×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485
طباعة

إستراتيجية المجتمع المدني لمتابعة تقرير جولدستون: شروط النجاح والفشل

القاضي ريتشارد غولدستون اثناء جلسات الاستماع جنيف 2009 ( ارشيف الامم  المتحدة ) القاضي ريتشارد غولدستون اثناء جلسات الاستماع جنيف 2009 ( ارشيف الامم المتحدة )

بقلم: شعوان جبارين*

يأتي هذا المقال – العجالة – حول إستراتيجية العمل الواجب إتباعها فلسطينيا للدفع قدما بتقرير لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق،1 المعروف بتقرير جولدستون، في لحظة تشهد فيها المنطقة العربية تغيرات كبيرة، تبدأ بالأنظمة السياسية ولا تنتهي بها؛ الأمر الذي يجعل من عنوان الدفاع عن الكرامة الإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان وحرياته، ورفض الظلم والاستبداد والعدوان عنوانا لهذه المرحلة.
في الوقت الذي قلنا فيه ولا زلنا بأن "تقرير جولدستون" يعتبر من أهم الوثائق التي تشكل سلاحا فعالا بأيدينا للدفع قدما باتجاه موضوع المساءلة لمن ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق أبناء وبنات شعبنا أثناء العدوان على غزه في كانون أول/2008، إلا أن غياب الإرادة السياسية لأطراف المجتمع الدولي من جهة، وغياب إستراتيجية فلسطينية للتعامل مع التقرير بشكل ثابت وصلب يحول دون التنفيذ للتوصيات التي تضمنها التقرير.

 

لقد تميز التقرير بشمولية ودقة الاستنتاجات والتوصيات التي خرج بها، ولو تم إتباع هذه التوصيات وتوحدت الإرادة الدولية خلفها، لما وقفنا اليوم وبعد مضي ما يقرب من العامين على صدور التقرير نبحث في الطرق التي يجب إتباعها كي لا يطوى ويصبح وثيقة يتم الرجوع إليها لأسباب وأغراض أكاديمية أو بحثية فقط.

في الوقت الذي يلعب فيه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة دورا هاما وبالغا في توثيق وإثارة انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية التي ترتكب في أكثر من جزء من العالم، إلا أن دوره يفتقد إلى الاختصاص التنفيذي لما يصل إليه من قرارات عندما يتعلق الأمر بالجرائم الدولية التي يتم ارتكابها، هذا بالإضافة إلى أن قراراته ليست ملزمة للدول.

إن ما ورد أعلاه لا يدعو إلى الإحباط واليأس، فالآليات الدولية لا تعمل بعيداً عن الحسابات السياسية رغم وضوح الاختصاصات لكل هيئة ولجنة والأسس القانونية التي تحكمها. ولكن وأمام هذه الحقيقة يبقى السؤال حول ما يجب عمله وما هي الاستراتيجيات التي يتوجب العمل عليها كي نتقدم على هذا الصعيد. وهنا يمكن إجمال ذلك بالنقاط التالية دون أن يعني ذلك أنها تسير بالتسلسل، فأحيانا يتوجب أن نسير بشكل متداخل وان نتحرك على أكثر من صعيد كي نحقق ما نصبو إليه.

1. لعل نقطة الانطلاق تتمثل بضرورة توفر إرادة سياسية لدى الجانب الفلسطيني الرسمي قبل غيره، وهذا يتطلب قناعته بأهمية التحرك على المستوى القانوني الدولي، وعدم الاستجابة للضغوط الدولية وتحديدا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية. إن عدم توفر مثل هذه الإرادة يحول دون التقدم الفعلي على صعيد تحقيق انجازات، إذ لا يمكن التقدم بمشاريع قرارات على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو مجلس حقوق الإنسان، أو مجلس الأمن، إذا لم يقف الجانب الفلسطيني خلف هذه المشاريع وينسق موقفه مع الدول الصديقة. فقد يتبادر إلى ذهن البعض أن فلسطين ليست دولة وليست كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وبالتالي لا يحق لها التقدم بمشاريع قرارات، وهذا صحيح، ولكن بدون موافقة بعثة فلسطين ودون مبادرتها لن يجرؤ أي من أصدقائنا ومناصرينا على تجاوز بعثة فلسطين والتقدم بأي مشروع قرار يتعلق بقضيتنا. لذلك، فان توفر مثل هذا الموقف وهذه الإرادة تعتبر عاملا حاسما على مستوى التحرك في نطاق الأمم المتحدة بهيئاتها المختلفة.
2. التقرير يتضمن اقتراحات لآليات تنفيذية على أكثر من صعيد، ولو تم الالتزام بها وتوفرت الإرادة السياسية لتطبيق وتنفيذ التوصيات، لما احتجنا إلى مثل هذا المقال ولما بقي الضحايا ينتظرون إلى الآن لحظة إنصافهم، ولما تجرأ المجرم على الاستمرار بارتكاب جريمته اليومية في الأرض الفلسطينية المحتلة. من ضمن هذه الآليات، اقتراحه للجمعية العامة بتحويل التقرير إلى مجلس الأمن الدولي ومطالبته باتخاذ القرار المناسب، وتحويل التقرير إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن. وتضمن التقرير كذلك بندا يتعلق في حالة فشل مجلس الأمن في التصدي لمسؤولياته، توصية بشأن اللجوء إلى الجمعية العامة لعقدها وفق القرار 377 "الاتحاد من اجل السلم"،2 لتقرر بشأن التقرير واتخاذ القرارات المناسبة. ولم يكتف التقرير بالإشارة إلى هذه الخطوات، وإنما أشار إلى مسؤولية الدول الأطراف المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، ودعاها إلى ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة عملا بتطبيق المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة.
3. إن للمدعي العام الدولي في المحكمة الجنائية الدولية وفق المادة 12/3 من ميثاق المحكمة الصلاحية بفتح تحقيق حول الجرائم التي تضمنها التقرير، وله الحق أن يتقدم لقاضي الغرفة التمهيدية في المحكمة بطلب مباشرة التحقيق. لكن، وعلى الرغم من تسلم المدعي العام التقرير من قبل مجلس حقوق الإنسان ومن قبل العديد من المنظمات الحقوقية (إقليمية ودولية ومحلية)، إلا انه لم يحرك ساكنا بحجة انه ما زال بانتظار إجابات رسمية من قبل السلطة الفلسطينية تتعلق بالاختصاص الجنائي للسلطة وغيرها من الأسئلة. وفي حدود علمنا وما اطلعنا عليه من وثائق، فان مثل هذه الإجابات جاهزة وتنتظر إرسالها إلى مكتب المدعي العام الدولي بشكل رسمي، وحتى هذه اللحظة لا تعرف الأسباب وراء إحجام السلطة عن تسليم مثل هذه الوثائق ونزع الذرائع من المدعي العام. ولكن، رغم كل ذلك، يجب الاستمرار في الضغط على المدعي الدولي باتخاذ قرار لمباشرة التحقيق. وهنا يقع على عاتق المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية استمرار الاتصال بمكتب المدعي الدولي وإغراقه بالرسائل والمذكرات للدفع باتجاه اتخاذه لقرار وفق صلاحياته ووفق غايات وأهداف المحكمة الجنائية الدولية.
4. التقدم بمشروع قرار للجمعية العامة يتضمن تحويلا للتقرير إلى مجلس الأمن، ومطالبة المجلس باتخاذ القرار المناسب، تمهيداً لتحويله إلى المدعي العام الدولي للمحكمة الجنائية الدولية وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ورغم إدراكنا أن مثل هذا القرار سيتعرض إلى "الفيتو" الأمريكي، إلا أن هذا الفيتو سيوفر أرضية للبحث لاحقا في فرص وإمكانيات العمل على مستوى الجمعية العامة للانعقاد على قاعدة القرار 377 "الاتحاد من أجل السلم". وفي حال تم ذلك يمكن البحث في إمكانية قيام الجمعية العامة بتحويل التقرير إلى المدعي العام الدولي بدلا من مجلس الأمن. وهنا قد يبرز نقاش حول اختصاص الجمعية العامة، ووضوح النص في ميثاق المحكمة الذي ينص بموجب المادة 12/2 حصرا على صلاحية مجلس الأمن بتحويل القضايا إلى المدعي العام الدولي للمحكمة الجنائية الدولية. إن مثل هذه النقاشات لا يمكن لها إلا أن تخدم قضايا العدالة وتساعد في تطوير قواعد القانون الدولي. فلا يوجد ما يحول دول تحويل القضية من قبل الجمعية العامة خاصة في حال انعقادها وقرارها وفق قرار 377.
5. أن تقوم بعثة فلسطين في جنيف وبالتنسيق مع المؤسسات الحقوقية المعنية ومع الأصدقاء بإعداد مشروع قرار لتقديمه لمجلس حقوق الإنسان في جلسته العادية الحالية يتضمن ثلاث قضايا: أولا، تبني توصيات لجنة الخبراء المعنية بالوقوف على التحقيقات التي قامت بها السلطات المعنية الإسرائيلية والفلسطينية بشأن الجرائم المذكورة في التقرير. ثانياً، إحالة تقرير اللجنة الذي لن يأتي بجديد عن التقرير السابق إلى الجمعية العامة كي تتبناه، وذلك لحسم موضوع الفترة الممنوحة للأطراف المعنية بالتحقيق والتي أثبتت فشلها بما يستدعي تفعيل آليات المساءلة الدولية في ظل فشل الآليات المحلية للتحقيق ومحاسبة المتورطين في هكذا جرائم. ثالثاُ، التوصية إلى الجمعية العامة بإحالة تقرير لجنة تقصي الحقائق إلى مجلس الأمن بهدف اتخاذ الإجراءات المناسبة لتطبيق توصياته.
6. من جهة أخرى، لا بد أن تستمر المؤسسات التي تعنى بموضوع جرائم الحرب في إعداد ملفات تتعلق بجرائم محددة ارتكبت في القطاع، وربط ذلك بالضباط والقادة المسؤولين والمتورطين في هكذا جرائم، بهدف رفع قضايا أمام المحاكم الوطنية للدول التي يوجد لها اختصاص على هذه الجرائم في حال توفر الفرصة المواتية لذلك.
7. القيام بحملة علاقات عامة وضغط على الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان والأعضاء في الجمعية العامة للتصويت لصالح مشاريع القرارات التي تتعلق بتقرير جولدستون حال تقديمها. وهذه الحملة من الضغط يجب أن تقوم بها المؤسسات الأهلية وبالتعاون مع مؤسسات حقوقية وأهلية في هذه الدول. إضافة ذلك، يلزم القيام بحملة علاقات عامة تستهدف أعضاء البرلمانات والمسؤولين في هذه الدول، حتى يقوموا باستجوابات لوزراء خارجيتهم، بهدف الضغط للتصويت إلى صالح مشاريع القرارات التي تهدف إلى وقف ظاهرة الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية التي ارتكبت.
8. يجب أن يتم التحقيق فلسطينيا وبشكل جاد في كافة القضايا التي اشتملها التقرير والمتعلقة بانتهاكات محتملة تم ارتكابها من الجانب الفلسطيني. كذلك يجب أن تحترم السلطة الفلسطينية توصيات "لجنة التحقيق الفلسطينية وفق تقرير جولدستون" والتي أشادت بها لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة والمنبثقة عن مجلس حقوق الإنسان. إن تطبيق توصيات اللجنة يعطي للجانب الفلسطيني مصداقية على المستوى الدولي ويساعد على الدفع قدما بالعمل على الصعيد الدولي فيما يخص تقرير جولدستون.
9. القضية الأخرى ذات الأهمية تتعلق بإنشاء الأمم المتحدة لصندوق التعويضات للضحايا الفلسطينيين. والاقتراح هنا بإعادة الأمر مرة أخرى للجمعية العامة ووضع مشروع قرار أمامها يتعلق بتكليف لجنة لدراسة الاقتراحات المختلفة لإنشاء مثل هذا الصندوق، على أن يحدد سقف زمني لذلك وعدم الارتهان بدور مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، حيث لم تقم بواجبها وفق تكليف مجلس حقوق الإنسان لها لتقديم دراسة تتضمن دراسة لتجارب محددة في هذا الشأن.
10. يجب تكثيف العمل الآن على صعيد الجمعية العامة في نيويورك وإخراج كافة عناصر الملف من جنيف سواء ما يتعلق منها بتقرير لجنة الخبراء أو موضوع صندوق التعويضات.

الهوامش

  1. تم تعيين لجنة تقصي الحقائق من قبل رئيس مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وذلك بتاريخ 3/4/2009 وكان من ضمن اختصاصها التحقيق في كافة انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي ارتكبت بالارتباط وخلال العملية العسكرية في غزه خلال الفترة الواقعة بين 27 كانون اول/2008 و 18/كانون ثاني 2009 سواء كانت قبل او خلال او بعد العملية. وقد قامت اللجنة بتقصي الحقائق وسلمت تقريرها لمجلس حقوق الإنسان في جلسته الثانية عشر بتاريخ 25/9/2009.
  2. للتفاصيل انظر، فينس بينيس، القرار 377 "الاتحاد من اجل السلام، في هذا العدد.

--------
* شعوان جبارين: مدير عام مؤسسة الحق.