائيلي عليه ـ عبر السيطرة الاسرائيلية المطلقة على مقدراته وشروط وجوده المادي المختلفة، أو على الأقل حرمانه من الجزء الأساسي منها. وقد جاءت الصياغة التفصيلية لهذا المخطط بحيث أفرغت البند الذي وافقت اسرائيل عليه ـ في اتفاقيات اوسلو ـ والقاضي بأن تستوعب مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية من المهاجرين والنازحين وفقاً لقدرة استيعابها الاقتصادية، وأسست لخلق الشروط الموضوعية لهجرة فلسطينية طوعية من فلسطين.

لقد وضع مخطط الجدار بأيدي الإسرائيليين مفاتيح السيطرة شبه المطلقة على المياه الجوفية الفلسطينية، وحدّد من معدلات استهلاك المياه للفرد الفلسطيني، ومن رقعة الأراضي القابلة للزراعة المروية، وحرم الفلسطينيين من مساحات شاسعة من أراضيهم الزراعية سواء بالعزل أو المصادرة. كما كرس الجدار من عزل القدس وتهويدها، وقطع أوصال الضفة الغربية مقوّضا بذلك أية إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة حسب خطوط الرابع من حزيران، مستبدلا إياها بمعازل منفصلة تتحكم اسرائيل في حركتها البينية،  وفي تطورها الاقتصادي والاجتماعي.

إن وصول اليمين الإسرائيلي بقيادة شارون لسدة الحكم في اسرائيل، متزامنا مع تنامي قوة المحافظين الجدد  في دول أوروبا وتسلمهم إدارة البيت الأبيض الأمريكي، وقيام الجيش الاسرائيلي باجتياح مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، كانت قد مهدت الطريق جميعا أمام المجلس الوزاري للقيام في حزيران 2002 بالمصادقة على المرحلة الأولى من مخطط الجدار.


فعل ورد فعل

قبل الحديث عن ردة الفعل الشعبية لبناء الجدار و نماذج المقاومة الخلاقة في عدد من المواقع، ينبغي التطرق لجملة من العوامل كان لها ـ كما نعتقد ـ أثرا كبيرا على بلورة الاتجاه العام للموقف الشعبي:

أولا: إن بناء المرحلة الأولى من الجدار، جاء في ظل أجواء القمع، وتقطيع أوصال مدن وقرى الضفة الغربية مما جعل التواصل بين المحافظات أو داخل كل محافظة أمراً في غاية الصعوبة، بحيث أصبح كل تجمع سكاني يواجه مصيره بنفسه. إضافة إلى ذلك، فإن الجيش لم يكن يقوم بالكشف عن مخططات مسار الجدار، بل اعتمد سياسة إصدار أوامر المصادرة مقطعا مقطعا، بمعنى أن العمل على بناء الجدار حينما كان يجري في أراضي قرية معينة لم تكن القرية المجاورة تعرف ما سيكون حال، أو موقع الجدار في أراضيها.

ثانيا: إن مسار الجدار رسم بشكل يمر في مواقع كثيرة على مسار الخط الأخضر (مدينة قلقيلية مثلاً) أو تبعد عن المسار الأصلي مسافة لا تتجاوز مئة متر، كما في العديد من مناطق محافظة جنين. هذا الواقع أفقد القاطنين في تلك  التجمعات السكنية حافز اتخاذ موقف عدائي منه، فكيف بالوقوف باستماتة في وجهه؟

ثالثا: إن نشاط الماكنة الإعلامية الصهيونية انصب في اتجاهين أساسيين: الأول، ان سكان التجمعات السكانية التي سيعزلها الجدار غربه، سوف يحظون بامتيازات خاصة، أقلها الحصول على الهوية الإسرائيلية أو السماح لهم بالعمل والحركة داخل إسرائيل (!) والثاني، أن الجدار هو ثمرة اتفاق ثنائي بين  السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية. وللأسف، فقد وجد الطرح الأخير لدى بعض الأوساط الفلسطينية غير الشعبية ـ من أحزاب ومؤسسات غير حكومية ـ من تبرع، أو اجتهد لأسبابه الخاصة، وقام بنشره في الأوساط الشعبية المتضررة.

أخيرا: غياب دور المؤسسة الرسمية، وفصائل العمل الوطني والاسلامي، فالمؤسسة الرسمية كانت قد بنيت بشكل يتناسب و"مرحلة السلام"،  دون الأخذ بعين الاعتبار إمكانية تحول شريك السلام إلى مواقعه السابقة. لهذا ما أن بدأ الاجتياح الإسرائيلي حتى شلت هذه المؤسسة بشكل شبه كامل، ولم تستعد عافيتها إلا بعد أن كان غبار فضيحة الاسمنت قد ملأ سماء الوطن. أما فصائل العمل الوطني فإن حالها لم يختلف كثيرا عن حال المؤسسة الرسمية. فقد تماهوا معها في البنية والقيادة، واندفع جزء مهم من كوادرها وأعضائها باتجاه تشييد إمبراطورية الـ NGOs والتأسيس للوراثة. في حين اكتفى الإسلاميون ـ مع بعض الاستثناءات الفردية ـ من الغنيمة بالسباب.

لهذه الأسباب وغيرها، مما لا يمكن الإحاطة به في هذه العجالة، جاءت الحركة الشعبية في وجه الجدار في المحافظات الشمالية الغربية (جنين، طولكرم وقلقيلية) أشبه بردة فعل مترددة ومحدودة، وحيث كان يفوق عدد المتضامنين من أجانب وإسرائيليين أحيانا عدد المشاركين الفلسطينيين. فيما جاء انطلاقها في المناطق التي أخذ مسار الجدار فيها يتلوى مبتعدا عن حدود الخط الأخضر، وفي عمق اراضي الضفة الغربية المُحتلة.

تجارب خلاقة

1-     بدرس
كان لقاء بدرس مع الجدار في مرحلته التالية عام 2003. وبدرس هي قرية صغيرة لا يتعد تعداد سكانها 2000 نسمة، تقع في الطرف الغربي الأقصى من محافظة رام الله بمسافة تبعد عن المدينة حوالي 25 كم.

لقد شكلت تجربة المقاومة الشعبية/السلمية في هذه القرية، تتويجا، وربما انعطافة مهمة في مسيرة الفعل الشعبي المقاوم للجدار. فقد قدمت مثالاً  على قدرة هذا الشكل من أشكال المقاومة الشعبية على تحقيق الإنجاز. ففي بدرس، أخذت المقاومة الشعبية ملامحاً أكثر وضوحاً من حيث أن المشاركة لم تقتصر على مجموعة طلائعية فقط، بل امتدت لتشمل كافة الفئات العمرية  نساءاً ورجالاً، كما أنها لم تقتصر على فئة سياسية معينة بل شملت الجميع في الطيف السياسي.

ميزة بدرس الثانية، أنها لم تتوقف عند حدود الاحتجاج: مسيرة ترفع اللافتات وتتوقف على مبعدة من الجرافات التي تخرب أراضيهم ليلقي المتكلمون خطبهم، وليهتف الجميع بسقوط الاحتلال والجدار! هدف المسيرة كان منع الجرافات من العمل وإعاقتها، ولهذا كانت مسيرات بدرس في غالبيتها ـ عبارة عن اشتباكات بالأيدي مع الجيش بغية إيقاف العمل.

الميزة الثالثة: أن العمل الشعبي الميداني المقاوم، جاء متزامناً مع المعركة القانونية التي خاضتها القرية في "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية. وقد أثبتت تلك التجربة، أن التوجه لهذه المحكمة التي هي في النهاية إحدى أخطر وأهم أدوات الاحتلال، سيكون مصيره الفشل ما لم يكن هناك فعل ميداني جارف على الأرض، بحيث يحول مهمة تلك المحكمة الى البحث عن توفير غطاء لانسحاب الجيش وتراجعه عن مخططاته.

الميزة الرابعة: وتتمثل في العلاقة الصحيحة مع المتضامنين / أجانب أو إسرائيليين. لقد فتحت تلك القرية ذراعيها للمتضامنين معها في معركتها ضد الجدار. صحيح أن بدرس لم تكن القرية الأولى التي تستقبل المتضامنين الأجانب أو الإسرائيليين، ولكنها تميزت في نقل الرواية الفلسطينية بصورة موضوعية، باعتبارنا الضحية التي تعاني وتتحدى الجلاد. كما أنها نجحت في ترسيم إطار العلاقة مع المتضامنين الإسرائيليين بعيداً عن منزلقات التطبيع، ومخاطر الاحتكاك المختلط.

الميزة الخامسة: الإصرار على الاستمرار ومواصلة النضال حتى تحقيق الهدف. فهي لم تكترث بعدم وجود وسائل الإعلام، ولا بالمواقف السلبية وعدم المشاركة من هذا المسؤول أو ذاك الفصيل، بل استمرت في مسيرتها دون كلل. ودون أن  يفت في عضدها الاعتقالات التعسفية شبه اليومية لأبنائها النشيطين، أو الإصابات المختلفة بالغاز والمطاط و الهراوات، أو حتى بالمداهمات الليلية والتنكيل بالأهالي. وفي النهاية نجحت بدرس في إجبار الجيش على التراجع عن المسار الذي حدد للجدار على أرضهم، وتم بناءه على مسار الخط الأخضر، بل أن مقاطع منه تمت إقامتها خلف حدود الخط الأخضر باستثناء مقطع صغير منه.

2ـ  بلعين
ما ميّز بلعين هو أن غالبية الأهالي كانوا في الواقع من المتضررين بشكل مباشر من مسار الجدار في أراضي قريتهم، علما أن عمليات الاستيطان كانت قد اقتطعت جزءاً مهماً من أراضيهم في الماضي، ثم جاء الجدار عام 2005 ليستكمل الدور، بحيث لم يتبق للقرية سوى النزر القليل من الأراضي.

كانت المتابعة القانونية لقضية مسار الجدار في بلعين، في البداية بمثابة تجربة فاشلة، بل وحتى مزرية، وكادت لا تتوقف عند حدود تضييع حقوق المتضررين، بل إلى إضفاء الشرعية على مسار الجدار في ذلك المقطع. ممثلو جيش الاحتلال استماتوا في محاولة تكريس ما اعتبروه انجازاً في غفلة من أهالي القرية، لكن حركة الاجتماع الشعبي التي انطلقت وتواصلت في بلعين، والإصرار على تدارك الأمر ـولو في الوقت شبه الضائع، أعطت النضال القانوني لاحقاً فرصة التصويب النسبي للأمور، ونجحت في استصدار قرار من "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية يعتبر بمثابة سابقة قانونية هنا.  لقد خاضت بلعين ولا تزال تجربة متميزة وبرز تميزها في أمور عدة أهمها:

أولا: الجلد والمثابرة اللذان جعلا من المسيرة الأسبوعية ضد الجدار في بلعين بمثابة طقس مقدس، صيفاً وشتاء، وبغض النظر عن التطورات السياسية الداخلية أو الخارجية، ودون التوقف عند الخسائر/ جرحى أو معتقلين، على مدار أكثر من أربع سنوات.

ثانيا: إيلاء مساحة كبيرة للإعلام. فمن الواضح أن أي حدث مهما كان كبيراً، سيظل كأنه لم يكن ما لم يتم الكشف عنه أمام الاعلام. هذه القضية كانت مثار خلاف في البداية،  ولكن التجربة أثبتت أن دور الاعلام لا يقل أهمية في حاله كحالتنا عن المواجهة الميدانية نفسها.

ثالثا: الاستخدام المكثف لأجهزة التصوير من قبل المشاركين في المسيرات. وقد برزت أهمية كاميرا الفيديو بشكل خاص إثر المسيرة التي انسل إليها المستعربون وقاموا باعتقال اثنين من المواطنين بعد انكشاف أمرهم. لاحقاً ساهمت عمليات التصوير هذه في تحرير عدد كبير من المعتقلين، وإدانة عدد من الجنود بالكذب أمام المحكمة بعد أن بيّنت أشرطة التصوير حقيقة ما كان يجري على الأرض.

رابعاً: استخدام الجيش لأنواع متعددة ومختلفة من أدوات القمع، بحيث أصبحت مسيرات بلعين حقل تجارب لمختلف أنواع الأسلحة الخاصة بقمع المسيرات. فإلى جانب قنابل الغاز المختلفة والقنابل الصوتية والطلقات ذات الغطاء المطاطي، استخدمت أيضاً قنابل الإسفنج، الصعقات الكهربائية، طلقات الملح (كيماوية)، المياه المُلونة، والمياه العادية، ومياه رائحة الظربان، الصرخة وغيرها.

وأخيرا: الأشكال والوسائل الخلاقة، وهذه مرتبطة بالقضية الأولى. وقد نجح ـ بل ربما أبدع ـ أهالي بلعين بشكل  عام، واللجنة الشعبية بشكل خاص، في هذه الموضوعة بالذات وبحيث أنها استطاعت استقطاب وسائل الإعلام المختلفة، ونجحت في تصدر العناوين الرئيسية.[2]

 

على أية حال، فإن تجربة بلعين التي لم تنح منحى تجربة بدرس، أو تجربة قرى شمال غرب القدس عام 2004 من حيث زخم المواجهات الميدانية، إلا أنها نجحت في إثبات حضورها، وتشكيل ملامحها الخاصة. ومع أن هذه التجربة كانت قد تعرضت ولا تزال، لحملة تشويه غير مسبوقة ـ ربما لحكم مسبق كونها كانت معقل روابط القرى في محافظة رام الله، أو ربما لبعض السلوكيات الفردية الخاطئة، أو غير المحسوبة ـ إلا أن هذه التجربة تظل واحدة من المعالم الأساسية لتجربة المقاومة الشعبية السلمية ضد الجدار والاستيطان في فلسطين.

ولعل النجاحات التي أحرزتها بلعين والتي ميزتها في نظر الكثيرين على صعيد المقاومة الشعبية السلبية تكاد تكون من وجهة نظري أقل من تلك التي حققتها بلعين فعلاً على صعيد النضال القانوني: كشف التزوير، استعادة أراض من داخل حدود المستوطنة الأقرب، كشف "لا شرعية" المخطط الهيكلي ووقف البناء الاستيطاني، التسبب بإفلاس وملاحقة شركة "حبتسيبا"، ملاحقة الشركتين الكنديتين اللتين عملتا على تخريب أراضي بلعين أمام القضاء الكندي.

 3 ـ  نعلين
تتوسط بلدة نعلين المسافة بين قريتي بدرس وبلعين، وهي تشكل بوابة لمجموعة من القرى الحدودية غربي رام الله، سيحولها الجدار الى معزل يرتبط ببقية المحافظة عبر نفق أو بوابة (صدرت أوامر جديدة بوضع اليد على أراضي القرية لهذا الغرض) خاصة، وأن هناك طريقاً التفافية استيطانية تفصل حتى أجزاء من القرية عن بقية القرية، وتمتد لتحيط بذلك المعزل. تنبغي الإشارة هنا إلى حقيقة مهمة، وهي أن الكثير من الطرق الالتفافية الاستيطانية تقوم في الواقع بدور الجدار وتستكمل تشكيل المعازل الفلسطينية، وأن نظرة على خارطة العديد من هذه الطرق تكشف أبعاد هذه الحقيقة.

بالعودة الى نعلين، فإن تجربة المقاومة في هذه القرية، جاءت تتويجاً لجملة المحطات النضالية السابقة، ومستندة إلى تجاربها ــ خصوصا تجربة بدرس ــ بحيث يمكن معها تشخيص جملة من السمات اهمها:

أولا: المشاركة الحاشدة من قبل الأهالي الفلسطينيين في المسيرات بشكل جعلت من حصة المتضامنين الإسرائيليين والأجانب الذين تواجدوا في كل الفعاليات ـ حصة قليلة نسبية.  

ثانيا: هدف المسيرات لم يتوقف عند حدود ايصال رسالة أو تسجيل موقف شاجب للجدار،  بل كان العمل على منع الجرافات من مواصلة عملها وإجبارها على الانسحاب من مواقع عملها.

ثالثا: مشاركة كافة القوى السياسية التي لها حضور في البلدة. اللجنة الشعبية هناك مؤلفة من ممثلي القوى    والمؤسـسات. وتعتبر مثل هذه القضية على جانب كبير من الأهمية، كون إحجام أي طرف عن المشاركة سوف يضعف من قوة الحركة الشعبية، وهو واقع عانت منه الكثير من المواقع بحكم امتناع "الإسلاميين " عن المشاركة في مثل هذا الشكل من المقاومة، وعلى نقيض ما يجري اليوم في نعلين.

 وأخيرا: إن فعل المقاومة هناك أشبه بعملية مستمرة. صحيح أن المسيرات / الفعاليات تنطلق بمعدل يومين في الأسبوع، إلا أن الفعل المقاوم لا ينقطع، ولا يرتبط بسقف زمني محدود. تكفي الإشارة إلى أن اثنين من شهداء مقاومة الجدار في نعلين سقطوا عند المساء، في حين سقط الثالث بعد منتصف الليل.

 4ـ المعصرة
تجربة المعصرة في المقاومة الشعبية ضد الجدار ابتدأت مع نهاية عام 2006. وقد مثلت اللجنة الشعبية في الريف الجنوبي لبيت لحم عدداً من البلدات، من ضمنها الخضر، وادي النيص، أم سلمونه، المعصرة، جورة الشمعة، وبيت فجار إلا أنني هنا سأقصر  حديثي  على تجربة المعصرة.

لا يتجاوز عدد سكان المعصرة 900 نسمة (بلعين 1700، نعلين 5000 تقريبا) بينما مجموع الأراضي التي تأثرت بالجدار والتي تعود ملكيتها لأهالي المعصرة هي أقل من خمسة دونمات. مقطع الجدار هناك يمر من أراضي أم سلمونه، مع ذلك فقد كانت المعصرة طلائعية  في مقاومتها التي تواصلت على مدار العامين الماضيين على شكل مسيرة أسبوعية، وأحيانا أكثر.

 حتى فترة  قريبة كان عنوان النشاط المقاوم في تلك المنطقة، يندرج إعلاميا تحت اسم "ام سلمونة ". وكان نشاط المعصرة جزء من هذا العنوان، خاصة وأن الجدار كما ذكرنا يمر بالكامل/ ويعزل خلفه أكثر من 250 دونم من أراضي ام سلمونة. غير أن تواصل نضال المعصرة بطريقتها المميزة دفع بها إلى مقدمة الصورة، وان بقيت غير قادرة على توسيع دائرة المشاركة الشعبية.

على أية حال، فان تجربة المعصرة تعتبر في رأيي امتداداً من حيث الشكل لتجربة بلعين، بحكم المعطيات على الأرض. لقد نجحت المعصرة  ـ إلى حد ما ـ في الاستعاضة عن الحضور الشعبي الكثيف بابتداع وسائل وألوان تجتذب وسائل الإعلام، وتوظفها في نقل رسالتها. لكنها بالمقابل جعلت من موضوعة مشاركة المتضامنين الإسرائيليين والأجانب مسالة أكثر من حيوية، والى درجة يصعب معها تصور إمكانية استمرار هذه التجربة دون مشاركة هؤلاء المتضامنين! وتلك مسألة تحتاج إلى وقفة  تقييم. وجود المتضامنين ضروري لأنه يمنح الفلسطينيين المشاركين نوعا من الحماية، ويمنح المتضامنين فرصة التعرف على حقيقة الاحتلال. لكن هذا الوجود ينبغي ألا يصل حد القيام بالنضال عنا في فعاليتنا!  دورهم الأساسي هو النضال داخل مجتمعاتهم وليس هنا، والعلاقة معهم ينبغي تطويرها على هذا الأساس.

كلمة أخيرة


أنني شخصيا مع الرأي الذي يرى أن الإيمان بالمقاومة الشعبية السلمية، أو اللاعنفية، كأحد أشكال النضال مردّه أحد أمرين: الأول، امتداد لإيمان عقائدي بمنهج اللاعنف كأسلوب حياة، في السلم أو في الحرب؛ والثاني، موقف براغماتي يمليه ضعف الإمكانات. حيث بهذا الأسلوب يمكن جر العدو الأقوى لساحة لا يستطيع فيها استخدام ترسانة أسلحته من طائرات ودبابات وصواريخ، وفيها يصار إلى كشف زيف روايته، وتقديمه للعالم في صورته الحقيقية كمحتل، سارق للأرض، وقاتل للأطفال.

تجربة المقاومة الشعبية السلمية في فلسطين ضد الجدار والاستيطان، يمكن تصنيفها تحت العنوان الثاني، لكن الأمر الذي يستوجب عدم الإغفال هو أن هذا الشكل من المقاومة، وان نجح في إحداث بعض الاختراقات الجزئية، كالتعريف بأخطار المشروع الصهيوني، وفضح زيف الرواية الإسرائيلية عن الفلسطيني الإرهابي والإسرائيلي الضحية، وتقديمنا للعالم كشعب يقاوم من اجل نيل حريته؛ إلا أن تحقيق الانجاز الرئيسي هنا،  وكما تمت صياغته على الأقل ـ من قبل محكمة العدل الدولية في قرارها الاستشاري في التاسع من تموز 2005، ومن قبل الجمعية العمومية في قرارها اللاحق للفتوى، لن يتم شعبيا إلا بأحد أمرين:

الأول: أن تصبح المقاومة الشعبية السلمية نهج حياة، وان تتطور حركتها لتصبح حركة شعبية حقيقية على مستوى الوطن، تشارك فيها كل فعاليات وفصائل العمل الوطني، والى الحد الذي يستطاع معها توجيه مسيرة بمئات الآلاف نحو الجدار لتقوم باقتلاع مقاطع منه، أو أن تقوم بالنزول والاعتصام في الشوارع الالتفافية، أو إغلاق مداخل المستوطنات بألاجساد، حتى لو كلف ذلك سقوط المئات أو ربما الآلاف.

 الثاني: أن يصبح العمل الشعبي قوياً بحيث يشكل رافعة لنضالنا على المستوى الدولي، يمكننا من التأثير دولياً على المستوى الشعبي الدولي أولاً، والقادر على التأثير على الموقف السياسي في موطنه؛  ليصار إلى  إجبار إسرائيل على الامتثال لقرارات الشرعية الدولية. والى أن يتم ذلك ستظل هذه الاختراقات / الإبداعات مجرد إرهاصات ومسؤولية توليها بالعناية وتطويرها هي مسؤولية جماعية بحيث تطال كل فلسطيني في هذا الوطن.
_____________________________
- محمد إلياس هو باحث فلسطيني وناشط في حركة مقاومة الاستيطان والجدار.

- لمعرفة المزيد عن هذه الأشكال يمكن الرجوع إلى الكتاب الخاص بتجربة بلعين، والذي نشره محمد يوسف سليم / ابو علاء منصور.