التفكير في المُمكن: المجتمع الفلسطيني المستقبلي الذي أتوق إليه

 التفكير في المُمكن: المجتمع الفلسطيني المستقبلي الذي أتوق إليه

بقلم:د. خليــل نخلـــة
تــداولات أوليــة حـول طروحـــات "الحلـــول" لاستعادة الحقــوق الفلسطينيـــة الأصيلــــة


أبدأ بملاحظتين: أولا، ما أعرض هنا هو موقف شخصي ناجم عن سنوات طويلة من التفكير والتأمل والبحث، والذي آمل أن يثير بدوره تداولات ترتكز هي نفسها على التفكير والتأمل من جميع المعنيين بمستقبلنا. وثانيا، أبدأ هذه التداولات ليس بكوني ملتزم مسبقا بأحد "شعارات" الحلول المطروحة (مثلا، الدول ثنائية القومية، أو الدولة الديمقراطية العلمانية، إلخ)، ولكن لأنني مقتنع بأن أية حلول نطرحها يجب أن تنبع من "أهداف إستراتيجية" واضحة لنضالنا، نلتزم بها، وأن تكون هذه "الحلول" متجانسة معها.  وفي الوقت ذاته، فأنا ملتزم بأن أكون جزءا من أية مجموعة تناضل لتحقيق مجتمع ديمقراطيي، عادل، حر، يرفض الإستغلال، ويعيد بعث طاقاته بذاته، ويعتمد على نفسه، ويصر على أن يكون مستقلا عن أية هيمنة خارجية، في فلسطين التاريخية.  بكلمات أخرى، أنا ملتزم بالنضال الذي يسعى لتقويض الفصل العنصري، مبدءا وممارسة، بجميع أنواعه ومستوياته، السياسية والمكانية والاقتصادية والنفسية، على أرض فلسطين التاريخية.

الأهداف الإستراتيجية

تسعى الأهداف الإستراتيجية لنضالنا الجمعي القومي، إلى تحقيق الحقوق الفلسطينية الشرعية التاريخية والتي، كما أستعملها هنا، تتمثل بحق جميع الفلسطينيين بالحياة الحرة والمستقلة في أرض فلسطين التاريخية، كإمتداد وكجزء عضوي من الوطن العربي، بدون هيمنة أية قوة سياسية كانت أم إقتصادية أم عسكرية. ويرتكز هذا على تحقيق الشروط المسبقة التالية: أولا، جميع النشاطات والنتائج الناجمة عن إستعمار فلسطين الإجرامي واللا شرعي من قبل التحالف الصهيوني الغربي، حينما تم إستهداف فلسطين في بدايات القرن العشرين، والتي تشمل سرقة الأرض والمياه لصالح المستعمرات اليهودية-الصهيونية الحصري، والهياكل السياسية والقانونية، وتهجير السكان الأصليين وإعادة موضعتهم، ومنح المستعمرين الإستغلال الحصري للموارد الطبيعية، إلخ، هي لاغية وغير شرعية ويجب فكفكتها.
 
ثانيا: العودة غير المشروطة لجميع الفلسطينيين، أفرادا وجماعات، الذين هجرهم وطردهم بالقوة المشروع الصهيوني الإستعماري بالتعاون مع مراكز الإستعمار الغربي، وأجبرهم على إفراغ بيوتهم وأملاكهم وأراضيهم؛ وممارسة حقهم الطبيعي، غير القابل للتصرف، بإستعادة أملاكهم المسلوبة؛ ثالثا: الحفاظ على هذه الأراضي والممتلكات والموارد الطبيعية كجزء أساسي من موارد أرض فلسطين، والإستغلال الإنتاجي لهذه الأراضي والموارد الطبيعية لإحداث التنمية الذاتية للمجتمع؛ رابعا: الحرية المطلقة لجميع الناس في فلسطين التاريخية لاختيار نظام الحكم لديهم، دون إكراه أو تمييز؛ خامسا: الحفاظ الحريص على المبدأ الجذري بفصل المعتقدات الدينية عن النظام السياسي، وعدم إستعمال الدين كأساس للحكم؛ سادسا: الضمانة القانونية لحماية الحقوق المتساوية للأفراد والجماعات من جميع الأقليات التي تكون نسيج المجتمع الفلسطيني الجديد؛ وأخيرا، الإصرار على المبدأ الأساسي بأن المساواة وعدم الإستغلال هو المبدأ المنظم لعلاقات الأكثرية والأقلية في المجتمع الفلسطيني الجديد.

إيضاحات مفاهيمية

إن جوهر هذا النقاش هو طبيعة المجتمع المستقبلي الذي أصبو إليه، والذي آمل أن يتجسد مستقبلا في أرض فلسطين.  هدفي ليس التركيز، بالضرورة، على طبيعة "الدولة-الأمة" أو "الدولة القومية" التي يجب أن نناضل من أجلها؛ إن قناعتي هي بأن "الدولة القومية" أصبحت خارج سياقها التاريخي، وأنها ذاهبة للإضمحلال كهيكلية منظمة للمجموعات البشرية.  ومن هذا المنطلق فإن المجهود الذي نبذله بإصرارنا على خلق دولتنا "القومية"، ربما بعد جيلين أو ثلاثة أجيال، هو عديم الجدوى وهدر لطاقاتنا المجتمعية. لذلك يأتي تركيزي على طبيعة المجتمع الذي أصبو لتحقيقه.


هذا النقاش، إذا، هو نقاش مركز على مستوى المفاهيم، وليس المقصود بأن يستوحى منه بأنه "خطة عمل سياسية" التي قد يتم تنفيذها خلال عقد من الزمن.  إن قناعتي تقود الى أن أية "خطة عمل سياسية" نضالية، مهما كانت، ستكون صعبة المنال ما لم يتطور لدينا إدراك واستيعاب عميق وواضح للمفاهيم الموجهة لمثل تلك "الخطة". ولكي أكون بمنتهى الوضوح منذ البداية، فإن هذا النقاش الذي أبادر له يجب ألا يحل مكان النضال الجماهيري اليومي المتمحور ضد الإحتلال الصهيوني-الأمريكي المستديم على أرضنا، وضد عملاء ووكلاء وسماسرة هذا الإحتلال المحليين، وضد رموزه اللا شرعيين، مثل "جدار الفصل العنصري" والمستعمرات الصهيونية-اليهودية، وغيرها.  إنما هو مكمل لبعده الإستراتيجي.


ولكي نطور هذا النقاش بشموليته المطلوبة وبدون غموض أو إلتباس، هناك ثلاثة مفاهيم رئيسية التي يجب تفكيكها وإعادة هيكلتها وتكوينها من جديد: أولا: أرض فلسطين التاريخية (بالمفهوم المكاني التاريخي)؛ ثانيا: طبيعة السكان في أرض فلسطين التاريخية؛ وأخيرا: طبيعة الكيان، أي الإطار السياسي-الإقتصادي-الإجتماعي المنظم للوجود السكاني في أرض فلسطين التاريخية.


تداولات أولية: المكان

منذ أن تم تفتيت وتشظية المنطقة العربية إلى وحدات دويلات صغيرة، غير متجانسة وغير قابلة للحياة وفق ترتيبات سايكس-بيكو في العام 1916؛ ومنذ أن تم إستهداف أرض فلسطين التاريخية للإستيلاء والتدمير من قبل المشروع الإستعماري الصهيوني-الغربي، ركزت جميع "الحلول" المقترحة "للقضية الفلسطينية"، بدءا بتوصيات لجنة بيل في 1937، مرورا بقرار الأمم المتحدة في 1947، وإنتهاءا بمرحلة إتفاقيات أوسلو (وما لحقها)، على تقسيم أرض فلسطين التاريخية.  إن جميع هذه "الحلول" غير عادلة، ولا تحقق الحقوق الأساسية الإنسانية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية للشعب الفلسطيني.  كان الهدف دوما من هذه الطروحات التوصل إلى ترتيبات مقبولة على مراكز الرأسمال الغربي والقوى المهيمنة لتلبية أهدافها في خلق "رأس جسر" أو موطئ قدم في فلسطين من خلال دعم تأسيس الكيان الصهيوني-الأشكنازي الذي تطلب تحطيم الحياة المجتمعية في فلسطين وإفقار أغلبية سكانه. مما نتج عنه إخضاع فلسطين لهيمنة عسكرية وإقتصادية مستديمة وظالمة، على أن توفر المقومات لإمتداد هيمنة إمبريالية غربية على كافة المنطقة العربية والإسلامية.

ويُستعمل مصطلح "أرض فلسطين التاريخية" هنا ليشير إلى تلك المناطق التي عرفت بـ "سوريا الجنوبية"، والتي بدأت تعرف بفلسطين إثر الحرب العالمية الأولى، والتي، بتصميم مسبق، وقعت تحت الإحتلال البريطاني وأصبحت تعًََُرف حينئذ بإسم "بلاد العدو المحتلة". وبغض النظر عن التحولات التي طرأت على الهيكلية الإدارية من فترة إلى أخرى، ومن مُحتل إلى آخر، فإن هذه المنطقة شملت كامل المنطقة غربي نهر الأردن والواقعة بين الحدود اللبنانية في الشمال والنقب في الجنوب، وممتدة غربا إلى شاطئ البحر المتوسط على طول خط يشمل منطقة النقب بمجملها حتى رفح جنوبا، وحتى الحدود اللبنانية شمالا، متضمنة منطقة الجليل بأكملها.  وهكذا، إن مصطلح فلسطين التاريخية، كما هو مستعمل هنا، يشمل جميع المنطقة التي أصرت بريطانيا، بضغط من الحركة الصهيونية العالمية، أن تصبح "منتدبة" عنها وتحت سيطرتها. وهي نفس المنطقة التي تعرف اليوم بالضفة الغربية وإسرائيل وقطاع غزة.
 
لقد كانت هذه المنطقة جزءا عضويا وغير منفصل من الوطن العربي، كوطن  للشعب العربي بأكمله، ومن ضمنه الشعب العربي الفلسطيني.  أما في الوقت الراهن فإن الدول (والدويلات) العربية "القومية" في المنطقة ما هي إلا تكوينات "دولانية" مصطنعة تم إنشاؤها من قبل القوى الغربية المهيمنة في ذلك الوقت، وعكست، حينئذ، وتعكس الآن ميزان القوى السائد.  ولذلك، فإن مستقبل صلابة هذه "التكوينات الدولانية" هش وليس يقينا.

 
السكان


سيتكون سكان المجتمع الفلسطيني المستقبلي، في أرض فلسطين التاريخية، من الفئات التالية: أولا، جميع الفلسطينيين العرب واليهود الذين تعايشوا في أرض فلسطين التاريخية قبل 1948، واستمروا بالتعايش فيها حتى اليوم؛ ثانيا،  جميع الفلسطينيين العرب الذين طردوا، أو هُجروا بالقوة نتيجة عملية التطهير العرقي وتحطيم المجتمع الفلسطيني الأصلاني تمهيدا لإحلاله بالكيان الصهيوني-الأشكنازي في 1947-1948؛ وثالثا وأخيرا، جميع الفئات السكانية الأخرى، بغض النظر عن إنتمائها الديني أو الطائفي، والتي تقبل الأهداف الإستراتيجية المبينة أعلاه، وتلتزم بجوهرها.

ويرتكز هذا التحديد على المبادئ التالية:

أولا: إن السكان العرب الفلسطينيين الأصليين مستعدون أن يقدموا تنازلا تاريخيا فحواه، أنه بالرغم من الألم غير المسبوق، والظلم الإجرامي وغير العادل، الذي ألحق بهم عنوة في عملية إنشاء وإستمرار الكيان الصهيوني-الأشكنازي في فلسطين التاريخية، فإنهم مستعدون للعيش مع اليهود الرافضين للمشروع والفكر الصهيوني في فلسطين على قدم المساواة.

ثانيا: "حق العودة" العادل لجميع الفلسطينيين الراغبين بالعودة يطبق وينفذ، و"قانون العودة" العنصري لليهود والمنفذ اليوم، يلغى.
 
ثالثا: ما يسمى بـ "الشعب اليهودي" هو أسطورة تاريخية، خلقتها وغذتها وروجت لها الحركة الصهيونية الإستعمارية العنصرية، لتبرر إستعمار السكان الأصليين في فلسطين التاريخية، وسرقة أراضيهم ومواردهم، وتهيئ موطئ قدم لإمتداد الهيمنة الإمبريالية الغربية.

رابعا: السكان اليهود غير الصهيونيين في المجتمع الفلسطيني المستقبلي هم فئة سكانية طبيعية، مميزة فقط بإنتمائها الديني.  وهي لا تكون مجموعة "إثنية" أو "قومية"، كما هو حال الأقلية المسيحية في فلسطين، أو الأقليات الإسلامية في فرنسا، أو ألمانيا، أو بريطانيا، على سبيل المثال.  وإذا قبلوا أن يتعايشوا معنا في فلسطين فحقهم في التعبير عن قيمهم الدينية-الثقافية، وممارسة شعائرهم وطقوسهم، مضمون في القانون كأية أقلية دينية أو طائفية أخرى.  ولكن لا ترتقي هذه الأقلية إلى المستوى "القومي"، ولا يحق لها المطالبة بـ "حق تقرير المصير".

وأخيرا: السكان اليهود الذين يعيشون في دول مختلفة في العالم هم جزء لا يتجزأ من سكان تلك الدول التي يقطنون فيها؛ ولا يملكون أي "إدعاء تاريخي أو ديني" لأرض فلسطين، بكونهم جزء من "الشتات اليهودي".  ترويج فكرة "الشتات اليهودي" المنبثق تاريخيا من أرض فلسطين هي أيضا أسطورة تاريخية.  وهذا الإدعاء "التاريخي-الديني"هو إدعاء خرافي مزعوم".

 

الكيان: "الحلول" المقترحة

 

خلال القرن المنصرم، أي على إثر بدأ هجمة المشروع الصهيوني، كان هناك عدد من المقترحات (السياسية، بالأساس) لطبيعة الكيان الذي سينظم حياة الناس في فلسطين.  سأركز في التداولات المقتضبة التالية على مدى تجانس هذه "الحلول المقترحة" مع "الأهداف الإستراتيجية" التي تم طرحها سابقا.  كما سأبدأ بالمقترحات التي تتميز بمستوى منخفض من التجانس مع الأهداف الإستراتيجية، بهدف إزالتها من النقاش.

 
1. فكرة "الدولتين"-الإسرائيلية والفلسطينية جنبا إلى جنب


ترتكز هذه الفكرة، التي بدأت بطرحها منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام 1988، على المبادئ التالية:

- تقسيم أرض فلسطين التاريخية لتمهد لخلق كيانين، واحد للمستعمرين الذين إحتلوا الأرض والآخر لبعض ما تبقى من السكان الأصليين على الأرض؛

- التقسيم الفعلي للشعب الفلسطيني لثلاث فئات غير مترابطة ومنعزلة وغير متصلة مع بعضها البعض، وتوصيفها وتحجيمها سياسيا ومكانيا، وحشرها في "حيزات" سياسية قاهرة؛

- الإرتكان لعدم قابلية تطبيق مبدأ "حق العودة"؛

- مكافأة وقبول إستمرارية وجود الكيان الصهيوني-الأشكنازي-العنصري على أرض فلسطين المسلوبة؛

- التمهيد لإستمرارية ظروف الإستغلال للفئات المجتمعية المهمشة والفقيرة؛

- خلق ظروف تساعد في تعميق الهوة الإجتماعية والإقتصادية بين أصحاب رؤوس الأموال، من خلال تسلطهم وإستغلالهم الحصري للموارد المتاحة، مستفيدين من هذا الطرح، عن طريق الفساد والسمسرة والتفاعل التجاري مع الرأسمال الصهيوني، وبين الفقراء الذين يزيد فقرهم بثبات، وكأنهم ليسوا جزءا من هذا الشعب؛

- الخضوع والإستسلام لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الأمبريالية الغربية على فلسطين والمنطقة العربية والإسلامية بأكملها.

بدون أدنى ريب، فإن هذا المقترح يتناقض بشكل واضح ومفضوح مع الأهداف الإستراتيجية، ولذلك يجب حذفه من هذه التداولات.

2.  فكرة "الدولة الإسلامية"

مع أن هذه الفكرة لم تلق كثيرا من التمحيص والنقاش، إلا أن فرضياتها الأساسية أصبحت واضحة، نوعا ما، والتي من الممكن تلخيصها بالتالي:

- إن  أرض فلسطين، التي تم إحتلالها وتفتيتها من قبل المشروع الصهيوني-الغربي الإستعماري، هي وقف إسلامي؛

- التفريط بأي جزء منها، مهما كان صغيرا، هو تخل عن نهج الله وإنحرافا عن شريعته؛

- بما أن هذه الأرض هي محتلة، فإستعادتها تتم من خلال تحريرها، الذي هو مسؤولية الأمة الإسلامية، وإقامة دولة إسلامية فيها؛

- التركيز الجوهري في تطبيق هذه الفكرة هو أن تكون فلسطين إسلامية يحكمها الدين بنظمه وتشريعاته وقياداته؛

- ينظم السكان حسب إنتماءاتهم الدينية، وهكذا فالمسيحيون واليهود (أي أهل الذمة) يمنحون الحرية في ممارسة عقائدهم وشعائرهم الدينية، وليس لهم الحق في المشاركة في سلطة الحكم؛

- تحقيق المساواة بين سكان الدولة والتعددية السياسية غير وارد.

بالرغم من أن تطبيق هذه الفكرة يحتوي على إمكانية الحفاظ على شمولية أرض فلسطين التاريخية، إلا أنه يثير عددا من القضايا والتساؤلات التي تخلق عدم تجانس واضح مع جوهر "الأهداف الإستراتيجة" المطروحة أعلاه.  وبعض هذه القضايا الأساسية يتلخص في التالي: حرية الخيار والتعبير عن الرأي، عدم الفصل بين الدين والنظام السياسي، والإرتكاز على الدين كمنظم وحيد وأساسي لحياة الناس الإجتماعية والإقتصادية، طبيعة المواطنة، والتعددية السياسية والفكرية، وغيرها.  وبما أن هذا يتناقض بشكل واضح وصريح مع الأهداف الإستراتيجية، لذلك يجب حذفه من هذه التداولات.

3. فكرة "الدولة ثنائية القومية"

ربما تكون الإشارات لهذه الفكرة أكثر ما تم تداوله، منذ عشرينيات هذا القرن.  فقد تم التطرق لهذه الفكرة من قبل مفكرين يهود صهيونيين وغير صهيونيين، ومفكرين عرب فلسطينيين من اليسار، ومن مفكرين ونشيطين آخرين من اليسار.  ولكن من الجدير الملاحظة أنه بالرغم من التداول القديم-الجديد لهذه الفكرة إلا أن الغموض وعدم الوضوح ما يزال يكتنفها.  بالرغم من هذا الغموض، من الممكن تحديد فرضياتها الأساسية.  الفرضية الأساسية هي أنه يوجد في فلسطين/إسرائيل "قوميتان" متنافستان (أو متناحرتان)، "القومية اليهودية" و"القومية الفلسطينية".  وتقر هذه الفكرة بأن كلتا "القوميتين" تتمتعان بحق الحصول على حكم ذاتي، سياسي وثقافي، والذي قد يقود، في تطبيقه، إلى "تقرير المصير". الإفتراض الضمني هنا العمل وكأن "القوميتين" متساويتين، ولا تهيمن الواحدة على الأخرى.  فرضيات إرتكازهذه الفكرة تثيرعددا من القضايا والإشكاليات المتناقضة والتي بحاجة إلى توضيح، وأهمها:

- أية منطقة جغرافية ستتحقق فيها هذه الفكرة؟ في تخوم الكيان الصهيوني-الأشكنازي "اللاحدودي"، أم في فلسطين التاريخية؟ لكل منهما إحتمالات لتحقيق بعض الحقوق الفلسطينية.

- تقبل هذه الفكرة الهيكلية الصهيونية الراهنة التي تفرض على العرب الفلسطينيين التسلط والهيمنة والتمييز العنصري، ولا تتحدى الكيان الصهيوني-الأشكنازي، الذي أنشئ بقوة السلاح والظلم على أرض فلسطين، من خلال تطهيرها من سكانها الشرعيين الأصليين. لا بل إن هذا الطرح يكافئ هذا الكيان ويلتزم بتطبيع العلاقات العادية معه.

- ترتكز هذه الفكرة على قبول الفرضية الصهيونية الأسطورية بأن اليهود في العالم هم فئة لها مقومات "شعب"، وأنهم يمتلكون حقا تاريخيا ودينيا في أرض فلسطين.

- تفكيك الهيكلية الصهيونية القائمة التي تتغذى على التمييز العنصري، وتمارسه يوميا، وتسلطها الحصري وغير الشرعي وغير العادل على الموارد الطبيعية الفلسطينية، لم يطرح كشرط مسبق لتطبيق هذه الفكرة.

- "حق العودة" للفلسطينيين لم يطرح كشرط مسبق لتطبيق هذه الفكرة.

- ولهذا إن فكرة الدولة "ثنائية القومية"، حسب الطرح أعلاه، قد تكون شكلا من أشكال إستمرار التمييز العنصري، وأنها ليست بالضرورة تطورا ديمقراطيا.

بناء على التحليل أعلاه، إن فكرة الدولة "ثنائية القومية" المطروحة كوسيلة لإستعادة الحقوق الفلسطينية الأصيلة، غير متجانسة مع الأهداف الإستراتيجية.

4. فكرة "الدولة الديمقراطية (العلمانية)"

لقد نبعت هذه الفكرة من رحم الثورة الفلسطينية على إثر الهزيمة العسكرية للدول العربية في العام 1967، وإحتلال الجيش الإسرائيلي لبقية فلسطين وسيناء والجولان.  فرضيات هذه الفكرة أثارت جوا من النقاش النشط خلال فترة أربعة أعوام إثر طرحها، حتى 1971.  لكن هذا النقاش لم يدم، واستبدل بعد سنوات قليلة بمقترح "الدولتين". ولم يبعث من جديد بشكل حثيث إلا خلال العشر سنوات المنصرمة، ولكن بدون التوضيحات اللازمة،  واستقر كغيره من الطروحات على مستوى "الشعارات".

إن الفرضيات الأساسية لهذه الفكرة، والقضايا الرئيسية التي تثيرها، ممكن تلخيصها بالتالي:

- تأسيس دولة حديثة ديمقراطية و"علمانية" في فلسطين التاريخية، حيث التركيز الأساسي على "الديمقراطية" وليس "العلمانية"؛

- قبول فلسطيني بأن "اليهود" على أرض فلسطين لهم مكان في "فلسطين المستقبلية" أسوة بالمسيحيين والمسلمين.  الإشكالية المفاهيمية هي ليست مع المسيحيين أو المسلمين، الذين هم الجزء المضطهد من السكان الأصليين، ولكنها تقع في مفهوم "اليهود الإسرائيليين".  ومن هذا المنطلق، فإن المحاولات الأولى في التوضيح ركزت على التمييز بين "اليهود" كمجموعة دينية، وبين "الصهيونيين" كممثلين لأيديولوجية عنصرية إستعمارية مضطهدة. ومن هنا جاء التركيز في الطرح الأولي على "علمانية" أو"لا طائفية" الدولة.  ولكن، في غياب شرح واف وواضح وصريح، تجذرت الإشكالية في المفهوم السطحي بتقسيم السكان على أساس الهويات أو الإنتماءات الدينية أو الطائفية.

- في غياب هذا التوضيح، لم تحدد إسقاطات مفهوم قبول "اليهود الإسرائيليين"، وبقيت حدوده غير واضحة: هل قبولهم كمجموعة "دينية"، أو مجموعة "قومية" قد يكون لها حق "تقرير المصير"؟  على هذا المستوى، لم تتميز هذه الفكرة عن فكرة الدولة "ثنائية القومية".

- وبما أنه تم طرح هذه الفكرة، منذ البداية، كفكرة "إنعتاقية" و"تحررية"، كان واضحا بأن الشرط المسبق لتطبيقها هو فكفكة الهيكلية الصهيونية اللا شرعية في فلسطين، وكل ما نجم عنها من نتائج.

- هنا أيضا، كما هو أعلاه، لم يطرح "حق العودة" للفلسطينيين كشرط مسبق لتطبيق هذه الفكرة، وبقي مفهوما إفتراضيا.


استنتـــاج

إن إنشاء مجتمع ديمقراطي إشتراكي في فلسطين التاريخية هو الفكرة الوحيدة التي تملك الإحتمالات بأن تكون متجانسة مع ما حددت من أهداف إستراتيجية. الإلتزام بهكذا فكرة سيؤدي، برأيي، إلى إنعتاق فلسطين الراهنة والمستقبلية من الهيمنة الصهيونية-الأشكنازية-الغربية، السياسية والإقتصادية، وإلى إعادة التحكم بوسائل الإنتاج وبالموارد الطبيعية من أرض ومياه، إلى سلطة كل الناس الذين يتكون منهم المجتمع الفلسطيني المستقبلي. وأخيرا، لماذا أنا ملتزم بفكرة مجتمع ديمقراطي إشتراكي في فلسطين التاريخية، كحاضنة لإنعتاق حاضرنا ومستقبلنا من الظلم والهيمنة والتمييز؟ لأنني ملتزم بحل عادل وأخلاقي ومستديم والذي يجسد إحتمال إستعادة الحقوق الفلسطينية الأصيلة في وطننا التاريخي.  هكذا حل يصحح أولاً ويقوّم الظلم والكارثة التاريخية المستمرة، وعدم العدالة، التي لحقت بنا كشعب فلسطيني؛ ويحافظ ثانيا على وحدة وتكامل جغرافية فلسطين كإمتداد للوطن العربي؛ ويصر ثالثا على حق عودة جميع الفلسطينيين الذين هجروا قسرا وإجراما، إلى أرضهم وممتلكاتهم؛ رابعا، يفكك جميع الهيكليات والأنظمة الصهيونية واليهودية الإسرائيلية والقوانين المجحفة والعنصرية التي بنيت على مبدأ إقصاء العرب الفلسطينيين، بهدف فرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة بأكملها؛ خامسا، يدعو ويشجع العيش المشترك بين العرب الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين في أرض فلسطين التاريخية، في إطار مجتمع ديمقراطي، لا طائفي، متساو، عادل، وغير قهري؛ سادسا، يمهد لبداية عملية تنموية أصيلة ومستدامة على أرض فلسطين، لمصلحة جميع سكانها، بخاصة الفقراء والمهمشين، بالتركيز على الإستغلال المجدي والموجه للأرض والموارد الطبيعية وتوفير إمكانيات العمالة الشاملة؛ وأخيرا، يوفر نموذجا إنسانيا مهما لكيف يمكن للخصوم العيش المشترك والمتكافئ في حيز مكاني محدد، بعد تطهير الحيز من الأيديولوجيات والممارسات العنصرية الإقصائية الظالمة.

 
__________________

د. "خليل نخلة" هو كاتب وباحث حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الإنسان وله خبرة طويلة بالتدريس الأكاديمي والكتابة الأكاديمية والفكرية. عمل مديراً لقسم البرامج في مؤسسة التعاون الفلسطينية منذ تأسيسها سنة 1984 حتى سنة 1992، كما عمل مستشاراً لمكتب المفوضية الأوروبية ومشرفاً على برامج الاتحاد الأوروبي في قطاع التربية والتعليم منذ عودته إلى فلسطين في 1993 حتى 2001. يعمل منذ آذار 2002 حتى الآن رئيساً للهيئة الوطنية للاعتماد والجودة والنوعية في مؤسسات التعليم العالي في فلسطين، التابعة لوزارة التربية والتعليم العالي. نشر هذا المقال أصلا باللغة الإنجليزية في كنعان النشرة الإلكترونية  Kanaan on lin e, vol. VIII, Issue 1633,في 20 آب 2008، كما تم حذف جميع الهوامش من هذه النسخة العربية.