×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
صورة للفنانة ريم الازرق،مخيم عايدة ,جائزة العودة,مركز بديل 2011 صورة للفنانة ريم الازرق،مخيم عايدة ,جائزة العودة,مركز بديل 2011

بقلم: عيسى قراقع*

ذهب الوطن خلف الذاكرة، وبدأنا كأشباح ولدنا في علبة سردين وحبات سمك نبتلعها بلا ماء أمام مدخل مكتب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الواقع على أطراف المخيم.

نحن جيل ما بعد النكبة، صحونا على مطر الشتاء يدلف من تحت ألواح الزينكو، صوت ريح لا تفهم أن هناك بشرا عبروا في العتمة ناجين من مذبحة أو أكثر. نقرفص من البرد، نلتصق بالليل وبلحمنا وبأحلامنا ولكننا نرتجف. نشعل بابور الكاز، وننتظر أن ينسحب البرد من عظامنا، ونجري في ذلك الصبح الى المدرسة.

كل ما قيل لنا هو هذيان جاف عن مكان حملته الجرافات، وخطفته الدبابات، ونقلته إلى النسيان. ولا تفيد الذاكرة في سدّ رمق الجوع هنا، وإشعال معركة في طابور (السندكة) عندما توزع وكالة الغوث علينا المؤن والطحين والأرز والفول، ولا يؤخر طوشة بين النساء على حنفية الماء الجماعية، عندما تتطاير التنكات والصرخات، ولا تمتلئ البراميل ولا يشرب الناس.

نحن اللاجئون، الظلال، المشطوبون من الجغرافيا، الهائمون بلا أسماء، نقطن هنا، قرب مدينة تخاف أن نبتلعها بأساطيرنا الأولى، وأن تقترب خطواتنا من هدوئها الحضاري، تخاف من جوعنا وزفراتنا وتطلعاتنا المريبة، ولكننا هادئين جدا مشحونين بالأسئلة الصلبة وبالانتظار.

منذ 63 عاما ونحن ننتظر البقجة، نفتح صرة ملفوفة في بطانية تقدمها لنا وكالة الغوث بين فترة وأخرى، نتحلق نحن الأولاد الصغار حولها، نفتحها، نفتش فيها عن كلسون جميل، أو كنزة صوف واحدة حتى لو كانت منتهية الصلاحية، ونرتدي بنطلونا حتى لو لم يكن على المقاس... رائحة الملابس تدل أنها قادمة من وراء المحيط، تبرعوا بها لنا بعد أن لبسوها سنين طويلة، ألقوها علينا، لبسناها وشكرنا الدول التي استعمرتنا والبستنا وأطعمتنا وأسقتنا زيت السمك... تشربه مكرها كما تكره الألم.

ومنذ 63 عاما والبقجة من حولنا تكبر، والعالم المتمدن يمدنا بالمساعدات حتى لا نتحول الى فراشات قرب ينابيع الماء، وحتى لا نشكو سوء الحاضر فيأخذوننا الى مستقبل الإغاثة، حتى ينعشوا فينا القادم وندفن الماضي، ويصير البيت بعيدا كالتنمية والسلام الاقتصادي، وحتى نتقن تلقي وتقبل ثقافة زركشة الوجع، حتى وان كان في ذلك فجور على مرأى من المحرومين.

انتفخت البقجة! استبدلنا لامبة الكاز بالكهرباء، وعبرنا شوارع المخيم، ومدت لنا خطوط للمياه، صار لنا مراكز للشباب وحضانات للأطفال، واقتحمنا الجامعات، وانهالت علينا مساعدات البنك الدولي والمانحون وحكومات رأس المال الغربية، بقجة كبيرة، رشوة كبيرة، مقابل النسيان.

البقجة، مشروع تسوية الإنسان، تسهيل انفصاله عن التاريخ والذاكرة، لغة جديدة تسرق منك البيان واللسان والقمح والبيت والبرهان، وثقافة أخرى تجعلك تعيش بلا مؤرخين ومؤلفين لتكمل ما تيسر لك من عمرك بلا رواية، ويكون المنفى هو سن الرشد التدريجي ودرس الجغرافيا الجديد بين المسافة هنا وهناك.

والبقجة الآن صارت مشاريع تطوير؛ تطويرنا في ظل الاحتلال، إنتاج أفكارنا بما يجعل الجلاد مقدس، وبابا لدخول البقج المالية والمساعدات وأموال الرواتب وإشباعنا حتى التخمة بالقروض والهبات، وما عليك إلا أن تتكيف ولا تبحث عن حرية أو سيادة أو هوية، أو حدود بين روحك والمستوطنة.

الداعمون للبقجة يريدون أن يشجعوا زراعة الزهور، والحديقة بعيدة، وأن نزرع الأفوكادو وليس الزيتون، لأن في الزيتون آيات محكمات غاضبات. ويريدون أن ننتعش حتى نصل الى مرحلة الديمقراطية، وأن نتقبل نموذج التعاون للوكالة الأمريكية للتنمية القائمة على استمرار اعتقال الشعب الفلسطيني واغتيال الوطن وتخصيص حق العودة، من حق تاريخي وقانوني الى حق قابل للمساومة والمفاوضة مقابل دولة يهودية نقية أقيمت على مشروع الإبادة.

البقجة الآن تعني أنه ليس لك حكاية، وعليك أن تتحرر من الخيال القديم؛ من حكايات الصندوق والمفتاح ومشاهد الحرب والطرد وحكايات المهلهل وعنترة وليالي شهرزاد وإيقاع المتنبي في دار جدك. عليك الان أن تكمل الحكايات وحدك بلا معاونين أو أسانيد في الحجر والشجر والخميرة في العجين.

وعليك أن تشفى من قلق السؤال حتى يشفى المحتلون من قلق الهوية والوجود والخطر الديمغرافي وأشباح الجريمة، والعنصرية التي وصلت الى مستوى الفاشية.

البقجة يعني أن تدخل التجارة الدولية الحرّة، أن تستورد الخبز والكاز والبندورة، وربما زيت الزيتون قريبا. البقجة ان تدفع الضرائب للشركات والمحتكرين، وأن تتدرب على نظام السوق وليس على نظام ممارسة الحرية والكرامة والدفاع عن مقدرات البلد المنهوبة والمستعمرة.

افتح البقجة، رائحة قادمة من تل أبيب جنود يقتحمون نومك وذاكرتك، حقول تجف، مكان يضيق، ورائحة حرب هنا تدور تحت شعار السلام، فإما أن تلبس كل ما في هذه البقجة أو تموت!

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------

* عيسى قراقع: وزير شؤون الأسرى والمحررين، عضو مجلس تشريعي، عضو جمعية عامة في مركز بديل.