×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

الذكرى 63 للنكبة سرقة وطن وتشريد أصحابه

صورة من ارشيف النكبة تظهر التشريد , التدمير الذي مارستهالعصابات الصهيونية في العام 1948 صورة من ارشيف النكبة تظهر التشريد , التدمير الذي مارستهالعصابات الصهيونية في العام 1948

بقلم: وليد العوض*

في الخامس عشر من أيار يحي شعبنا في الوطن والشتات ذكرى أليمة ما زالت آثارها المؤلمة تنعكس سلبا على حياة شعبنا في مختلف أماكن تواجده؛ إنها ذكرى النكبة التي حلت بشعبنا قبل ستة عقود وثلاث سنوات من الزمن؛ حيث أقتلع شعبنا وطرد من أرضه. في ذلك اليوم الأليم، اكتملت فصول المؤامرة التي حاكتها العصابات الصهيونية بالتواطؤ مع الامبريالية العالمية التي كانت آنذاك تتمثل في بريطانيا المنتدبة على فلسطين، فنفذت المؤامرة الكبرى التي تحول بفعلها معظم أبناء شعبنا إلى لاجئين في مختلف أصقاع العالم. في تلك الأيام السوداء، نجحت الحركة الصهيونية بتعاونها مع بريطانيا والعديد من الدول الامبريالية الناشئة ليس فقط بسرقة "أرض بلا شعب" كما كان يدعي منظرو الحركة، بل سيطروا على دولة كانت مؤسساتها قائمة بالفعل على الأرض وشعبها يسعى لاستقلاله.

وكما تشير مجمل الأبحاث والدراسات، فقد قامت العصابات الصهيونية مدعومة من بريطانيا بطرد أصحاب الأرض الأصليين في أوسع عملية تطهير عرقي منذ الحرب العالمية الثانية. قاموا باغتصاب دولة كانت قائمة بمؤسساتها المختلفة، لكنها خاضعة لسلطة لانتداب البريطاني التي قامت بنقض صك الانتداب وحرمت الشعب الفلسطيني من حقه في الاستقلال أسوة بشعوب البلدان المجاورة التي كانت خاضعة للاستعمار آنذاك. ولم يقتصر الدور التآمري على هذا فحسب، لكنها وفرت أيضا للحركة الصهيونية ومشروعها العنصري - عملا بوعد وزير خارجيتها اللورد بلفور- كل فرص وعوامل النجاح، بدءا من توفير السلاح والعتاد وإقامة عشرات معسكرات التدريب للمجندين اليهود، علاوة على تسهيلها لحركة الهجرة واستيعاب آلاف اليهود في العالم وإسكانهم في فلسطين. وفي نفس الوقت، مارست بريطانيا كل أشكال البطش والعنف ضد أصحاب الأرض الحقيقيين وحرمتهم من أي وسيلة للدفاع عن حقوقهم في مواجهة الخطر الداهم الذي كان ينمو ويتصاعد بوحشية أمام ناظريهم وعزموا على مقاومته ببسالة وعناد نادر، إلا أن حجم الدعم والتسهيلات التي قدمتها بريطانيا للحركة الصهيونية مكنتها من تحقيق نجاح مشروعها في اغتصاب وطن وتهجير الشعب الذي عاش فوق أرضه آلاف السنين.

وتشير العديد من الدراسات والأبحاث أن ألف وثلاثمائة تجمع بين قرية ومدينة وبلدة فلسطينينية يتجاوز عدد سكانها مئات الآلاف، كانت قائمة في فلسطين التاريخية قبل عام 1945، بينما لم يكن الصهاينة حتى ذلك التاريخ وبالرغم من التواطؤ والتزوير البريطاني قد نجحوا إلا بإقامة 181 مستعمرة فقط، لا يزيد عدد سكان الواحدة منها عن العشرات. ومع استمرار الدعم والتسهيلات المكشوفة من بريطانيا، وصل لاحقا آلاف اليهود من شتى أصقاع الأرض وشنت عصاباتهم المعروفة الارغون وشتيرن والهاغناة حربا وحشية وحملات إبادة وتطهير عرقي ضد شعبنا الفلسطيني الأعزل، إلى أن تمكنت هذه العصابات في منتصف أيار عام 1948 من سرقة الوطن وهو ما نسميه عن حق ( بالنكبة الكبرى) التي حلت بشعبنا الفلسطيني. في هذه النكبة سرقوا الوطن الذي كان قائما ويضم مؤسسات دوله قائمة بذاتها، سعى سكانها للاستقلال أسوة بجيرانهم وخاضوا كفاحا مريرا في سبيل ذلك، ولكنهم لم يحققوا ما كانوا يتطلعون إليه نظرا لحجم وطبيعة القوى المتآمرة على فلسطين وشعبها الأعزل الذي بذل التضحيات الجسام دفاعا عن أرضه ووطنه.

وفي معرض الحديث عن النكبة والوطن الذي سرق لابد لنا عند إحياء ذكراها من التأكيد للرأي العام بأن فلسطين لم تكن خالية من السكان كما يزعم الصهاينة، بل كانت وكما أسلفت دولة تخضع لإنتداب بغيض لعب دورا تآمريا في حرمان شعبها من الاستقلال كما نص صك الانتداب. وتشير العديد من الدراسات التي تناولت أوضاع فلسطين قبل النكبة، أن الصهاينة بنوا دولتهم العنصرية على مؤسسات دولة قائمة، فقد كان في فلسطين إبان الانتداب 1700 منشأة حكومية من نوادٍ ومبانٍ ومؤسسات للصناعة وغيرها. كما كانت فلسطين تعتبر من أكثر الدول المجاورة تقدماً في المجالات التجارية والصناعية والزراعية، فقد ضمت 500 مؤسسة عاملة في مجالات متعددة. وتميزت فلسطين بموقعها الجغرافي المميز الذي كان يربط البلدان المجاورة بشبكة من السكك الحديدية، حيث كان فيها 41 محطة للقطار و700 كيلو متر من السكك الحديدية، إضافة إلى 31 مطاراً و 6000 كيلو متراً من الطرقات المعبدة و37 معسكراً للجيش البريطاني؛ سلم معظمها للصهاينة الغزاة، وقد استخدموها في حربهم لإبادة شعبنا وتهجيره عن وطنه.

في هذه النكبة أيضا استولت إسرائيل على 2000 معلم تاريخي من المساجد والمقابر والاديرة والكهوف ومراكز الآثار. كما كانت فلسطين غنية أيضا بمصادر المياه وعذوبتها وكان فيها آنذاك 3650 مصدراً للمياه، ومن أجل السيطرة على كل هذا استخدمت العصابات الصهيونية كل وسائل الإباده من قتل وتدمير واغتصاب وحرق الناس وهم أحياء كما حدث مع أهالي طيرة حيفا. وقد أثبتت الدراسات التي صدرت مؤخراً بما فيها تلك التي صدرت عن كتاب وباحثين إسرائيليين أمثال ايلان بابيه وغيره ممن استفاقت ضمائرهم، فأشاروا إلى أن 90% من القرى الفلسطينية نزح سكانها الذين مثل عددهم آنذاك 52% تحت وطأة التعرض لهجمات عسكرية تمت أثناء وجود الانتداب البريطاني وتحت حمايته. ومع حلول شهر أيار عام 1948 والإعلان رسمياً عن قيام "إسرائيل"، تم طرد النسبة المتبقية التي تمثل 42% من السكان، وقد استكملت إسرائيل طرد العدد المتبقي الذي يمثل 6% بعد اتفاقات الهدنة التي أعقبت قيامها.
وتبين تلك الدراسات أيضا أن العصابات الصهيونية ارتكبت في حربها ضد شعبنا أبشع المجازر التي عرفتها الإنسانية، حيث دمرت أكثر من 500 قرية ومحلة، وارتكبت - فقط ما بين عامي 1947 و1949- 247 حادثة قتل وأبادة، منها 141 مذبحة، تعتبر 70 منها في إطار المذابح الكبرى و71 في إطار المتوسطة. إن هذا الإرهاب غير المسبوق الذي نفذته العصابات الصهيونية مكنها عام 1948 من إتمام حلقات مهمة من فصول مؤامراتها القاضية باحتلال فلسطين وطرد أهلها الذين تحولوا إلى لاجئين فاق عددهم هذه الأيام سبعة ملايين لاجئ، تناثروا في اتجاهات متعددة إلى كل من لبنان والأردن وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة والى العديد من دول العالم الأخرى.

من خلال ما تقدم فان لغة الأرقام التي أشرنا لها أعلاه والعديد مثلها الذي تختزنه الأبحاث والدراسات تبين بشكل جلي أن دولة الاحتلال قامت بسرقة دولة قائمة بذاتها وشردت شعباً بغالبيته وقلبت حياته رأسا على عقب.

في هذه الأيام من شهر أيار، حيث تداهمنا كل عام الذكرى المؤلمة للنكبة التي ما زالت جرحا غائرا في الجسد الفلسطيني يقطر دما، نقول، بالرغم من مضي ستة عقود وأعوام ثلاثة من الزمن وما خلفته من آثار مريرة على شعبنا: سيبقى هذا الشعب يعاني منها إلى أن يتعافى من آلامها، ولن يتم ذلك إلا بتحقيق حقوقه العادلة في العودة والحرية والاستقلال.

إن شعبنا الفلسطيني ورغم الجراح التي أشرنا لها وغيرها الكثير، لم ولن يستسلم للوقائع التي فرضتها إسرائيل كنتاج للنكبة. فها هو يواصل مسيرتة الكفاحية متمسكا بحق العودة، وقد أسقط العشرات من مشاريع التوطين التي هدفت لتصفية قضية اللاجئين، كما تمكن من إعادة إبراز هويته الوطنية و كيانه المعنوي والسياسي بفعل التضحيات الكبيرة منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية التي شكلت ذروة التحدي الفلسطيني في مواجهة النكبة. واستطاع عبر ممثله الشرعي والوحيد الوصول إلى كافة المحافل الدولية لكسب التأييد لحقوقه الوطنية المشروعة، وبناء كينيته السياسية الموحدة التي مثلتها نشأة منظمة التحرير الفلسطينية وتنامي دورها ومكانتها على كافة الأصعدة. كما حظيت بإعتراف عربي وعالمي لتمثيل شعبنا في الجمعية العامة للأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى، وكسبت تأييد العالم لحق شعبنا في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعودة لاجئيه الذين شردتهم النكبة قبل ستين عاما. وخلال العقود الطويلة من التضحية و العطاء المتواصل، أكد شعبنا بعزيمته واصراره المتواصل تصميمه على نيل حريته واستقلاله والعيش بحرية وكرامة، وعلى هذا الدرب: درب العودة والحرية والاستقلال، قدم مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى والمشردين التضحيات الكبيرة. وما زال شعبنا يخوض نضاله الدؤوب من أجل عودة لاجئيه الذين شردوا من ديارهم عام 1948 مستندا لقرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها القرار 194 القاضي بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم الاصلية.

ونحن نتحدث هذه الأيام عن النكبة لابد لنا من أن نشير ونحذر من سعي حكومة الاحتلال لاستمرار فصول النكبة التي لم تكتمل وفق المنظور الصهيوني، حيث يتواصل العدوان الإسرائيلي بكافة أشكاله وتزداد شراسة الحملات الاستيطانية وبناء جدار الفصل العنصري الذي يلتهم 58% من أراضي الضفة الغربية، ويقطع أوصالها إلى معازل يصعب التواصل بينها، وإقامة حزام استيطاني واسع يعزل القدس عن الأراضي المحتلة عام 1967، ويترافق كل ذلك مع الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة.

أمام هذه المخاطر فقد عاش الشعب الفلسطيني ثلاث سنوات ونصف عجاف من الانقسام المرير عصف بالوضع الداخلي الفلسطيني وهدد المشروع الوطني الفلسطيني برمته. لقد أسفرت الجهود الأخيرة عن التوقيع على اتفاق المصالحة، آملين تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه دون مماطلة وتسويف وإعلاء المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. يجب أن نقول وبكل صراحة أن استمرار الانقسام يمثل نكبة جديدة للشعب الفلسطيني، كما أن استمرار الانقسام يمثل الهدية الثمينة للاحتلال وقادته الذين علا صوتهم احتجاجا على المصالحة. ومن هنا نقول مرة أخرى ونحن نعيش ذكرى النكبة أن المخاطر على شعبنا آخذة بالتزايد، ومعها تتزايد الحاجة للوحدة، خاصة أن القيادة الفلسطينية عازمة على التوجه لمجلس الآمن لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. إن هذا التوجه يتطلب التوحد في مواجهة مختلف هذه المخاطر، وهذا وحده يمكن أن يغلق الطريق على المخاطر التي تهدد مشروعنا الوطني، ويعيد الأمل المفقود للمواطن الرازح بين مطرقة الاحتلال وسندان الانقسام، وهذا وحده أن يعزز صمود شعبنا ويمكننا جميعاً من مواجهة العدوان والتصدي لأهدافه التي مازالت قائمة على مبدأ بن غوريون القائل أن تدمير فلسطين الكامل شرط لقيام إسرائيل وبقائها.
---------

* وليد العوض: عضو المجلس الوطني الفلسطيني، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني.