×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الانشغال في بناء تونس بعد الثورة لا يمنع إعادة الاعتبار لقضية فلسطين

بقلم: عباس سليمان*

تقتضي الإجابة عن السّؤال المتعلّق بعلاقة الثورة التونسية بمصير القضية الفلسطينية أن نفيض القول قبل تقديم الإجابة في المحورين التّالين:

أوّلا: لا يبدو سليما ولا مناسبا ولا عقلانيا الفصل بين قضايا العرب التي لئن اختلفت جغرافيتها فإنها تلتقي في التاريخ وفي الأسباب وفي المكوّنات وفي رؤوس الفتنة الواقفة وراءها. ولئن حاول الزّعماء والقادة أن يضربوا طوقا حول شعوبهم وحول قضاياها متعللين بالخصوصية وبالسيادة الداخلية، فإنه من نافلة القول أنه قد استقرّ في يقين الشعوب أن القضايا العربية واحدة، وأن المصير العربي واحد، وأن العدو المتربّص بالعرب واحد، وإن بدا متعدّدا فهو خارجي، له مع الأمة عداءات دينية وعرقية وحضارية، أو هو داخلي يدعمه هذا الخارجي ويقف وراءه لمصلحة يشترك فيها الاثنان.

لا احد بمقدوره أن يدّعي أن لكل شعب عربي قضاياه المنعزلة تماما، وان لكل بلد خصوصيته التي قد جعلته في منأى عن أن تطوله يد الأعداء، وان ما يحدث في بلد ما ليس غير حدث معزول لا علاقة له بالتاريخ المشترك، ولا يؤشر على وجود همّ مشترك. إننا لم نسمع بحدث عاشه شعب عربي لم يترك آثاره الايجابية أو السيئة في بلاد العرب قاطبة، ولن نعود إلى التاريخ البعيد رغم انه حافل بالأمثلة لنؤكد ما ذهبنا إليه، إنما يكفينا من التاريخ دليلا ما حدث في عامنا الجاري هذا من ثورات بدأت في تونس ثم سرعان ما انتشرت في بلاد العرب حتى طالت مصر وانتفاضات امتدت في السعودية واليمن والأردن وسوريا وليبيا وبدرجة اقل الجزائر والمغرب. أليس هذا الانتشار السريع تكذيبا للانعزالية المغلفة بشعار الخصوصية وتأكيدا على أن الهم العربي واحد في كل الأمكنة، وان العدو العربي المبثوث هنا وهناك لا يختلف كثير عن العدو العربي القابع ينتظر فرصته من بعيد؟ أليس هذا الانتشار السريع غير المسبوق وغير المبرمج دليلا على أن الثورة تصنع الثورة، وان الانتفاضة تنجب الانتفاضة وان التاريخ يمهل كثيرا ولكنه لا يهمل ولو قليلا.

إن الذي حدث في تونس لا يستقيم أن نصفه بالصدفة، فوقائع التاريخ وصيرورته تنفيان المصادفات وتعزيان النّتائج دائما إلى أسباب تحركها ودوافع تدعو إليها؛ ولذلك فانه سرعان ما استحال إلى سبب يحرك شعوب العرب الأخرى. ولذلك رأينا وسمعنا العرب هنا وهناك يسألون عن موقع القضية الفلسطينية بعد الثورة التونسية مقلبين السؤال على جنبيه المختلفين: هل تفعل هذه الثورة فعلها فتدفع بالقضية إلى الإمام، أم هل يخسر الشعب الفلسطيني سندا ثقافيا وتاريخيا متمثلا في تونس التي قد تنكفئ على ثورتها تتعهّدها وتحميها بما لا يسمح بالالتفات إلى القضايا الأخرى ولو كانت كبيرة كقضية فلسطين؟

ويبدو أن في ما قدمنا ما ينبئ على أن الثورة التونسية لا تستطيع إن تكون غير محرّك قوي نحو التخلص من الاستيطان والهيمنة الذين ترزح تحتهما فلسطين وقد نعزو ذلك إلى الأسباب التالية:

أولا: بهذه الثورة تخلص التونسيون من غول اسمه الخوف استقر فيهم عقودا رغم أنوفهم، حتى خلناه طبيعة فيهم لن يتركوها ولن يتزحزحوا عنها فأصبحوا قادرين على الكلام وعلى الكتابة وعلى الخروج لإبداء الرأي.

ثانيا: تأكد التونسيون من حقيقة غابت عنهم عقودا بفعل القهر الذي عاشوه فعليا أن القوة هي قوة الشعب لا قوة الذين يدعون أنهم زعماء الأمة وسلاطينها، وتأكدوا انه يوم يريد الشعب الحياة يستجيب القدر.

ثالثا: عندما انتبه الشعب التونسي إلى حقيقة ما عاناه اثر تعدّد الشهادات وخروج المساجين وروايتهم لما تعرّضوا إليه وعودة المنفيّين واثر رؤيتهم رؤية العين ما مارسه طاغية تونس والمقرّبون منه من نهب، أن هذا الغاشم ليس أقوى من إسرائيل ولا اقل منها شراسة ولا أكثر منها كرها وعداء للحرية والديمقراطية وحقوق الناس في العيش المحترم، بل لعلنا لا نجازف ولا نبالغ إذا قلنا إن ما فعله بن علي في التونسيين لم تفعله السلطة الإسرائيلية في شعب فلسطين وان اختلف المقام قليلا.

إن ما استقر في يقين الشعب التونسي بعد رحيل بن علي وانتصار الثورة في جزئها الأول هذا لدليل قاطع على أن هذا الشعب أصبح ينظر إلى المسالة الفلسطينية نظرتين تأتلفان ولا تختلفان: الأولى أن مساندة القضية متأكد فعلا لا قولا وينبغي أن يستمرّ إلى أن يتحقق النصر، والثانية أن الأمر ليس مستحيلا ولا بعيد المنال إنما هو في متناول هذه الشعوب التي أطاحت بأنظمة لعل اعتاها كان تونس ومصر وليبيا واليمن...

المحور الثّاني: ويتعلق بالإخوة الفلسطينيين أنفسهم الذين لا شك أن الثورة التونسية ستكون محركا آخر لهم ودفعا جديدا لهم وهو ما نفسره في النقاط التالية:

أوّلا: استقرّ بعد الثورة في يقين الفلسطينيين بداية وإسرائيل ثانيا أن عمر الاستبداد قصير وان طال، وان إرادة الشعوب لا يثنيها الحديد، وان الموت في سبيل الحرية أصبح أكثر من أي وقت مضى مطلبا ملحا للنساء وللرجال، للشباب وللشيوخ على حد السواء، وهو أمر يزيد الاحتلال ارتباكا وتقهقرا ويزيد الشعب العربي الفلسطيني إقداما وجرأة وتضحية.

ثانيا: ثمّة إحساس بالغيرة الايجابية سرى بعد ثورات العرب في نفوس إخوتنا الفلسطينيين جعلهم يشعرون انه لم يعد عليهم أن يصبروا أطول مما صبروا، وان ما حققه التونسيون والمصريون والليبيون واليمنيون ليس معجزة بقدر ما هو نتيجة للإرادة ونهاية لمسيرة تداعت أخيرا بتعدد نقاط سوادها. ولا نشك في أن هذا الإحساس الايجابي سيقصر عمر الاستيطان بما فيه من شحنات قوية. آن الأوان لان تتحول إلى قوة أقوى والى فعل أكثر فعلا والى إقدام لا يني ولا يكلّ.

ثالثا: نعتقد أن من دواعي مزيد الصمود ومواصلة الإقدام ما بات مستقرّا في أذهان الفلسطينيين من إنهم ليسوا الوحيدين الذين تهمهم القضية، وان الذين استطاعوا أن يطيحوا بطغاة تونس ومصر وليبيا لن يتراجعوا قبل أن يساهموا بكل جهدهم في تحقيق حرية فلسطين.

وعلى ما تقدم يصح القول أن الثورة التونسية لم تكن في خدمة تونس وحدها؛ إنما طالت نتائجها بلاد العرب قاطبة. ولعل هذه النتائج ستكون أبهى وأوضح وأكثر فعلا وأزيد حفرا في التاريخ عندما تصل إلى تحقيق استقلال فلسطين وهو أمل أصبح قريب المنال وفي متناول الأيدي، ممكنا لا استحالة فيه، ذلك إن جيل الثورات الحقيقية هذا لا يؤمن بالمستحيل.
--------
*عباس سليمان: قاص وروائي وناقد تونسي من مواليد سنة 1965 في قفصة/ تونس، يعمل مفتشا في سلك التعليم.