مواجهة مشروع إلغاء وكالة الغوث الدولية

مواجهة مشروع إلغاء وكالة الغوث الدولية

بقلم:نضال العزة
يسلط هذا المقال الضوء على المشروع الصهيوني القديم - الجديد القاضي بإلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الانروا). من جهة أولى، يعرض المقال للمبررات والادعاءات التي تستند إليها إسرائيل والصهيونية العالمية في سعيها لإلغاء الانروا، ومن جهة ثانية، يبرز المقال الدوافع والأهداف من وراء مشروع الإلغاء.  وحيث أن المقال لا يهدف إلى الوقوف عند عرض مشروع وحملة  الإلغاء فقط، ولا يكتفي بتفنيد الادعاءات المسوقة وحسب، فانه يتناول أيضا خطورة عدم مواجهة المشروع أو الاكتفاء بتوجيه الانتقادات الفلسطينية للانروا جزافا، وعليه فانه يثير مسألة عدم وجود مشروع فلسطيني مقابل لمشروع إلغاء الانروا باعتبارها ضرورة نضالية، سواء على مستوى البحث، أو على المستوى البرنامجي.

مبررات إلغاء الانروا في الفكر الصهيوني

المبررات المسوقة من قبل منظري الصهيونية الإسرائيليين وغير الإسرائيليين عديدة وتتناول الانروا في نظام تأسيسها، وفي ماهيتها، وعملها، وطواقمها، واثر ذلك على المشروع الصهيوني في حاضره ومستقبله. ويمكن تلخيص هذه المبررات المسوقة على النحو الآتي:[i]

أولا: الانروا وجدت لتقديم الخدمات للاجئين العرب فقط، وهذا مؤشر على محاباة الأمم المتحدة للفلسطينيين وإهمالها لقضية اللاجئين اليهود.

ثانيا: نظام تأسيس الانروا وتكليفها صمم على نحو يهدف لإدامة حالة اللجوء ولإضفاء وضع لاجئ على كل الأشخاص المسجلين لديها والمستفيدين من خدماتها.

ثالثا: الانروا تعتمد سياسة غير معقولة ولا مبررة قانونا من خلال إضفائها صفة وضع لاجئ على خلف اللاجئين، الأمر الذي يترتب عليه ازدياد أعداد اللاجئين الفلسطينيين على خلاف كل حالات اللجوء الأخرى في العالم.

رابعا: الانروا تواصل تقديم خدماتها سواء للاجئين الذين حصلوا على جنسية بلدان أخرى، أو أولئك الذين لا يعيشون في مخيمات لاجئين في مناطق عمل الانروا الخمس.

خامسا: مجرد وجود الانروا وتقديمها الخدمات للاجئين الفلسطينيين يعني عمليا تعزيز إيمان الفلسطينيين بأنهم أبرياء، وضحايا، وان لهم بالتالي حق على الأمم المتحدة والدول،

سادسا: الطواقم العاملة في الانروا هي في غالبيتها العظمى فلسطينية، وهذا أمر لا مثيل له في وكالات أممية أخرى، بالإضافة إلى انه طاقم ضخم جدا يرهق الأمم المتحدة والدول المتبرعة، وتنتشر في أوساطه العناصر الإرهابية.

سابعا: إن مجرد وجود الانروا يغذي الإيمان لدى اللاجئين بإمكانية العودة إلى "إسرائيل"، خصوصا وان الانروا تكرر في منشوراتها وعلى لسان مسؤوليها أن للاجئين المسجلين لديها الحق بالعودة إلى ديارهم.

ثامنا: أثبتت الأبحاث والمعطيات أن البيئة والتجمعات التي تشرف على إدارتها الانروا هي من اخطر المواقع ليس على إسرائيل وحسب؛ بل وعلى السلم والأمن العالميين، وأنها مصدر تفريخ للإرهاب الدولي.

المبررات أعلاه تسقط عمدا الكثير من الاعتبارات القانونية والتاريخية والسياسية. والهدف من ذلك قولبة الأمور على نحو يخدم الغاية من ورائه. فهي تتنكر لحقيقة التهجير الجماعي للفلسطينيين وعملية التطهير العرقي التي نظمتها العصابات الصهيونية والتي تلت الإعلان عن خطة التقسيم في عام 1947. وهي تتجاهل اعتراف الأمم المتحدة بنوع من المسؤولية الخاصة حيال اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين؛ الأمر الذي دفعها إلى تشكيل هيئات دولية خاصة بهم نتيجة خصوصية وضعهم وعظم مأساتهم. وهي تتنكر لمسؤوليتها عن النكبة المستمرة والتي من تجلياتها مواصلة منع اللاجئين من ممارسة حقهم في العودة، ومواصلة حملات التهجير بأساليب جديدة. وهي تحاول تقزيم دور الانروا وحصره في لاجئي المخيمات رغم أن نسبة اللاجئين في المخيمات لا تصل إلى الثلث. وهي تصور الانروا كمنظمة فلسطينية لا دولية وذلك لاستدراج التأييد لمشروع الإلغاء. وهي لا تنكر الحق في وضع لاجئ لخلف اللاجئين وحسب، بل تنكر أساسا صحة تصنيف السلف كلاجئين. وهي تدفع بوضوح إلى تفكيك المخيمات الفلسطينية، ليس سعيا لتطبيق الحل العادل والدائم، بل سعيا إلى طمس آثار جريمة التهجير إخفاء لأحد العناوين السياسية في ظل مفاوضات التسوية. بكلمات، إن دعاوى الصهيونية وإسرائيل تستهدف حق عودة اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية، وما استهداف الانروا  إلا لان وجودها، مجرد وجودها ولا أكثر،  فعلا يمثل تذكيرا دائما بحقيقة المشروع الصهيوني الاستعماري الاحلالي العنصري.

لا يخفى أن الصهيونية العالمية وإسرائيل اعتادتا على تصنيف معارضيهما أو مقاوميهما باللاسامية لإخراسهم أو لتحريض الغير عليهم. وضمن ذات السياق، لا زالتا حتى اليوم تهاجمان الأمم المتحدة، وخصوصا الجمعية العامة، ووكالاتها العاملة في مجال حقوق الإنسان. ولطالما وظف هذا الهجوم الدائم للجم أفواه الناقدين والمطالبين بتنفيذ القانون الدولي على إسرائيل وشعبها "المظلوم – الضحية". ولا تزال ذات السياسة تستخدم بهدف التنصل من أية التزامات دولية أو لإجبار المجتمع الدولي على التراجع أمام التعنت الإسرائيلي أو التساهل مع الانتهاكات الجسيمة والمتكررة للقانون الدولي والشرعية الدولية ولحقوق الإنسان.

يلاحظ أيضا، بعد انهيار الكتلة الشرقية واستفراد الغرب بقيادة الولايات المتحدة في الساحة الدولية، أن إسرائيل والصهيونية العالمية قد تقدمتا خطوة في إستراتيجيتهما تلك؛ ويتمثل هذا في  سعيهما إلى إلغاء قرارات أممية سابقة (كما هو الحال مع القرار الاممي القاضي باعتبار الصهيونية احد أشكال العنصرية)، أو بفرض قرارات جديدة تناقض أو تلغي ضمنا قرارات سابقة (كما هو الحال  بشأن السعي لتصنيف المقاومة الفلسطينية كحركة إرهابية). وقد بات واضحا أن الحملات الإعلامية في السياسة الإسرائيلية تبنى بدقة لتحقيق غايات محددة. وعليه، فان الحملة على وكالة الغوث الدولية الآخذة في التصاعد ليست ردة فعل على حدث أو فعل طارئ، الأمر الذي يعزز القول بأنها حملة جدية موجهة ضمن إستراتيجية أوسع. وبلا شك، لو اقتصر الأمر على مهاجمة الانروا ضمن إطار المبررات المبينة أعلاه على مجرد المحاولة للتنصل من الالتزامات لقيل أنها حملة إعلامية تبريرية لا أكثر. ولو اقتصر الأمر على مجرد إدراج تلك المبررات دون عرضها كمسوغات لإلغاء الانروا لقيل أن الأمر لا يعدو كونه حملة دعاة يتفننون في ابتكار مواضيع يثيرونها. إن هذه الحملة، والتي تصاعدت وتيرتها مع حملة "ستون عاما على النكبة"، هي حملة موجهة بدقة تسعى إلى تحقيق غايات محددة تخدم المشروع الصهيوني في حاضره ومستقبله. ويصبح هذا الأمر أكثر وضوحا وصحة بالوقوف على أهداف الحملة.

أهداف حملة إلغاء وكالة الغوث

بحسب مفكرو الصهيونية الإسرائيليين وغير الإسرائيليين، الانروا هي العائق الأساسي أمام تحقق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين غير المتطرفين والدول العربية. وعليه فهم يقدمون ما سبق عرضه من مبررات كأساس للحل من وجهة نظرهم والذي يجب أن يتمثل في الخطوات التالية:[ii]


الخطوة الأولى: حل الانروا بقرار دولي حلا نهائيا،

الخطوة الثانية: نقل صلاحيات الانروا فيما يتعلق باللاجئين في لبنان، وسوريا والأردن إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين وذلك على أساس تكليفها بالعمل على دمجهم وتأهيلهم في دول لجوئهم.

الخطوة الثالثة: نقل صلاحيات الانروا فيما يتعلق باللاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية.

بالرجوع إلى مبررات إلغاء الانروا وبربطها مع خطة العمل لا يتأكد فقط أن هنالك إستراتيجية يجري العمل عليها، بل ويتضح أيضا أن هذه الإستراتيجية تستهدف في النهاية إلغاء القرارات الدولية المؤكدة على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية. فالصهيونية وإسرائيل تدركان تماما أن إلغاء الانروا يعني إلغاء القرارات الدولية التي أضفت على قضية اللاجئين الفلسطينيين بعدا خاصا والتي أساسها اعتراف الأمم المتحدة بمسؤولية خاصة تجاههم. وان إلغاء الانروا لا يهدف بحد ذاته إلى منع المساعدات الإنسانية، بل يهدف إلى تثبيت برنامج توطين ودمج قسري للاجئين. وبدهاء الصهاينة، يرى المنظرون ضرورة زيادة المساعدات للاجئين الفلسطينيين ولكن على أساس ربطها بالدمج، وبالتجنيس ضمن خطة التوطين. وبدهاء الصهاينة المخبور أيضا، يرى المنظرون وجوب وقف أية تبرعات للانروا، وربطها أيضا بخطة التوطين وذلك لضمان نجاح عملية السلام في المنطقة. ضمن هذا السياق يمكن رؤية تقديم مقترح مشروع قانون أمريكي تقدمت به عضو الكونغرس الأمريكي ايلانا روس في نهاية عام 2005 والذي يهدف إلى وقف المساعدات للانروا إلى أن يتم تحويل صلاحياتها إلى السلطة الفلسطينية والمفوضية العليا.[iii] وضمن هذا السياق أيضا، يجب النظر إلى تقليص الولايات المتحدة لمساعداتها المقدمة إلى الانروا.

على الجانب الفلسطيني

إذا كانت حملة إلغاء الانروا حملة صهيونية إسرائيلية أمريكية، فهل هناك من إستراتيجية فلسطينية مقابلة؟

لا يلاحظ على الجانب الفلسطيني أي تحرك ممأسس في مواجهة حملة إلغاء الانروا. في المقابل، يلاحظ تحركات غير منتظمة، اقرب إلى ردات الفعل. بعضها تنتقد الانروا على تراجع دورها في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين في كافة مواقعهم، وبعض الكتابات تتناول فجوات الحماية الناشئة عن اقتصار تكليف الانروا على توفير المساعدة الإنسانية دون الحماية الدولية القانونية والفيزيائية - العينية والجسدية. ولعله من الملفت، أن بعض الكتابات الصهيونية لم تتوان عن استخدام  بعض الانتقادات والتحركات الشعبية الفلسطينية لتدعيم سعيها إلى إلغاء الانروا عبر الادعاء بفشل الانروا في إدارة الموارد والمناطق التي تشرف عليها.  

المسألة هنا ليست جواز أو مشروعية نقد وكالة الغوث من عدمها. فمن حيث المبدأ يجب دائما تقييم دور الانروا، وغيرها من المؤسسات الدولية المعنية،  ونقد أوجه القصور والعجز لديها، ولكن في ظل وجود مشروع صهيوني يهدف إلى إلغاء الانروا ويسوق في سبيل ذلك حملة من الادعاءات، يكون لزاما على الجانب الفلسطيني إدراك كيفية توجيه النقد للانروا ووضعه ضمن سياق آخر؛ أي ضمن سياق تعزيز دور المؤسسة الدولية وتطوير أدائها، وليس تدميرها.    

الانتقادات الفلسطينية للاونروا توجه عادة لتراجع مستوى الخدمات المقدمة للاجئين الفلسطينيين كميا ونوعيا، ولانحصار عمل الاونروا  في خمس مناطق واستثناء اللاجئين غير المقيمين في هذه المناطق، وغير المسجلين لدى الانروا، ولاقتصار مسؤولية وكالة الغوث على تقديم المساعدات الإنسانية دون أن تشمل أوجه الحماية الدولية الأخرى (القانونية والفعلية إن لزم الأمر). في المقابل، ينحصر النقاش حول تعطيل دور لجنة التوفيق الدولية، المكلفة أساسا بتوفير الحماية القانونية للاجئين وممتلكاتهم وبإيجاد حل عادل لقضيتهم من خلال تطبيق القرار 194، في أوساط قلة من الباحثين، ولا تكاد تذكر هذه الهيئة الدولية في الأوساط الشعبية ولا يطرق موضوعها بتاتا على المستوى السياسي. ولم تبرز مسؤوليات المفوضية العليا للاجئين إلا بعدما ثارت قضية اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في العراق. ولعله ليس تجنيا القول بان الفشل الدولي، والمقصود هنا فشل التوفيق الدولية، وقصور المفوضية، وعجز الانروا،  يتم التعامل معه على الجانب الفلسطيني وكأنه قدر حط علينا نشجبه كلما حلت بنا مصيبة كبيرة، ولا نغيره أو نسعى لذلك ضمن خطة عمل إستراتيجية. إن انعدام الرؤية الفلسطينية الواضحة يسهل على الصهيونية وإسرائيل تنفيذ مشاريعها.

خلاصة

الصهيونية وإسرائيل تعملان بدأب على إلغاء وكالة الغوث؛ وذلك لاستبدالها بهيئة دولية أخرى يتم تكليفها بالعمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين ودمجهم في منافيهم قسرا. وقد وضعت لهذه الغاية خطة دعوية تحريضية تستهدف نظام الانروا وتكليفها، واليات عملها، وطواقمها. الغاية النهائية هي إسقاط حق العودة من المواثيق الدولية باعتبار ان ذلك مصدر قلق دائم يهدد مستقبل المشروع الصهيوني، وعلى اقل تقدير، يحرج إسرائيل سياسيا على المستوى الدولي.

في مقابل ذلك، لا يوجد رؤية فلسطينية سواء لمواجهة مشروع الإلغاء المتصاعد، أو حيال المؤسسات الدولية المكلفة قانونا بتوفير المساعدة الإنسانية والحماية الدولية للشعب الفلسطيني إلى حين إيجاد حل عادل ودائم للصراع.

إن مواجهة مشروع إلغاء الانروا يتطلب أولا التمسك بها، والعمل على تطوير أدائها وربما توسيع صلاحياتها، ويقتضي ثانيا السعي لجعل مساهمات الدول في ميزانية الانروا إجبارية وليست تطوعية تمنح كهبات؛ وذلك لمنع استخدام المساعدات الإنسانية كوسيلة ضغط سياسية، و يستدعي أخيرا مواجهة مشروع الإلغاء بمشروع إحياء للجنة التوفيق الدولية حول فلسطين، بدل الحديث عن هيئة دولية جديدة تعمل على تسوية قضية اللاجئين تنشأ بموجب بروتوكول يقره المتفاوضون.


 ----------------------
 منسق وحدة الأبحاث والمعلومات والإسناد القانوني في مركز بديل، مدرس قانون اللاجئين الدولي في جامعة القدس

 

[i]  راجع بهذا الخصوص وعلى سبيل المثال كل من:

Moshe Dann, Fraud! UNRWA Exposed, www.frontpagemagazine.com,Barry Rubin, Asaf Romirowsky and Jonathan pyer,  www.think-israel.org/rubin.unrwarefuge.html; Jerusalem Summit, www.jerusalemsummit.org/eng/

[ii]  انظر:

Barry Rubin, Asaf Romirowsky and Jonathan Spyerm  www.think-israel.org/rubin.unrwarefuge.html

Avi Beker, UNRWA, Terror and the Refugee Conundrum: Perpetuating the Misery, http://www.worldjewishcongress.org/instwjc_polforum.html

 

[iii] انظر:

Ileana Ros – Lehtinen, Incorporate UNRWA into UNHCR, New York Times, Sep. 2005.