×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الثورة التونسية: دور الأدب في تحفيز وتجذير الوعي الشعبي على المستويين: القطري والقومي

بقلم: إبراهيم درغوثي*

كثير من الثورات التي اندلعت في العالم في الأزمنة السابقة، ومنذ الثورة الفرنسية الشهيرة حتى الثورات الحالية التي بدأت في دك الأنظمة الفاسدة في مجتمعنا العربي، كانت قد سبقتها وواكبتها ثورة في الثقافة والأدب سميت قديما ثورات تنوير العقل، ولازالت التسمية تؤدي معناها حتى اليوم. لأنه بلا تنوير للفكر لا يصلح المجتمع، ولا يقدر على تأدية الواجب المنوط به في التحرر من سطوة من يستبد به.

ومن المفيد هنا التذكير بالقصيد المدوي ذي الصرخة العالية التي انطلقت من حنجرة ذلك الشاعر الشاب الذي عاش حتى ثلاثينات القرن الماضي في تونس، وأعني به أبا القاسم الشابي وهو يحرض شعبه التونسي على الثورة والخروج على المستعمر الغاشم الذي ركب على صدور التونسيين، فملك رقابهم وكمم أفواههم وأستعبدهم جيلا بعد جيل. فجاءت صرخة الشاعر عالية مدوية تحرض على الخروج على هذا الظلم، وتدعو لانتصار إرادة الحياة في زمن كان من الصعب جدا فيه الدعوة إلى الخروج على الطغاة:

إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ          فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَــــــــدَر
وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِـــي            وَلا بُـــدَّ للــقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـــر

نعم، هو الأدب الذي يصنع إرادة الحياة، هو الذي يحرك الجماهير لتخرج علنا على الظالمين في كل الأزمنة والأمكنة في هذا العالم، خاصة بعد انتشار وسائط الإعلام الحديثة من تلفزة وانترنت وفايس بوك وغيرها. حتى أن قصيدة إرادة الحياة التي رددها الشاب الخارج على نظام بن علي في تونس تجد لها صدى في ساحة التحرير في القاهرة، وفي ساحة التغيير في صنعاء، وفي ميدان اللؤلوة في المنامة، وفي بقية ساحات وشوارع كل المدن العربية التي تمر بالثورة في هذه الأيام. الثورة التي ستغير وجه المنطقة وستصنع ربيع هذه الأمة الذي طال انتظاره.

لقد خفت صوت الثورة في العالم منذ السقوط المدوي لحائط برلين والمنظومة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي السابق ودول شرق أوروبا تحت ضغوطات الرأسمالية العالمية، ولكن ومنذ اندلاع الثورة الشعبية التي أطاحت بنظامي بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر عاد للثــــورة تألقها من جديد في وطننا العربي خاصة، وفي العالم المحب للحرية والديمقراطية عامة، وأصبح هذا التعبير متداولا جدا في كل وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة على مساحة الوطن الكبير من محيطه إلى خليجه، ذلك أن مصطلح التغيير ما عاد كافيا للتعبير عن هذه
الثورات التي لم نعد قادرين على أن نصفها بالكبرى، لأنها لا تريد أن تكتفي بالحدود البسيطة من التغـــييرات لطبيعة المجتمع وإنما غايتها اقتلاع البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة قبل اندلاع الثورة، ليقع تغييرها بأخرى تجدد نمط العلاقات القائمة في المجتمع على أسس ثوريــة جديدة.

لقد حصلت هذه الثورات الجديدة في وطننا العربي إثر تراكمات كبيرة في المجتمع على مدى سنوات من كبت للحريات واعتداء على كرامة الإنسان العربي، وبيع لحقه في العيش الكريم وتفويت في ثروات الأوطان للشركات الرأسمالية، ومحاولات لإبعاده عن الالتصاق بهموم أشقائه خاصة في البلدان التي هيمنت عليها الصهيونية وعصابات الإجرام الأمريكية في فلسطين والعراق، حتى أنه ما عاد في مقدور هذا المواطن أن يسكت على كل هذا الضيم والهوان، وصار يبحث عن القشة التي سيقسم بها ظهر بعير هذه الأنظمة الفاسدة. ولعل للأدب دور كبير في حصول هذه الثورات خاصة، فهي نتيجة لتكميم الحكام لأفواه حتى لا يسمع للقلم صوت إدانة لما يحصل، فينسد الأفق في وجه الشعب، ويغيب الأمل في حصول التغيير. ولكن أنّى لهم أن يقتلوا في المبدع جذوة التّوق إلى الحياة الكريمة.

وهكذا يسعى الأديب إلى أن يكون صوت أمته، يبلغ آلامها ويصف معاناتها وتطلعاتها للفجر الجديد. هو ذا الأديب المصلح الذي يقود شعبه بالكلمات التي ينشرها على صفحات الجرائد والمجلات إن شعرا أو نثرا، ويدفع من خلالها في كثير من الأحيان ضريبة ثقيلة قد تصل حد القتل. فكم من مبدع عانى ويلات السجن والمنفى من أجل حرف رفعه في وجه طاغية. وكم من أديب ظل يعاني طيلة حياته من الحرمان المادي والمعنوي لأنه تجرأ على قول لا في وجه الجبروت والطغيان السائد في مجتمعه في عهد الاستعمار المباشر أو عهود الحكومات التابعة للاستعمار.

لأن الأديب الحق هو ضمير أمته وصوتها الصداح الذي يتجرّأ على ما لا يقدر عليه غيره ويقول ما يسكت الآخرون عن ذكره؛ فهو المصلح الذي تصلح به حال الأمم إذا صلح حاله، وتفسد حالها إذا فسد حاله. وهو الذي يجعل الشعوب تخرج للشارع رافعة قبضات الرفض تارة وبواريد الحرية تارة أخرى.

فمن ماكسيم جورجي إلى بابلو نيرودا، ومن أبي القاسم الشابي ومحمود درويش وسميح القاسم وكل شعراء وكتاب الأرض المحتلة في فلسطين والعراق الذين آمنوا بحق شعوبهم في الحرية والكرامة الوطنية، إلى كل الشعراء الوطنيين في العالم أجمع. هؤلاء الذين آمنوا بحق الشعب في تقرير مصيره بنفسه وفي بناء الدولة على أسس وطنية تحترم مواطنيها وتدافع عن كرامتهم وحقهم في الحياة الكريمة.

لذلك يخاف الطغاة من الأدب والأدباء، أصحاب الأقلام الشريفة، فيحاولون قدر جهدهم استمالتهم إلى جانبهم بالترغيب مرة وبالترهيب مرات. وذلك بسن الجوائز والهدايا واللطائف ولكن أيضا بإقرار موانع النشر وقوانين الحظر والحجز ومنع تداول المنشورات. فيظل الأديب ضائعا في حضرة السلطة - إلا من عزم على مقارعة السلطان والخروج من بيت الطاعة – ورفع لواء الانتصار لقضايا شعبة.

فلا إمكانية لتحرر الشعوب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا إلا بتحرر العقل العربي من ظاهرة الخوف التي سادت في مجتمعاتنا، ومن هيمنة الفكر الذي ينظر للركون إلى الطاعة والرضا بالمقدر.

لقد ظل الأدب العربي شعرا ونثرا، على مدى أكثر من قرن يلعب دوره في إذكاء روح الوطنية على النطاق القطري؛ أولا ضد الاستعمار المباشر في كل قطر من أقطار الوطن العربي، ثم على النطاق القومي عامة وذلك بانشغاله بالمهام القومية التي ناضل المواطن العربي من أجل تحقيقها كأحد أشكال الوعي الاجتماعي والسياسي للإنسان العربي.

وقد لعب الشعر خاصة دورا كبيرا في إذكاء روح الوطنية بين كل العرب في أوقات الشدة خاصة. ولعل ما كتب حول مأساة محمد الدرة مثلا من قصائد شعرية خير دليل على توصيف هذه الحالة التي ألهبت المشاعر القومية في أذهان كل شعراء الوطني العربي على امتداد أرضه.

كما أن الشعراء العرب لم يسكتوا على مآسي أمتهم منذ حرب استقلال الجزائر ومأساة الشعب الفلسطيني التي اندلعت منذ ثلاثينات القرن الماضي حتى الآن (شعر الانتفاضة خاصة)، والتي كانت واحدة من أمهات القضايا التي فجّرت قريحة الشاعر العربي وجعلته يعايش معاناة شعبه. كما لا ننسى ذكر الغزو الأمريكي للقطر العراقي وهيمنته على مقدرات ذلك الشعب العربي أيضا. هذا الزلزال الكبير الذي أيقظ ضمير الأمة العربية، وفجّر مكنونات المبدعين والكتاب وحوّل أقلامهم إلى أصابع إدانة ترفع في الوجوه التي تواطأت مع المحتل مباشرة أو خفية قبل أن تحط على مكامن الجرح الذي نخر الجسد العربي المريض.

إن النشاط الأدبي الهادف إلى تجذير الوعي الشعبي على المستوى القطري ولخدمة القضايا القومية من ثمة، هو تعبير عن وعي الإنسان العربي بالكلمة الصادقة، الكلمة الناطقة، الكلمة الحارقة التي لا تخجل من عري الواقع العربي، ولا تضع ورق التوت على السوءات. إنه تعبير عن شعوره وأحاسيس هذا العربي تجاه أخيه الإنسان عامة فما بالك بإنسان يرتبط معه بروابط كثيرة لعل الإحساس القومي أكبرها وأكثرها تأثيرا في الذات البشرية. فلئن كان قربنا من الإنسان وقت مصائبه يعتبر من خاصياتنا كبشر، فإن هذا القرب يزداد أكثر كلما كانت وشائج التلاقي معه حميمية أكبر. ولعل من أكثر هذه الوشائج تأثيرا في النفس الترابط القومي والإحساس بالانتماء إلى أمة واحدة لها تاريخ يمتد على مر العصور والأزمان.

-------------
*ابراهيم درغوثي: قاص وروائي ومترجم تونسي، من مواليد توزر/ تونس سنة 1955.
عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب التونسيين.