×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

ضرورات إعادة البعد القومي للقضية الفلسطينية

بقلم: د. نزيهة الخليفي*

لقد حفّزت ثورة الشعب الفلسطيني على النكبة الشعوب العربية وبثّت فيها روح المقاومة والثورة والنضال ضدّ الأوضاع المتردّية التي ظلّت ترزح تحتها طيلة سنين عديدة، ولا سيّما استبداد حكّامها. لذلك فمصطلح النكبة لا يطلق ولا ينطبق على الشعب الفلسطيني، ذلك الشعب الصامد والمناضل على الدّوام، لأنّ النكبة، حسب لسان العرب، تلك "المصيبة من مصائب الدّهر، وإحدى نكباته... وهي حوادث الدهر". والشعب الفلسطيني شعب عريق عراقة التاريخ ذاته، لم يستسلم أبدا للحركة الصهيونية رغم ما لاقاه من طعنات وارتكاسات على مستوى ثوراته. ولم يستكن، ولم يهدأ له بال أمام العدوّ الذي يرى ضرورة الاجتياح المتواصل للمدن والقرى الفلسطينية، ومصادرة الحقوق، وإذلال الشعوب، وإفقار الأغلبية منها، لكنّ ذلك لن يقود الشعب الفلسطيني إلى النزوح ولا إلى الركوع، بل إلى تأجج الثورة والانتفاضة التي تتغذى من ذاتها ممتلكة لشروط التأجج والاستمرار كلّما غالى الاحتلال في صدّها وقمعها.

إنّ الثورة الفلسطينية هي ثورة قوى عظمى تضاهي ثورات الفيتناميين والأفغان والجنوب إفريقيين... ورغم أنّ إسرائيل ليست بقوة الاتحاد السوفيتي السابق، أو أمريكا... غير أنّ المسألة تستدعي وقتا للحسم في القضيّة باعتبارها ليست مسألة انتصار أو انهزام، فتلك مسائل لا تمت إلى القضيّة بصلة بل المسألة في رأينا هي: ما هي استراتيجيات هذا الانتصار؟ وكيف له أن يؤكّد ذاته ويتحقق؟ وكيف يمكن التسريع به؟

تلك أسئلة ظلّت تؤرق الفكر العربي وتملي عليه اقتراح بعض الحلول لعلّها تشفي الغليل فتتحقق ويحدث الانتصار. لنقل أوّلا بأنّ التاريخ لم يسجّل شعبا عريقا تعرّض لاضطهاد وطني واقتصادي بمستوى ما تعرّض له الشعب الفلسطيني، وان هذا الشعب لم ولا يمكنه أن يصمت ويتراجع عن الثورة، فشعاره الاستمرار والتصعيد والتجذّر، لأنّ عهد الاستبداد والتخاذل والظلم أصبح مرفوضا لدى الشعوب العربية، في امتلاكها لأجيال أكثر وعياً وأكثر تحدياً. كما أنّ عهد الحقيقة لم يعد حكراً على وسائل الإعلام الرسمية التي تصوغها كما تشاء، وأنّ عصر المعلومات قد كشف عن كلّ الحقائق ولا مجال لإخفائها وتزييفها وتمويهها، وهذا سيزيد من تعزيز وتيرة الوعي واليقظة لدى الشعوب ورفعها لشعار ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، لأنّ احتلال الأوطان لا يُستردّ إلاّ بالقوّة والتضحية في سبيلها والمقاومة والصّمود، وهذا ما سجّله وأثبته تاريخ الشعب الفلسطيني.

ذلك أنّ النكبات والنكسات لم تصادر وعي الشعوب بحقوقها، بل إن مقاومة الشعب الفلسطيني ومن خلفه مساندة الشعوب العربية والإسلامية المتصدّية لمظاهر الهيمنة ومحاولات التطبيع أثبت أن النكبات التي ألمت بنا كانت قادرة على تحفيزنا نحو مزيد من المقاومة وليس العكس، ولعلّها تذكير مرّة أخرى بضرورة المقاومة، وحتمية تحقيق الانتصار وتحرير الوطن. ولكن كيف يتحقق حلم الشعب الفلسطيني وما هي آليات اشتغاله لإنجاح ثوراته؟
سنجمل اقتراحاتنا في عدّة نقاط موجزة، وعلى ضوئها يمكن القول بأن استرداد الحقوق بدأ يقترب ليتحقق على أرض الواقع، بحسب ما شهدته وأكدته التجارب العربية الأخرى المجاورة أمثال الثورة التونسية والمصرية من إماطة اللثام عن الحقائق المزيفة واجتياز الحدود لتكسير أعمدة الظلم المستبدّ.

- إنّ الشّرط المركزي الذي لا مناص منه في تحقيق حلم الشعب وحلم الدولة، هو توافر قيادة سياسية تمثل الشعب تضع نصب عينيها تحرير البلاد كغاية إستراتيجية، وتتبنى تكتيكات تنسجم مع هذه الغاية. وذلك لا يتحقق إلاّ بالتشكيل والتجديد في الهياكل المكوّنة لمؤسسات واطر الثورة الفلسطينية عبر بلورة قيادة جديدة للعمل الوطني الفلسطيني تتوحد فيها مختلف الأحزاب والقوى ومنظمات المجتمع الأهلي والنخب السياسية. وبالضرورة لن يكون ذلك بمعزل عن توحيد أداة النضال الوطني وسدّ الثغرات أمام العدوّ حتى لا يثير الفتنة والبلبلة والإرباك في صفوف المناضلين.

- الاعتماد والمراهنة فقط على الشعب: هنا تبرز ضرورة الاستفادة من الثورات العربية للنسج على منوالها، فهي تقدّم نماذج ملموسة، وتقدّم أيضا دعما لم يتح للشعوب الأخرى في كامل تاريخها، لأنّ هذه الثورات قد حرّرتنا من رموز التبعية الإسرائيلية على غرار مبارك وبن علي التي كانت تحاصرنا على عكس الشعوب التي كانت أعناقها تمتدّ نحو تحرير الأوطان.

- إعادة تفعيل دور فلسطينيي الشتات، وبالذات لاجئي لبنان وسوريا والأردن؛ فهم ينتظرون العودة إلى فلسطين، ولا يجوز إغفال قدراتهم واستثناءهم أو تهميش دورهم وأهميته في صنع الثورة والقرار.

- العودة هي الأساس: إنّ التركيز والإصرار على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم يعدّ من الشعارات الأولى للمناضلين حتى يساهموا في تقويض النظام الذي تبنيه دولة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

- مراجعة أخطاء ما سمي "عملية السلام": حيث يلزم من جميع الأطراف، وبمشاركة المجتمع المدني، تقديم بديل يعيد للقضية الفلسطينية مكانتها، ويتجاوز كل ما لحق بها من إضرار جراء اتفاقيات أوسلو.

- تفعيل دور الشباب: الشباب ليس بالمعنى الرقمي العددي بل بمعنى الطاقة الفاعلة التي تملك تصوّرات جديدة والقادرة على الدفاع عن تلك التصوّرات بكلّ الوسائل بما فيها التضحية بالحياة.

- وحدة الشعب الفلسطيني: حيث يلزم العودة فعليا للتمسك بحقيقة وحدة الشعب الفلسطيني في كل مواقعه، وخاصّة (الضفة والقطاع وكذلك الأرض المحتلّة عام 1948 بالإضافة إلى الشتات)، وهذا لا يمكن بلوغه والحفاظ عليه في ضوء التنازلات وعملية التسوية المذلّة، بل تتحقق عبر النضال ومواجهة الاحتلال.
- تبنّي شعارات ثورية وواقعية قابلة للتحقيق ومنفتحة على معنى النضال، تتماشى مع قدرات الشعب الفلسطيني الذي لا يهدأ دون تحقيق أهدافه واستعادة حقّه على كامل التراب الوطني الفلسطيني.

- إعادة الاعتبار لدور الشعوب العربية حيال القضية الفلسطينية: حيث أن العلاقة بالأنظمة العربية الرسمية لا يجب أن تكون على حساب العلاقة مع الشعوب العربية التي في معظمها تنادي بتحرير كلّ فلسطين باعتبار أن الرهان على المجتمع الدولي، أو الأنظمة، لن يؤدي الى حل الصراع جذريا.
بهذا، يمكن للشعب الفلسطيني أن يحفز الشعوب العربية على الوقوف معه، وبهذا يكون للتضامن معنى، حتى يتحقق النصر وتتحرّر فلسطين بأكملها.
--------
* د. نزيهة الخليفي: من شباب الثورة التونسية مواليد مدينة القصرين/ تونس، حاصلة على ماجستير في اللغة والآداب العربية، وتكتب النقد الأدبي.