×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

حنين لأغصان الزيتون

زيتون قرية شعب المهجرة ,قضاء عكا زيتون قرية شعب المهجرة ,قضاء عكا

بقلم: د.أحمد نبيل أحمد أحمد*

الرحيـل... كان البداية... منذ أكثر من ثلاثة وستين عامًا، بدأت رحلة الرحيل القسرى... رحلة آلام وشجون... غربت الشمس علينا فى تلك الأيام؛ وحتى الآن ننتظر أن تشرق علينا مرة أخرى ونحن فى الديار. منذ تلك اللحظات الفارقة فى حياتنا، لم يعد لنا مأوى سوى العراء؛ نلتحف السماء، ونتخذ من أوراق الشجر وأغصانها مأوى قد يحمينا من برد قارس.
لكن اليقين ثابت لن يتزعزع يومًا من الأيام: يقين العودة. فمهما طال الظلام لابد من نهار؛ نهار يأتي لينير لنا الطريق إلى الديار. شمس جديدة تشرق على أبناء العروبة فى كل ربوعها؛ لتزيح بقايا أشلاء كانت فى الماضي تعيق الطريق.
"فلن يضيع حق وراءه مطالب"، بتلك الكلمات البسيطة كان جدي، ذلك الكهل الذى تجاوز الثمانين خريفًا من العمر، يبدأ حديثه إلينا ونحن فتية صغار نلتف حول بعض الأغصان المشتعلة علها تحمينا من برد الشتاء.

ورغم مرور تلك السنوات على الرحيل، ثلاثة وستون عامًا مرت على نكبة فلسطين وشتات المهجرين، ولا يزال يحكي دون أن يمل يومًا. لا يزال يوصينا بأن نحكى لأطفالنا، لأطفال عروبتنا فى كل مكان؛ حتى تظل قضيتنا حية لا تموت... ولن تموت أبد الدهر. لا يزال صدى كلماته يرن بإذني: الإرهاب، القهر، التهجير الجبري من الديار.

"ذكرى" ستظل عالقة فى مخيلتي ما حييت، ذكرى الخروج من الديار. كنت طفلاً لم أتجاوز العاشرة، كنت ممسكًا بطرف جلباب أمي، وأصرخ من سخونة الأرض والأشواك تحت قدمي الحافيتين. كنا نلهث فى العراء ودوي القنابل خلفنا لا يفرق بين طفل وشيخ أو بين رجل وامرأة... رعب وفزع لطفل لم يتجاوز بعد الحلم.

كيف أنسى؟ ولماذا؟! أيمكن أن أنسى ما تفتحت عليه طفولتي من تشرد ومعاناة؟ أيمكن أن أنسى ما فعلته تلك العصابات فى دير ياسين؟ مجازر دموية ارتكبتها يد الطغاة... تطهير عرقي نفذته يد الإرهاب من عصابتي الإرغون وشتيرن من الصهاينة.
فمع بزوغ فجر التاسع من أبريل 1948، استيقظت مفزوعًا من نومي على أصوت صراخ وطلقات رصاص ودوى قنابل... أكثر من مئة وعشرين رجلاً يهاجمون قرية دير ياسين: قريتي الحبيبة. قتل وذبح وحرق... ولما العجب؟ فهؤلاء هم الصهاينة! خرجت خائفًا مفزوعًا؛ رأيت بعيني مجازرهم البشعة. رأيت ظلام الليل وقد تبدد تحت نيران مدافعهم. قام أبي ومن معه من شباب القرية بإخراج النساء والأطفال والشيوخ خارج المدينة خوفًا عليهم، وعاد والدي للدفاع عن الديار والحق المسلوب.

بدأت المواجهة؛ مواجهة الحق بالباطل، مواجهة أصحاب الأرض والحق للعصابات الصهيونية. تسلح أهل القرية ببعض العصي والحجارة وأسلحة بدائية فى مواجهة العصابات المسلحة بالبنادق ومدافع الهاون من خلفهم. جعل أهل القرية من أجسادهم دروعًا تحمى الديار. وكانت المذبحة؛ قتل وحرق لأهالي القرية العزل دون أي ذنب ارتكبوه. أكثر من 245 قتيلاً تم أبادتهم تحت حماية دولية. أدار الجميع وجهه، ولم يلتفت أحد إلى ما حدث؛ الكل أغمض عينيه.
فكان الهدف واضحًا؛ إرهاب شعب فلسطين. فما حدث كان إرهابًا لشعب أعزل. فمجزرة دير ياسين كانت واحدة من سلسلة المجازر التي رسمتها يد الشر حتى ترهب أهالي فلسطين... ولم يكن أمامنا سوى الرحيل.

وفى العراء... انتظرت عودة والدي طويلاً، لكنه لم يعد! أدركت وقتها أنه استشهد دفاعًا عن أرضه ودياره؛ استشهد وهو يواجه قوى الظلم والقهر.
وبدأت رحلة الرحيل؛ أخذنا نتنقل من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى أخرى. كنا نتنقل على عربات الأبقار، وكانت النهاية إلى خارج حدود بلدي الحبيبة فلسطين. وجدنا أنفسنا فى لبنان. أما أهلنا فلم نعرف إلى أين كان مصيرهم؛ أترى إلى مصر أم العراق أم الأردن؟
إنه الشتات! تفرقنا... وفى رحلة الشتات كانت العربات تنقل إلينا كل يوم بعض أهلنا من الديار... وتعددت المآسي... رأيت شابة ترتدي ثوب زفافها؛ لكن الصورة اختلفت كثيرًا عما اعتادت عيناي أن تراه، فقد تبدلت الفرحة والابتسامة التى كنت أراها دائمًا تعلو شفاه العروس إلى دموع تركت أثرًا على خديها من حرارة البكاء.


أدركت بعدها أنها فقدت زوجها، بعد أن انهمرت عليهم القنابل من كل مكان أثناء الاحتفال بالعرس، فتحولت أصوات الزغاريد إلى صراخ ممزوج بدوي

القنابل، وتحول العرس إلى مأتم. وفى أرض الشتات لم أحصد سوى اليقين بالعودة، والثأر لوالدي وأهلي.
واستمرت المعاناة فى الشتات، وازدادت مأساة لاجئي فلسطين يومًا بعد يوم. وفى المخيمات لم تتوقف مجازر ومذابح الكيان الصهيوني التي كانت تحدث على مرأى ومسمع العالم دون أن يحرك ساكنا. مذابح هنا، ومجازر هناك: غزة... قانا... صبرا وشتيلا.. إن ما يقدم عليه الاحتلال الإسرائيلي لا يحيرني؛ إن ما يحيرني غياب الضمير العالمي!
كيف تصم الآذان، وتكمم الأفواه، وتغيب العقول؟ أيعقل أن تستمر النكبة ثلاثة وستين عاما والكل فى ثُبات عميق؟!

والآن، وبعد أن تجاوزت الستين خريفًا، سأظل أحكى ما حدث كما أوصاني جدي حتى ألفظ أنفاسي الأخيرة. سأظل أحكي حتى أعود إلى الديار، ويعود الحق المغتصب إلى أهله. لن أنسى حقي المسلوب، لن أنسى بيتي الذى ترعرعت فيه، لن أنسى حلمي الذى عشت من أجله، سيظل حنيني لأغصان الزيتون يدفعني للعودة.
-----------------------------------
* د. احمد نبيل احمد احمد: باحث وكاتب مسرحي، مدرس بكلية التربية جامعة عين شمس، جمهورية مصر العربية.