منظمات المجتمع المدني الفلسطينية: بين مهمات تعزيز المشاركة السياسية ومتطلبات العمل مع حركات التضامن الدولي

منظمات المجتمع المدني الفلسطينية: بين مهمات تعزيز المشاركة السياسية ومتطلبات العمل مع حركات التضامن الدولي

بقلم:ناصر عدوي
إن طول فترة الاحتلال الإسرائيلي  للأراضي الفلسطينية، والتي تزيد على ستين عاما،  أدت إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، ومصادرة لاستقلالية القرار السياسي الفلسطيني؛ مما فرض على المجتمع الفلسطيني كثيرا من التحديات غير المتوازنة على صعد مختلفة منها: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، حيث أصبح الهدف الأساسي للشعب الفلسطيني منذ البداية الأولى للاحتلال هو مقاومة الاحتلال وصولا للتحرر الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. ومع اختلاف المراحل التي مر بها الشعب الفلسطيني على مر تاريخ الصراع واختلاف موازين القوى العالمية والهزات السياسية المتعاقبة التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط عموما، وانعكاساتها على القضية الفلسطينية، برزت اختلافات في توجهات الأحزاب والتنظيمات السياسية  نحو اختيار الأسلوب الأمثل والأشكال النضالية المناسبة لتحقيق هدف التحرر الوطني وإنهاء حالة الصراع القائم. ومع اختلاف الأسلوب والوسائل فقد كان وما زال الهدف واحد وهو التخلص من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والعودة.

وقد استمر العمل الفلسطيني المنظم في محاولاته لبناء الكيان الفلسطيني حتى أوائل التسعينيات. ومع إبرام اتفاقية أوسلو اعتبر بعض السياسيين أن الأراضي الفلسطينية دخلت في وضع أكثر استقرارا، فبدأ الحديث عن مفهوم المجتمع المدني بشكل عام متمحورا حول تفسير عملية المشاركة الجماعية الطوعية والمنظمة في المجال العام، والدور المترتب على منظمات المجتمع المدني تجاه بناء الكيان الفلسطيني، والتحول الديمقراطي للمجتمع الفلسطيني من المقاومة إلى المقاومة والبناء بما ينسجم مع متغيرات المرحلة الجديدة سياسيا.


انطلقت التنظيمات السياسية الفلسطينية مع هذه المرحلة من العمل التنظيمي السري إلى العمل الجماهيري المنظم، وبدأت تأخذ دورها على شكل حركات وأحزاب سياسية لها حقوق وعليها واجبات من خلال الممارسات الديمقراطية؛ سواء على الصعيد البنيوي الذاتي لتلك التنظيمات، أو على صعيد المشاركة العامة لتلك الحركات والأحزاب في الحياة السياسية الفلسطينية. ورغم أن اعتبار الحركات والأحزاب السياسية جزءا من منظمات المجتمع المدني لا زالت مسألة خلافية بين منظري المجتمع المدني؛ إلا انه في الحالة الفلسطينية يمكن أن تعتبر هذه الحركات والأحزاب السياسية من أهم منظمات المجتمع المدني الفلسطيني كونها الأقدم و الأكبر والأكثر نفوذا في المجتمع السياسي الفلسطيني، وهي التي بادرت أيضا بتأسيس معظم منظمات المجتمع المدني أو تحكمت في تطورها ونشاطاتها بسبب مرحلة التحرر الوطني التي تحملت هذه التنظيمات مهامها وأعباءها. ولعل هذا احد ابرز وجوه الخصوصية الفلسطينية.

مع توقيع اتفاقية اوسلو من قبل منظمة التحرير الفلسطينية وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية دخل مجتمع الأراضي الفلسطينية المحتلة في عملية تحول وحراك سياسي ديمقراطي؛ فاتسعت رقعة انتشار منظمات المجتمع المدني وازداد عددها وتوسعت أهدافها. وقد لعب الكثير منها دورا بارزا في عملية التحول من مجتمع مقموع بقوة الاحتلال إلى مجتمع يسعى إلى بناء دولته الديمقراطية قبل إنهاء مهمات التحرر الوطني.  ولا زال يشكل هذا تحديا، إذ أن هذا التحول الجذري الهادف إلى نقل المجتمع الفلسطيني من مرحلة الثورة الوطنية إلى مرحلة بناء الدولة ومجتمع السياسة باعتبار أن السلطة الوطنية هي السلطة السياسية أو مشروع الدولة، وذلك قبل انجاز التحرر الوطني كاملا؛ يعتبر تجربة فريدة في نوعها.

 ولعل من نتائج هذا التحول بروز منظمات مجتمع مدني متنوعة في برامجها. فهناك منظمات حيوية تمارس دورا بارزا في مواجهة الاحتلال عبر تمسكها بالأجندة والمصالح الوطنية وفي نفس الوقت تسعى إلى تدعيم أسس المجتمع الديمقراطي الفلسطيني حتى وان لم تكن من حزب السلطة. كما ويلاحظ بروز منظمات أخرى ركزت عملها على عملية التحول الداخلية، وهي على أنواع وأشكال: فمنها ما يتبع المعارضة السياسية وتهتم بتقديم برامج "حزبها" وسياساته في مواجهة السلطة الوطنية الفلسطينية، فمن الطبيعي أن تتصارع القوى السياسية والاجتماعية من اجل الفوز في السلطة أو السيطرة عليها، ومنها من اعتقد أن مرحلة التحرر الوطني قد أنجزت بالكامل فأسقطت من اعتباراتها الحقوق الوطنية، أو ركنتها للمناسبات الاحتفالية العامة وانساقت بلا حدود في برامج الديمقراطية وحقوق الإنسان متجاهلة عن قصد أو غير قصد خصوصية الحالة الفلسطينية، ومنها ما يسير وفق ما تتطلبه أو تشترطه أجندة الممولين.

  إن الواقع السياسي الفلسطيني يفرض على هذه القوى والمنظمات دورا أكثر أهمية في هذه المرحلة للوصول إلى مرحلة الاستقلال السياسي وإقامة الدولة الفلسطينية ألا وهو التركيز على نيل الحقوق الوطنية في عملية بناء المواطن الفلسطيني ثقافيا وسياسيا، وفي نسج التحالفات الدولية من جهة،  وتفعيل وتوجيه الحياة السياسية الفلسطينية نحو تشكيل قوة مانعة تمنع ارتكاب الانتهاكات الجسيمة بحق المواطن الفلسطيني وتتدخل لحماية الأفراد وقت الحاجة من جهة ثانية. إن الجمع بين المهمتين: مهمة رؤية والسعي إلى تحقيق المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، ومهمة بناء المجتمع الفلسطيني الديمقراطي يحتاج إلى قدرة إبداعية على العمل خصوصا في بناء العلاقات مع حركات التضامن الدولية والمنظمات الداعمة كيلا تحرق المراحل، وكيلا تستحوذ الأجندة غير الوطنية على الأولوية في عمل ونشاط المؤسسات.  وباعتقادي أن هذا الجمع الإبداعي هو السبيل الأسلم لتشكيل ضغط سياسي دولي على إسرائيل في كافة المحافل الدولية والشعبية لإنهاء حالة الاحتلال للأراضي الفلسطينية وفقا لقرارات الشرعية الدولية، ولبناء الدولة المستقلة الديمقراطية.

ترتبط معظم منظمات المجتمع المدني الفلسطينية مع العديد من المنظمات الدولية بعلاقات متفاوتة ما بين التعاون، والصداقة، والتوأمة، والتشبيك، والتبعية...ألخ والقائمة طويلة عن طبيعة هذه العلاقات والارتباطات. بالإضافة إلى الارتباط بالأهداف والبرامج بين تلك المؤسسات، تختلف المؤسسات والتنظيمات في ما بينها، تقدما وتخلفا، ومن ثم فاعلية. واحد معايير ذلك درجة مؤسسيتها (مأسستها). إن درجة مؤسسية أي نسق سياسي تتحدد في ضوء أربعة معايير يمكن استخدامها للحكم على مدى التطور الذي بلغته  مؤسسة أو منظمة ما، وهي: القدرة على التكيف في مقابل الجمود، والاستقلال في مقابل التبعية والخضوع، والتعقد في مقابل الضعف التنظيمي، والتجانس في مقابل الانقسام.

ويقصد بالاستقلال ألا تكون المؤسسة خاضعة لغيرها من المؤسسات أو الجماعات أو الأفراد أو التابعة لها؛ بحيث يسهل السيطرة عليها، وتوجيه نشاطها الوجهة التي تتفق مع رؤية المسيطر. ويندرج ضمن ذلك الاستقلال المالي لمؤسسات المجتمع المدني والذي يمكن تحديده من خلال تحديد مصادر تمويل هذه المؤسسات واشتراطات التمويل. بعبارة أخرى، يعتبر التأسيس الاقتصادي أهم عناصر الاستقلالية، كما انه يشكل سياجا للحركة السياسية المستقلة، وعنصرا من عناصر استمراريتها وحفاظها على التزامها بأهدافها التي أنشئت من اجلها. ومن خلال هذا المقال سنقوم بالتركيز على دور هذه المنظمات الوطنية في تعزيز المشاركة السياسية على الصعيدين المحلي والدولي .

إذا ما تم اعتبار المشاركة السياسية هي ذاتها ممارسة الحقوق والحريات السياسية المقررة للأفراد، فانه يجب الإجابة على السؤال التالي: هل تمتع الفرد بالحقوق والحريات السياسية، حتى بافتراض وجودها كما هي مقررة في أفضل الدساتير والوثائق الدولية، وبافتراض تمكن الأفراد من ممارستها، هو تجسيد للمشاركة السياسية؟

إن ممارسة الفرد للحقوق والحريات السياسية لا يقود بالضرورة إلى تجسيد المشاركة السياسية؛ وذلك لان المشاركة السياسية لا تتحقق إلا بالفعل الجماعي المنظم والموجه الهادف إلى تغيير، أو الحفاظ على، أو التأثير في السياسات الحكومية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية منفردة و/أو مجتمعة.

وبهذا المعنى يمكن القول أن ممارسة الفرد لحقه في الاقتراع مثلا؛ لا يشكل بحد ذاته مشاركة سياسية بالمعنى المشار إليه أعلاه؛ بينما ممارسة حق الاقتراع ضمن فعل جماعي منظم وموجه يرجى منه تغيير السياسات الحكومية القائمة أو الحفاظ عليها، أو التأثير فيها تعديلا وتطويرا، يندرج ضمن مفهوم المشاركة السياسية. إن ممارسة الفرد لحقوقه وحرياته السياسية مهما بلغت درجة اتساعها، تبقى مجرد ممارسة فردية لا ترقى إلى مستوى المشاركة السياسية والتي هي في المحصلة النهائية فعل جماعي واع ومنظم. ويبرز الخط الفاصل بين الأمرين عند ملاحظة أن قطاعا واسعا من الأفراد، وبالأخص في الدول ذات التجربة الديمقراطية الحديثة، يقدمون على ممارسة حقهم في الاقتراع من قبيل إرضاء الذات، أو على سبيل المجاملة، أو من باب حفظ الود بين ذوي القربى والأصدقاء والمعارف. وبالتالي لا يمكن إدراج هذا السلوك، رغم انه يسهم في تقرير نتيجة الاقتراع، ضمن مفهوم المشاركة السياسية  كفعل جماعي موجه هادف إلى تغيير.

على المستوى الفلسطيني تأتي مقاومة الاحتلال بالطرق السلمية والمطالبة بالحقوق الفلسطينية، والدفاع عنها، بدءا من حرية التعبير ووصولا إلى حق العودة والتحرر من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على رأس أولويات منظمات المجتمع المدني الفلسطيني. وهذا أمر يفترض لتحقيقه بالضرورة وجود إستراتيجية وطنية فلسطينية شاملة غير منفردة وذلك باعتبار أن مؤسسات المجتمع المدني من أهم قنوات المشاركة الشعبية القادرة على ممارسة النشاط السياسي بشكل مباشر، والقادرة على تشكيل قوى ضاغطة من خلال علاقاتها مع منظمات المجتمع المدني الدولية والعربية لفضح ممارسات الاحتلال على كافة المستويات الشعبية والرسمية محليا ودوليا، والقادرة على التأثير على الرأي العام بما يخدم المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني.

وعليه، ومع الاحترام للدور النضالي الذي لعبته منظمات المجتمع المدني الفلسطينية على مر مراحل النضال الوطني، يلاحظ بان هذه المنظمات على كثرة عددها وانتشارها واتساع أهدافها وكبر تمويلها، لم ترتق إلى الحالة الجماعية المنظمة الهادفة إلى إحداث التغيير؛ فتعددت المسميات واتسعت الأهداف وكبر وكثر التمويل...حتى أنه يمكن القول ان البعض يغرد خارج السرب في سبيل حفنة من الدولارات نحو ما يسمى بالبرامج المشتركة والتبادل الثقافي بين "الأجيال والثقافات"، بين القاتل والمقتول؛ عسى أن يستطيع المقتول إقناع من قتله بالعدول عن ذلك!

من خلال ما تقدم، فان منظمات المجتمع المدني الفلسطينية تعتبر البركان الفلسطيني الذي  إذا ما اتحدت عناصره وتركيباته في قاعدة المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني انطلاقا إلى فوهة الأهداف الوطنية بالتحرر وبناء الدولة،  بعيدا عن الفردية والفئوية والمصالح الضيقة في تمويل هنا ومشروع هناك، فانه سيشكل نمطا نضاليا متميزا في التجربة الإنسانية العالمية. ولكن هذا الأمر متوقف على قدرة منظمات المجتمع المدني الفلسطيني على إيجاد استراتيجيه وضوابط تمنع انزلاقها لتنفيذ أجندة المنظمات الداعمة غير المتوافقة مع المصالح والأهداف الوطنية، وعلى قدرتها على تنظيم تحالفاتها مع المنظمات الدولية دون الوقوع في شرك التبعية  والانصياع لشروط منظمة هنا وأخرى هناك. فهل سيثور ذلك البركان أم ستبقى حمم هنا وحمم هناك يقرر الممول متى يطلقها، ومدى حجمها، والى أين مآلها؟
____________________

 يستند هذا المقال إلى بحث مطول أعده الكاتب ونشر في نيسان عام 2008، وحمل عنوان: "دور منظمات المجتمع المدني في تعزيز المشاركة السياسية".

 أ. ناصر عدوي، ناشط فلسطيني، ماجستير بناء مؤسسات وإدارة موارد بشرية.