×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
طباعة

محاكم "روسيل" الخاصة: تاريخها وأهميتها للكفاح الفلسطيني من أجل العدالة

محاكم "روسيل" الخاصة: تاريخها وأهميتها للكفاح الفلسطيني من أجل العدالة

بقلم: ياسمين جادو*

أولا: تاريخ واهمية محاكم "روسيل" الخاصة

نُظمت محكمة "روسيل" الأولى على يد "برتراند روسيل"، عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني المعروف، وجرى ذلك على الفور بعد نشر كتابه "جرائم حرب في فيتنام" في عام 1966؛ حيث قامت هذه المحكمة الخاصة بالتحقيق في أفعال الولايات المتحدة (والحكومات التي تعاونت معها) في تدخلها العسكري في فيتنام. وطرحت السؤال حول ما إذا قامت الولايات المتحدة وأعوانها بإرتكاب أفعال عدوانية بموجب أحكام القانون الدولي، وهل استخدمت أسلحة تجريبية أو غير قانونية، أو هاجمت أهدافا مدنية صرفة، أخضعت السجناء للتعذيب أو غيره من 1دروب المعاملة اللا- إنسانية، أو أية أفعال أخرى تشكل جريمة إبادة جماعية حسب قواعد القانون الدولي.

 

عقدت المحكمة في عام 1967 جلستين/دورتين في ستوكهولم وكوبنهاغن تحت إشراف لجنة/هيئة مكونة من 25 شخصية بارزة من بين الجهات الفاعلة، واستمعت إلى شهادات الشهود الذين خبروا الفظائع. ولم تشارك حكومة الولايات المتحدة في هذه المحاكمة، بالرغم من دعوتها. وبعد صياغة الاستنتاجات التي حظيت بالاجماع بشأن جميع الأسئلة التي طرحت أعلاه، قام "جون بول سارتر"، مضيف المحكمة، بإيصال تلك الاستنتاجات للولايات المتحدة والحكومات المتواطئة.2 وعقدت في أوقات لاحقة محاكم "روسيل" للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان في أمريكيا اللاتينية في عام 1974 وفي العراق في عام 2000.

لا يوجد لمحاكم "روسيل" أية ولاية قضائية أو منزلة قانونية من ذلك النوع الذي تمنحه حكومات الدول. ولا ينتج عن أحكامها أي نوع من العقوبات ضد الجهات الفاعلة التي تبين أنها مسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان، فهي "محاكم شعبية" تهدف إلى رفع مستوى وعي المجتمع المدني وإخضاع الأطراف المختلفة للاختبار، ومن أجل إعلام المجتمع المدني بالحجج القانونية التي يمكن استخدامها في المحافل القانونية الرسمية المنشأة من قبل الدولة، والتي أنيط بها - من ناحية نظرية على الأقل - وظيفة توفير سبل العدالة لكل الأطراف، سواء كانوا ضحايا أو جناة.
 

ثانيا: محكمة روسيل الخاصة بفلسطين
 

1. دورة برشلونة
في شهر آذار 2010، نظمت الدورة الدولية الأولى لمحكمة روسيل بشأن فلسطين في برشلونة للنظر في تواطؤ ومسؤولية الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء في احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية المحتلة، وفي استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي مع استمرار إفلات إسرائيل من العقاب.

تم عرض شهادات واحد وعشرين خبيرا وشاهدا بشأن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والحصار الاسرائيلي المفروض على قطاع غزة وعملية "الرصاص المصبوب"، والمستوطنات ونهب الموارد الطبيعية، وضم القدس الشرقية، والجدار المقام على الأرض الفلسطينية المحتلة، واتفاقية الشراكة الاقتصادية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي والتعاون العسكري.

أكدت استنتاجات لجنة المحلفين أوجه القصور لدى الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء في تطبيق القانون الدولي؛ وخاصة عدم احترام حق تقرير المصير، وعدم الالتزام باحترام وضمان احترام القانون الدولي الإنساني، وقصورها في تفعيل الولاية القضائية العالمية على مستوى القضاء الوطني للدول. يضاف الى ذلك عدم احترام القانون الأوروبي نفسه، والذي يظهر بشكل خاص في اتفاقية التعاون مع اسرائيل، وعدم تحري قاعدة استجلاء شرعية المنشأ/المصدر، والسماح باستيراد المنتجات من مستوطنات الضفة الغربية، والاستمرار في تصدير الأسلحة لإسرائيل؛ وكل ذلك بما يتعارض مع مدونة قواعد السلوك الأوروبية. وقد أرسلت النتائج إلى رؤساء الحكومات الأوروبية ووزراء الشؤون الخارجية، ورؤوساء الاتحاد الأوروبي، والمفوضية والبرلمان الأوروبيين، والأمم المتحدة، وإسرائيل، والسلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية.
 

2. دورة لندن
عقدت الدورة الثانية لمحكمة روسيل حول فلسطين في لندن على مدى ثلاثة أيام في شهر تشرين ثاني 2010، فحصت المحكمة خلالها تواطؤ الشركات في الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وقدم ثلاثون خبيرا وشاهدا شهاداتهم حول تورط الشركات في نشاطات الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفحصت هيئة المحلفين حالات تقع ضمن اربع فئات: (أ) الشركات الموردة للخدمات والبنية التحتية التي تدعم المستوطنات الاسرائيلية واحتلال الارض الفلسطينية في الضفة الغربية، وقطاع غزة والقدس الشرقية؛ (ب) المؤسسات المالية الاسرائيلية والاجنبية التي توفر خدمات للمستوطنات وللبنوك الاسرائيلية التي لها اعمال في الخارج؛ (ج) الشركات الاجنبية التي تصنع منتجات داخل المستوطنات والمناطق الصناعية في الضفة الغربية، اضافة الى الشركات الاسرائيلية التي تصدر المنتجات الزراعية ومنتجات أخرى من هذه المستوطنات والمناطق الصناعية؛ (د) الشركات الاجنبية المتورطة في تصدير الاسلحة ومسلتزمات البنية التحتية للحرب، والاحتلال، والاستعمار الاحلالي والقمع في الارض الفلسطينية، إضافة إلى الشركات الاسرائيلية التي تصدر اسلحة ومعدات و/او تقنية فنية قمعية.

أخضعت العديد من الشركات للفحص، واشتملت قائمة الشركات على فيوليا، الشركة القابضة لأشغال الطرق والاسمنت " (Cement Roadstone Holding)، وشركة أهافا (Ahava)، وبنك ديكسيا (Dexia)، EDO ITT، كاتربيلر (Caterpillar)، G4S، انظمة آلبيت Elbit، اغريسكو (Agrexco)، صودا ستريم ( Soda Stream) وصندوق التقاعد الهولندي (PFZW)، ووجهت الدعوة للجميع لتقديم ردودهم أو وجهة نظرهم وقامت كل من شركة فيوليا، وصندوفق التقاعد PFZW و G4S بارسال ردود، وعرضت تلك الردود أمام هيئة المحلفين قبل البدء في المداولات.
كانت مشاركتي في المحكمة من أجل تقديم ملخص للقانون الأمريكي ذي الصلة، لأن تواطؤ الشركات في انتهاكات حقوق الإنسان هو عنوان واسع جدا، ولكنني ركزت على قانونين يمكن استخدامهما لمقاضاة الشركات متعددة القومية في المحاكم الفدرالية الأمريكية وذلك عن ضلوعها في انتهاكات لحقوق الانسان التي ترتكب خارج الأراضي الأمريكية.

القانون الأمريكي الاكثر أهمية الذي يسمح للضحايا بمقاضاة شركة متعددة القومية/متعدية الحدود على انتهاكات لحقوق الانسان تقع خارج الولايات المتحدة الامريكية، هو قانون دعاوى الأضرار الأجنبية النشائة عن المسؤولية التقصيرية ( Alien Tort Claims Act). وهذا القانون يوفر للمحاكم الامريكية ولاية قضائية على دعاوى يرفعها أشخاص من غير مواطني الولايات المتحدة ضد مواطني الولايات المتحدة، أو ضد من هم ليسو مواطني الولايات المتحدة على انتهاكهم لقانون الأمم أو لمعاهدات أمريكية. وقانون الأمم، وهو ما نرجع إليه هذه الأيام باعتباره القانون الدولي العرفي. أما المتهمين الذين تتم مقاضاتهم، فيجب أن يكونوا متواجدين في الولايات المتحدة عند إقامة الدعوة، وهذا هو الربط الوحيد بالولايات المتحدة الذي يحتاج اليه أصحاب الدعاوى من أجل إقامة الدعوة بموجب هذا القانون.

ومع الاحترام لقواعد قانونية دولية محددة، مثل تلك المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية، فان المدعين يمكنهم مقاضاة شركة ما على ارتكابها المباشر لإنتهاكات حقوق الانسان. وبناء على قواعد قانونية أخرى تتعلق بالتعذيب، القتل بدون محاكمة وانتهاكات محددة أخرى، يمكن للمدعي مقاضاة شركة على قيامها بالمساعدة والتحريض على إنتهاكات لحقوق الإنسان ترتكبها حكومة أجنبية.

وفيما يتعلق بالسياق الفلسطيني، يوفر قانون دعاوى الأضرار الاجنبية لمحاكم الولايات المتحدة سلطة الاستماع لدعاوى مقدمة من فلسطينيين أو أي أجانب آخرين ضد الولايات المتحدة، أو ضد الشركات الاجنبية متعددة القومية المتورطة في إنتهاكات لحقوق الانسان في فلسطين، إذا كانت الشركة متواجدة في الولايات المتحدة من خلال تأسيسها أو وجود أعمال لها هناك، وهناك قيود معينة تنطبق على مثل هذه الدعاوى ستتم مناقشتها ادناه.

هذا القانون فريد حيث انه يرسي ولاية قضائية مدنية عالمية تقريبا، ويجعل من المحاكم الأمريكية المنبر الأساسي في الملاحقة القضائية للشركات عن إنتهاكات حقوق الانسان، على الأقل حتى الان (على الرغم من ان هناك تطورات قانونية تجري صياغتها بذات الاتجاه في أوروبا). جرى اقامة عشرات الدعاوى بموجب قانون الأضرار الأجنبية ضد شركات بسبب تواطؤها في انتهاكات حقوق الانسان أرتكبت خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وطالما هذه الدعاوى تجد طريقها في محاكم الولايات المتحدة أو تجري معالجتها في محاكم الولايات المتحدة، فقد طرحت قضايا معينة تمت معالجتها بطرق مختلفة وفي محاكم مختلفة.

إحدى هذه القضايا التي جرى طرحها، هي إذا ما كان يجوز –من حيث المبدأ - رفع دعاوى ضد الشركات بموجب قانون الاضرار أم لا. فقد قررت محكمة الاستئناف في منطقة نيويورك، وهي محكمة لها تأثير كبير في القضايا المتعلقة بقانون الشركات، في دعوى في أيلول، وقضت بأن النظام القانوني قد لا يجيز مقاضاة الشركات بذاتها، وإنما الأفراد الطبيعيين فقط. وبالتالي؛ يمكن مقاضاة مسؤولي الشركات أو موظفيها، وليس الشركة نفسها رغم أنها تربحت من الانتهاكات. وإذا ما صمد هذا القرار أمام الاستئناف، فسوف يتحدد إذا ما كانت دعاوى قانون الأضرار الأجنبية ضد الشركات سوف يسمح لها بالمضي قدما في منطقة نيويورك وغيرها من المحاكم التي تتبع هذا القرار/الحكم.

وثمة مسألة أخرى يوجد اختلاف بشأنها، وتتعلق بالمعيار المناسب لتحديد فعل المساعدة والتحريض، وبعبارة أخرى، ما هي الأفعال والحالة العقلية التي يجب أن تكون عليها الشركة لكي تعتبر ساعدت او حرضت على انتهاكات حقوق إنسان قام بها طرف ثالث. وقد قضت بعض المحاكم بأنه يكفي لاعتبار الشركة مذنبة بفعل المساعدة أو التحريض، أن تكون الشركة "على علم بأنها تقدم مساعدة جوهرية" للطرف الثالث. في حين طلبت محاكم اخرى معيارا أعلى يقضي بإثبات بأن الشركة كانت تقصد إرتكاب هذه الانتهاكات (القصد). وبموجب هذا المعيار الأعلى، إذا ما قدمت الشركة المساعدة لمقترف الانتهاكات لمجرد الربح، فإنه لا يمكن أن يقال أنها ساعدت وحرضت على انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك لأنها لم تكن تقصد المساعدة والتحريض على إرتكاب الانتهاكات.

أما القانون الثاني ذو الصلة، هو قانون حماية ضحايا التعذيب ( Torture Victim Protection Act) حيث يوفر هذا القانون لمواطني الولايات المتحدة وغيرهم الحق في مقاضاة مرتكب جريمة التعذيب أو القتل بدون محاكمة، التي ترتكب في أي مكان في العالم والحصول على التعويض والانصاف، إذا ما كان الجاني يعمل لدى سلطة فعلية أو تابعة لحكومة أجنبية، فإنه يمكن أيضا مقاضاة الجناة الذين ساعدوا وحرضوا على انتهاكات الحكومة الأجنبية لحقوق الإنسان.

ويختلف هذا القانون عن قانون الأضرار الأجنبية بطريقتين: الأولى، إنه أضيق نطاقا لأن التعذيب والقتل بدون محاكمة فقط يمكن ان يشكلا أساس الدعوى. والثانية، هي أن المدعين يجب أن يتبعوا أية سبل ملاءمة للإنتصاف في الدولة التي أرتكبت فيه الانتهاكات قبل إقامة الدعوى أمام محاكم الولايات المتحدة. هكذا، وعلى سبيل المثال، فمن أجل إقامة دعوى ضد الولايات المتحدة أو شركة متعددة القومية غير أمريكية، بزعم أنها اقترقت فعل المساعدة والتحريض على انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين، فعلى المدعين أولا أن يستنفذوا سبل الانتصاف المتاحة بموجب القانون الإسرائيلي. ويمكن أن يكون تحيز المحاكم الإسرائيلية في دعاوى مرفوعة من جانب الفلسطينيين، هو إحدى الحجج لاعتبار المحاكم الإسرائيلية "هيئة غير ملائمة".

هناك إختلاف بين المحاكم الأمريكية بشأن ما إذا كان يمكن مقاضاة شركة ما، بموجب قانون حماية ضحايا التعذيب، أم فقط مسؤولي الشركة الذين تصرفوا تحت إشراف أو بإمرة سلطة حكومية. هناك بعض المحاكم التي تجيز رفع دعوى ضد كيان الشركة إضافة إلى مسؤوليها.

في عام 2005؛ رفع مركز الحقوق الدستورية دعوى ضد شركة كاتربيلر بموجب قانون الأضرار الأجنبية وقانون حماية ضحايا التعذيب، وذلك بإسم عائلة راشيل كوري، الناشطة الأمريكية التي قتلت على يد جندي إسرائيلي يقود جرافة كاتربيلر، وبإسم أربع عائلات فلسطينية تعيش في الضفة الغربية وقطاع غزة. وجادل المدعون بأن شركة كاتربيلر ساعدت وحرضت على إرتكاب جرائم حرب وانتهاكات خطيرة أخرى لحقوق الإنسان عن طريق بيعها جرافات للجيش الإسرائيلي، وأن الشركة كانت على علم بأنها سوف تستخدم في أعمال هدم غير قانونية للبيوت الفلسطينية، ولكن الدعوى أسقطت على أساس أن القضية تتطلب من القاضي التحري بشأن السياسة الخارجية لحكومة الولايات المتحدة لأن الأخيرة هي التي دفعت ثمن الجرافات.

وهناك العديد من العقبات والقيود التي طرحتها الشركات للإطاحة بهذه الدعاوى المستندة إلى هذه القوانين. وكما أشير سابقا، فإن الشركة المدعى عليها يجب أن تكون "متواجدة" في الولايات المتحدة حتى تتم مقاضاتها، وبموجب قوانين الولايات المتحدة فإن الشركة "متواجدة" في المكان الذي تأسست فيه، أو في المكان الذي تدير فيه أعمالا مستمرة ومنتظمة. وعليه، فالشركة أو المؤسسة الأمريكية "متواجدة" او حاضرة في الولاية التي تأسست فيها، وفي جميع الولايات الأمريكية التي تدير فيها أعمالا مستمرة. أما بالنسبة للشركات الأجنبية، أي الشركات التي مقرها خارج الولايات المتحدة الأمريكية؛ فهي "متواجدة" في جميع الولايات الأمريكية التي تمارس فيها نشاطا مستمرا.

وما يجعل هذا الشرط إشكاليا، هو أن المبادئ العامة لقانون الشركات لا تعتبر الأعمال التي تقوم بها "الفروع التابعة" تعزى بشكل عام للشركة الأم، وهكذا، إذا كان مدعي يقاضي شركة "أم" في الولايات المتحدة على أفعال لتابعها الأجنبي، فعلى المدعي أن يجد وسيلة لإثبات مسؤولية الشركة الأمريكية "الأم" او "القابضة" عن طريق واحد أو إثنين من الإستثناءات، وهي (أ) التابع الأجنبي كان يعمل كوكيل للشركة الأمريكية الأم، أو (ب) إن الشركة الأمريكية والشركة الفرع او الشركة التابع في أعالي البحار لهما نفس الكيان، أو يعملان ككيان واحد.

ومن أجل مقاضاة شركة أجنبية في الولايات المتحدة على تصرفات حدثت خارج الولايات المتحدة، فإن على صاحب الدعوى أن يثبت (أ) أن الشركة الأجنبية تمارس أو تدير أعمالا مستمرة ومنتظمة في داخل الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بواسطة وكيل أمريكي، و(ب) أن الشركة الأجنبية مسؤولة عن انتهاكات حقوق إنسان بغض النظر عن الفصل في المسؤولية القانونية بين الشركة الأم والشركة الفرعية أو التابعة.

ويوجد حجة دفاع أخرى معروفة بـ"عدم ملاءمة الهيئة"، فحتى إذا كان المدعى عليه متواجدا في الولايات المتحدة وكان للمحكمة ولاية قضائية كاملة عليه، فإن القضاة الأمريكيون يتمتعون بسلطات تقديرية لرفض الدعوى، إذا وجدوا أن هناك هيئة قضائة اخرى اكثر ملاءمة للبت في القضية، وضلك بالنظر إلى موقع تواجد الشهود والأدلة والعبء الذي تتكبده المحكمة الأمريكية للنظر في القضية. وقد طبق هذا الدفاع كثيرا لإسقاط العديد من الدعاوى المرفوعة بموجب قانون الأضرار الأجنبية وقانون حماية ضحايا التعذيب، ضد الشركات متعددة القومية عن انتهاكات لحقوق الإنسان، زعم أنها أقترفت خارج الولايات المتحدة. ومع ذلك، اعترفت محكمة الإستئناف الأمريكية بان هناك تعارضا بين هذا الدفاع وبين قانون الأضرار الأجنبية، الذي يوفر بشكل خاص لأصحاب الدعاوى الأجانب حق التقاضي في محاكم الولايات المتحدة على أفعال تحدث في خارج الولايات المتحدة، ولذلك تراجعت هذه المحكمة (الاستئناف) عن رفض الدعوى لهذا السبب.

وهناك عقبة أخرى وهي ما يعرف بعقيدة المسألة السياسية "المحتوى/المنحى السياسي لموضوع القضية"، حيث يوجد لدى قضاة الولايات سلطات تقديرية لإغلاق ملف القضايا التي تنطوي على مسألة تقع ضمن نطاق سلطات الهيئات السياسية لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية – الكونغرس والسلطة التنفيذية. وكما أشير سابقا، أسقطت الدعوى ضد كاتربيلر على هذا الأساس، حيث وجدت المحكمة بأنه طالما أن الحكومة الأمريكية هي التي دفعت ثمن الجرافات التي تبيعها الشركة للجيش الإسرائيلي، فإن البت في الدعوى يمكن أن يتطلب الخوض في موضوع السياسة الخارجية. فهذه العقيدة هي عائق هام في الدعاوى المتعلقة بفلسطين لأن الهيئات السياسية وبخاصة الحكومة التنفيذية تقوم (ظاهريا) بدور كبير في التوسط في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

حجة الدفاع الثالثة هي قانون مذهب الفعل السيادي للدولة، حيث للقاضي سلطة تقديرية لرفض دعوى قضائية إذا كانت تتطلب من المحكمة الخوض في بحث فعل من أفعال السيادة لدولة الأجنبية في داخل إقليمها. وإذا ما قامت شركة بطرح هذا الدفاع لرد دعوى مرفوعة ضدها بسبب عملها مع الحكومة الإسرائيلية أو في الأرض الفلسطينية المحتلة، فهي حجة مضادة، لأنه يمكن لكل من إسرائيل والولايات المتحدة أن تعتبر الأرض الفلسطينية المحتلة ليست جزءا من أراضي إسرائيل السيادية – على الأقل من ناحية رسمية. وهناك حجة مضادة أخرى وهي أن هذا الدفاع لا يمكن استخدامه عندما يكون تطبيق مذهب قانون سيادة الدولة يمثل انتهاكا لقاعدة من قواعد القانون الدولي.

وبعد الاستماع للخبراء والشهود حول تورط الشركات في الاحتلال غير القانوني للأرض الفلسطينية، خلصت هيئة المحلفين في محكمة روسيل بشأن فلسطين – دورة لندن إلى أن الشركات التي جرى اخضاعها للبحث كانت متواطئة في أعمال الاحتلال. وفي استنتاجاتها، أكدت هيئة المحلفين على الحاجة للقيام بإتخاذ إجراءات قانونية في الدول التي تتواجد فيها مقار الشركات من أجل وضع حد لتواطئها مع سلطات الاحتلال.

توفر استنتاجات دورة لندن مخزونا من الحجج المسندة قانونيا، وتشكل أداة هامة لاستخدامها من قبل هؤلاء الذين يسعون لضمان إحترام سيادة القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني. وكررت هيئة المحلفين في استنتاجاتها، التأكيد على الحاجة لاتخاذ إجراءات قانونية في الدول التي تقع فيها مقار الشركات من أجل وضع نهاية لأفعال التواطؤ التي تقوم بها الشركات.
 

خلاصة
سيتم افتتاح الدورة الثالثة لمحكمة "روسيل" بشأن فلسطين في جنوب افريقيا في تشرين ثاني 2011، وسوف تبحث في إنطباق جريمة الأبارتهايد على إسرائيل فيما يخص معاملتها للفلسطينيين في الأرض المحتلة وفي إسرائيل، وسيتم دعوة الخبراء والشهود للإدلاء بشهاداتهم حول معاملة إسرائيل للبدو الفلسطينيين، القرى غير المعترف بها، هدم البيوت، الحصول على التعليم، الرعاية الصحية، العمل، الموارد الطبيعية، الجدار ونظام الطرق الالتفافية، الجليل وإنشاء البلدات لليهود فقط (مثل الناصرة العليا)، النظام القانوني الإسرائيلي، المحاكم العسكرية الإسرائيلية وغيرها من الموضوعات.

لا يوجد لمحكمة "روسيل" أية منزلة قانونية رسمية، وكما شكّلها المنظمون، فهي تعمل بمثابة "محكمة الشعب، محكمة للضمير، في مواجهة المظالم وانتهاكات القانون الدولي التي لا تتناولها الهيئات القضائية الدولية الرسمية القائمة، أو أنها تعترف بهذه المظالم والانتهاكات، ولكن الجناة مسستمرون في الإفلات التام من العقاب، بسبب غياب الإرادة السياسية لدى المجتمع الدولي". وتعيد محكمة "روسيل" بشأن فلسطين التأكيد على سيادة القانون الدولي، باعتباره الأساس لإيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي تقوم بتيسير التعبئة وحشد وإشراك المجتمع المدني في جميع الدول المعنية بقضية فلسطين.
----------
* ياسمين جادو: محامية مزاولة لقانون الشركات في مكتب نيويورك لشركة المحاماة "لاثام" و"واتكنز" وفي مكتب واشنطن العاصمة التابع لشركة المحاماة "فرايد فرانك". تكرس وقتها للبحث والكتابة حول القضايا المتعلقة بفلسطين وحقوق الانسان، بما في ذلك تقديم المشورة لمنظمات حقوق الانسام مثل مركز بديل.

الهوامش:

  1. تلخيص وحكم دورة سنوكهولم على الرابط: ،http://www.vietnamese-american.org/a19.html
  2. ؛ قرار حكم الدورة الثانية على الرابط: http://www.vietnamese-american.org/b18.html