الجمعيات الأهلية الفلسطينية في لبنان: إلى أي حدّ استفادت من التجربة السابقة؟

  الجمعيات الأهلية الفلسطينية في لبنان: إلى أي حدّ استفادت من التجربة السابقة؟

بقلم:"أحمد مفلح
تدور الفكرة الأساسية في هذه المقالة حول الدور الذي تقوم به الجمعيات الأهلية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. ونظراً إلى الوضع الاجتماعي الفريد (والمأساوي) الذي يعيشه أبناء هذه المخيمات، يتطلب الأمر، قبل الدخول في صلب هذا الموضوع مباشرة، التوقف، ولو قليلاً، عند بعض وجوه هذه المعاناة.
إضافة إلى ذلك، سوف نجيب في هذه العُجالة على بعض الأسئلة التي تتعلق بظروف نشأة هذه الجمعيات، وأهدافها وسير عملها وأهميتها من ناحية ما تقدمه من خدمات لأبناء المخيمات وغيرهم من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. ولا يخلو الأمر من قراءة نقدية لمسار عمل هذه الجمعيات وعلاقاتها مع بعضها، أو مع الفصائل السياسية والأنروا، ومع الدولة اللبنانية.
1- الوضع الاجتماعي

لا تسمح هذه المساحة الصغيرة بالحديث مطولاً عن المعاناة الاجتماعية التي يعيشها اللاجئ الفلسطيني في لبنان، هذه المعاناة التي طال عمرها أكثر من ستين عاماً، عاش فيها الفلسطيني محروماً من حقوقه المدنية، وأهمها حق العمل، إضافة إلى الحقوق السياسية، ومؤخراً حق تملّك منزل يقيم فيه، ويورثه إلى أبنائه من بعده.


من المعروف أنه يمنع على الفلسطيني ممارسة أكثر من سبعين مهنة، مثل الطب والهندسة والصحافة والحقوق وأية وظيفة رسمية في ملاك الدولة، أو حتى امتلاك لوحة عمومية ليعمل بها سائق أجرة، كما يُمنع عليه تأسيس أي مؤسسة تجارية، أو جمعية من دون شركاء لبنانيين. وكل ما يسمح به للفلسطيني هو العمل أجيراً مياوماً في الأعمال الزراعية وما شاكلها من مهن.  

وبناء عليه، لا يحق للفلسطيني، بصفته أجنبياً، الانتساب لأية نقابة أو جمعية أو تجمع مدني، يمكن أن تحفظ حقوقه، أو تسعى وراء تحسين وضعه الاجتماعي، أو تفتح المجال وتسمح للمتعلم والمتخصص أن يعمل بشكل رسمي، وبالتالي الاستفادة من علمه وكفاءته وخبرته. كل ذلك يجري بحجة المعاملة بالمثل، أي أن القانون اللبناني يوجب معاملة الأجنبي في لبنان كما يُعامل اللبناني في بلد هذا الأجنبي؛ الأمر الذي يتعذر في الحالة الفلسطينية بسبب غياب الدولة الفلسطينية.

إضافة إلى ذلك، وكنوع من أنواع التمييع للوضع الاجتماعي الفلسطيني في لبنان، وإدخاله في بورصة النزاعات الداخلية اللبنانية، الطائفية منها والمذهبية والطبقية، تتعامل الدولة اللبنانية مع الوجود الفلسطيني باعتباره رقماً، يزيد ويتفاقم خطره تبعاً للسياسة والأوضاع المالية، خصوصاً في العلاقة مع الغرب. فتارة يصل عدد الفلسطينيين في لبنان إلى أكثر من سبعمئة ألف نسمة، بحسب مذهب وشريحة اجتماعية معينين. وتارة، تتدخل الأنروا لتقدم رقمها الذي يقارب أربعمئة ألف نسمة، يدخل فيه المتوفى والمشطوب من القيود والمهاجر ومن حصل على الجنسية اللبنانية.

المقصود هنا ليس تعداد الفلسطينيين في لبنان، ولكن على الرغم من المبالغة أحياناً في "تهويل" هذا الرقم، تخرج أصوات لبنانية تتجاهل هذا الوجود، وتعود اليوم الجهات الرسمية اللبنانية ممثلة بلجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التي تشكلت منذ التسعينيات من القرن الماضي ولم تجتمع سوى مرات معدودة، بعد ستين عاماً من الوجود الفلسطيني، لتطلب تفعيل هذا الحوار وسماع متطلبات الفلسطينيين الاجتماعية. وتخرج أصوات أخرى لتقول أن مساحة لبنان الجغرافية وموارده لا تتحمل هذا الوجود البشري، الموجود فعلاً والمضخم قصداً، ولهذا نرفض التوطين.

باختصار، الفلسطيني غير مرغوب بوجوده في لبنان، وغير مرخص له بالعمل، ومحروم من الحقوق المدنية، وغير معترف بوجوده إلا باعتباره مصدر اضطرابات وإرهاب، ولا مرجعية رسمية فلسطينية أو دولية أو عربية تحميه، فكيف يعيش؟ هذا هو السؤال الإشكالي.

2- نشأة الجمعيات:

هذه هي الصفة الأساسية لحياة الفلسطيني في لبنان منذ العام 1948، اخترقها بعض التبدلات التاريخية التي مرّت كمنام سريع لم يتم الاستفادة منها كما يجب، وما أنجز هُدم بفعل الهجمة المتجددة على المخيمات الفلسطينية من قبل حلفاء الأمس، أو من الفلسطينيين أنفسهم على أخوتهم تحت هذا الشعار الأيديولوجي أو "العقائدي" أو ذاك، فدمّرت المخيمات وأطلال الإنجازات الهزيلة أصلاً في بعض مناحيها.

بعد عام 1969 حين وقعت منظمة التحرير الفلسطينية مع الدولة اللبنانية ما يسمى "اتفاقية القاهرة" التي سمح بموجبها للفلسطيني بنوع من الاستقلال السياسي والأمني والاجتماعي في مخيمات لبنان، شعر الفلسطيني بنوع من انزياح الضغط الأمني الرازح على صدره من خلال المخافر والمراكز المتواجدة في المخيمات. في زمن انفلاش الحرب الأهلية اللبنانية، وما تبعها من فوضى عمت المناطق اللبنانية كافة، بات للفلسطيني وضع يسمح له فرض رؤيته ومتطلباته بما يريح وضعه المعيشي والمدني، فكانت سياسة الأمر الواقع، والتأييد الشعبي من بعض الفئات اللبنانية عوامل مساعدة، ولكن تحولت هذه "المكتسبات" إلى أعمال عسكرية وغطاء لتأسيس دولة ضمن دولة، تسودها الفوضى والفساد، أسيادها بعض (للحذف) المنتفعين؛ حيث أدى ذلك إلى  توريط من تبقى من الفلسطينيين في لبنان بإرث ثقيل من العداوات السياسية والشخصية.

ولكي لا نجلد ذاتنا كثيراً، أنشئت بعض المؤسسات والاتحادات ضمن م.ت.ف. ساهمت في توفير رواتب وفرص عمل لبعض أبناء المخيمات يعتاشون منها، منها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، ومؤسسات صامد، وبعض النوادي الأخرى، إضافة إلى الرواتب التي كانت تُدفع للمقاتلين والتي كانت تشكل دخلا شهرياً يسمح بالاستمرارية. فكانت هذه نواة الجمعيات الأهلية في المخيمات، ولكن لم تؤسس لأرضية صلبة دائمة تعزز وضع اللاجئ الفلسطيني ومستقبله، مدنياً ورسمياً واجتماعياً وسياسياً. ولهذا سرعان ما وجد الفلسطيني نفسه مجرداً من هذه الإنجازات والمكتسبات، وعرضة لأبشع أنواع المجازر والتجاهل والحرمان والقمع والتجاهل، أرجعته إلى وضع أوهى وأصعب مما كان عليه قبل هذا الحلم والخيال. فالمنظمة وقيادتها لم تتركه وحسب، بل كثيرا ما عاني الفلسطيني في لبنان جراء تصريحات غير مسؤولة صادرة عن قيادات منظمة التحرير تزيد نقمة هذا الطرف اللبناني أو ذاك عليه. وفجأة وجد الفلسطيني نفسه الحلقة الأضعف في لبنان التي تتعلق عليها كل أخطاء الحرب اللبنانية، لا مرجعية له ولا معيل سوى وكالة الأنروا التي بقيت هي المسؤول الأول والأخير عن إعالته وتعليمه وتطبيبه وإغاثته، حتى أيام وجود منظمة التحرير، ولم يجرِ حينها حتى محاولة تصويب عمل هذه الوكالة. ولكن حتى خدمات الأنروا لم تبق على حالها؛ بل راحت تتقلّص، ولم تعد كما كانت قبل خروج المنظمة من بيروت، وعوز الفلسطيني بازدياد، وقوانين الدولة اللبنانية إلى أكثر شدّة .

أمام هذا الوضع (في أواسط ثمانينيات القرن الماضي) كان لا بد من حركة ومبادرات أهلية فلسطينية محلية تمسك بيد الفلسطيني ليعيش ويتكيف مع واقعه الجديد، وليستطيع العيش بالحد الأدنى من متطلبات الحياة، وليوصل صوته إلى العالم القريب والبعيد، فكانت بعض الجمعيات الأهلية التي راحت تعمل داخل المخيمات في مجال الطبابة أولا، ومن ثم في مجالات الرعاية بالأمهات والأطفال وتقديم بعض المساعدات العينية وتدريب الشباب (من الجنسين) على بعض المهن التي يمكن أن تعيل ويعتاش منها.


لاقت هذه الجمعيات منذ بداية عملها الدعم المادي الكبير من جمعيات أوروبية غربية التي قدّمت المساعدات العينية والتدريبية والكوادر البشرية، خصوصاً أن بعض هذه الجمعيات الفلسطينية كانت ترتبط ببعض الفصائل السياسية بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي جنّدت لها العلاقات السياسية التي كانت تقيمها هذه الفصائل مع بعض الحركات أو الأحزاب اليسارية الأوروبية. ولم يكن عدد هذه الجمعيات يزيد على خمس أو ست جمعيات في البداية، فالخبرة في هذا المجال كانت ضعيفة، والظروف الأمنية التي كانت تمر بها المخيمات لم تكن تسمح بإنشاء المزيد، إلى جانب أن سيطرة الفصائل الفلسطينية التقليدية ترفض أي عمل خارج نطاقها ورعايتها، لا بل كان البعض في هذه الفصائل يخوّن من يقدم على مثل هذا العمل، خصوصاً إذا اقترب من الطروحات السياسية، حتى وإن كانت وطنية وتخدم المشروع الفلسطيني، إذ كانت هناك هيمنة فصائلية عند الجميع.

إذن، بدأت هذه الجمعيات المحدودة عملها بظروف صعبة، سواء كان ذلك على صعيد الظروف الأمنية المحيطة بالمخيمات، أو على صعيد التجربة والإمكانات المتواضعة في البداية، أو على صعيد احتكار العمل الاجتماعي والسياسي من قبل البعض في داخل المخيمات الفلسطينية. وكل ذلك لم يؤخذ الوضع المعيشي والإنساني للفلسطيني بالحسبان، كما لم يؤخذ أيضاً ما تقوم به القوانين اللبنانية العنصرية والتعسفية تجاه الفلسطيني.

على الرغم من هذه الظروف الصعبة، قدّمت هذه الجمعيات، بغض النظر عن مدى استقلاليتها أو ارتباطها ببعض الفصائل، خدمات لا يمكن التنكر لها. فقد ساعدت الفلسطيني، إضافة إلى الأساليب والسبل التي ابتدعها الفلسطيني، خصوصاً على صعيد التجارة الداخلية في المخيمات التي تحوّلت إلى ما يشبه "الغيتوات"، على البقاء والعيش.

في أواسط التسعينيات، مع تقلّص أموال منظمة التحرير ودورها التمثيلي لأبناء الشتات وانحساره في "السلطة الوطنية"، وبالتالي انكماش دور الفصائل الموجودة في المخيمات، خصوصاً العسكري، وبدء الحديث السياسي الذي يدور عن التطبيع مع العدو الصهيوني، ومحادثات السلام، والمبادرات العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً، وكلها تسقط الحقوق الفلسطينية بالعودة إلى الديار الأصلية، وحقوقه بصفته إنساناً، وحقوقه المدنية (خصوصاً في لبنان)... في مقابل ذلك كثرت الجمعيات الأهلية الفلسطينية في المخيمات، حيث راحت تنادي وتعمل على أكثر من صعيد، ليس فقط الخدمات المباشرة الطبية والتعليمية، بل وعلى صعيد المناداة بالحقوق الإنسانية والمدنية وحق العودة وتعزيز دور الشباب والمرأة والمعوّقين.

3- واقع الجمعيات:

يزيد عدد الجمعيات العاملة اليوم في الأوساط الفلسطينية في لبنان على ستين جمعية، تتراوح أحجامها بين كبيرة تقدم الخدمات الصحية والمادية والتعليمية والرعائية، والعمل المادي المباشر لجمعيات أخرى في مختلف المخيمات، وبين مجموعات نخبوية قليلة العدد تعمل في إطار مشروع سياسي وثقافي يتعلق بحق العودة، أو حقوق الإنسان، أو حق العمل، أو رعاية الشباب...إلخ. وهناك جمعيات "عائلية"، فردية، أو غطاء لفصائل ومؤسسات أكبر، تعمل كلها ببرامج فضفاضة وواسعة في إطار الشباب والخدماتية. وكلها تعمل بدعم مادي من جمعيات أهلية أوروبية، نرويجية وسويدية وهولاندية وفرنسية وغيره، أو بالتنسيق مع الأنروا، باعتبار أن هذه الجمعيات والدول الغربية تدعم مثل هذه الشعارات والمبادئ، خصوصاً حقوق الإنسان.
بعض هذه الجمعيات تعمل داخل المخيمات بحكم سياسة الأمر الواقع التي تعطي للمخيم نوعاً من الاستقلالية حيث لا تتدخل الدولة اللبنانية اليوم بعملها، وأكثرية الجمعيات تعمل بغطاء شرعي من خلال تسجيلها باعتبارها جمعية أهلية لبنانية، يكون المشرفون عليها لبنانيين، ومعهم اسم فلسطيني، بمعدل واحد على خمسة، علماً أن الحصول على مثل هذه التراخيص (علم وخبر) ليس بالأمر السهل خصوصاً إذا كان فيه أي ذكر للوضع الفلسطيني.

اللافت أن هذه الجمعيات تتوالد بشكل سريع، وتتداخل برامجها وأنشطتها مع بعضها بعضاَ، بشكل مريب، من دون تنسيق أو تكامل أو تنسيق. والخوف أن تنسحب فوضى الفصائل وإشكالاتها على هذه الجمعيات، فيذهب صالحها بطالحها، لأن هناك ذهنية فلسطينية اليوم تربّت على الانتفاع والنفعية والانتهازية، باسم العمل الوطني، أو الإنساني، فراحت تفرّخ الجمعيات كأداة تكسبية تعيش فيه حياة البذخ.

واللافت أيضاً عند هذه الجمعيات غياب التنسيق على مستوى اللقاءات حتى، إذ لا إطار عملياً يجمع بينها، وإن كان هناك إطار اسمي ومكتب يدار في أكثر الأحيان بمزاجية مديره، فتشخصن المكتب والمنصب والدور، ولا فائدة تُرجى. والانكى من هذا وذاك، أنها تتسابق على كسب ود المنظمات وحركات التضامن الدولية بأي ثمن لضمان تمويل مشاريع تفتقر لأي رؤية استراتيجيه توضح الهدف والى أين نحن سائرون.

فوضى تعم عمل بعض الجمعيات في ظل غياب الرقابة السياسية والمادية والإشراف على الأنشطة والبرامج، وتتداخل السياسة والانقسامات السياسية في عمل بعض هذه الجمعيات خصوصاً التابعة لهذا الفصيل أو ذاك، حيث غلبت الأيديولوجيات على الحقوق الإنسانية. أموال كثيرة تُجبى باسم هذه الحقوق، وتصرف في غير مكانها، في الفنادق الفخمة وباسم اللاجئ الذي يعاني الجوع والعوز في المخيم، فما ضرّ لو صرفت هذه الأموال في برامج ومنشآت إنتاجية في المخيمات، بدلاً من مشاريع بمئات آلاف الدولارات أحياناً لا يستفيد منها الفلسطيني، لا بل تسبب له النقمة عندما يسمع عنها في الإعلام، فأين وجه الفائدة؟ والسؤال أخيراً هل استفدنا في تجربتنا المدنية الوليدة هذه من أخطاء التجربة العسكرية والسياسية السابقة؟ لا أعتقد كثيراً، فالوجوه بمعظمها لا تزال هي هي، والذهنية والثقافة أيضاً هي هي، فالمطلوب أولاً وأخيراً أن نخلق ونمهّد لثقافة تتفاعل وتقبل الصدق والإخلاص، الوطني والاجتماعي، وهذا ما ينقص برامج هذه الجمعيات وأنشطتها.

-----------------------------

 عضو مؤسس في مجموعة عائدون