قرية إقرث، 2010، تصوير: رنين جريس قرية إقرث، 2010، تصوير: رنين جريس

بقلم: رنين جريس*

هي من أقدم القرى في الجليل الغربي، لها تاريخ عريق وعميق، ذكرت من بين 19 قرية كان قد احتلها فرعون مصر. استوطن بها الرومان لتصبح بعدها تابعة لقضاء صور ومن قراها الكبيرة. عُرفت أيام العهد الصليبي باسم "أكرف"، وفي العهد العثماني بالاسم "إقرط"، وفي فترة الانتداب البريطاني سميّت أيضا باسم "إقرت". تصبّ جميع هذه الأسماء في مكان واحد وزمان واحد... هناك، وفوق تلال الجليل الغربي، تجمعت بيوت إقرث وأهلها حتى تشرين ثاني عام 1948، ليرووا لنا بعد 62 عاماً حكاية المكان.


رذايذنا ولا قمح الصليبيين

عن الحياة الزراعية في القرية حدثنا ميلاد أشقر- أبو زياد (1931) وهو يسكن اليوم في مدينة حيفا:


أهل البلد اشتغلوا أكثر اشي بالزراعة وع البيادر. الختيارية كانت تعمل عريشة ع البيادر وتقعد تحت فيّتها، كل حارة بإقرث كان إلها عريشتها. البيادر كانت كلها جنب بعضها البعض القمح كنا نجيبه من البيدر، ندرسه شهر أو شهرين على فرس أو بقرات، بعدها نطحنه ناعم وبعد ما يخلص البيدر كله كنا نعمل عورمة كبيرة (قمج وتبن مخلوطين، قبل الفصل، وموجودين على شكل هرم) ونعلن للناس، انه بكرا مثلا أبو إلياس بدّه يذرّي البيدر (يعني يفصل القمح عن التبن)، وتيجي الناس تساعد.. يجو عشرة أو عشرين رجل حاملين مذراية (المذراية عبارة عن كف له خمس أصابع مع عصا طويلة)، يدقوا بالعورمة وييجي الهوا بياخد التبن وبخلي القمح. التبن بيجي مرحلتين، مرحلة ناعمة كبيرة عشان السطوح والحيطان ومرحلة يكون مخزون علف للبقر...
بعدها يحطوا القمح بالغربال، كان غربال مصنوع للحب الصغير وغربال للحب الكبير. يعني بيجي مع عيون صغيرة أو كبيرة، وهاي شغلة نسوان. الرذايذ هي الحبة الميتة اللي بتنزل من الغربال، الرذايذ هاي لا للبيع ولا للشراء، عادة بعطوها علف للمواشي، والقمح الصليبي هو اللي ببقى بالغربال نظيف نظيف مثل الذهب. "رذايذنا ولا القمح الصليبين"، هذا مثل شعبي كانوا يقولوه للبنات الغريبة اللي بتجوزوهم وبجيبوهم على البلد، والمقصود انه بنات البلد ولو كانوا رذايذ بضلهم أحسن من البنات الغريبة اللي بجيبوهم على البلد (ضاحكاً).

وتضيف نجمة يعقوب- أم يعقوب (1927) وهي تعيش اليوم في كفرياسيف:

الناس كانت تزرع سنه دخان وسنه قمح. بس كمان كانت تزرع عدس، فول، حمّص، بصل، ما كنّا نشتري اشي من برّا. كل شي من البيت! ما بقاش حدا يشتري بمصاري. بس الدخان كنا نبيعه لشركة دخان برا تيجي وتلّم الدخان من البلد. وأهل البلد يوخدوا حق الدخان بفترة العيد يروحوا يشتروا فهيم أواعي وحلوايات ولوازم العيد.


take the signal!!!


من مخزون ذكرياته حول المدرسة حدثنا معروف أشقر – أبو نعمة (1929):

مدرسة اقرث كانت حديثة، وبنيت بفترة الانتداب البريطاني في بداية الثلاثينات. أنا درست لصف السابع باقرث، عندي أخ خلص ثاني عشر. باقرث اللي كان يخلص صف سابع كان ينزل ع البصة أو عكا يكمّل تعليمه.
التعليم بأقرث كان منيح كتير، بذكر بحصص الإنجليزي كان مطلوب انه بعد الدوام نحكي بس إنجليزي وممنوع عربي، عشان نقوّي انجليزياتنا. المعلم أيامها أعطانا خشبة صغير اسمها سيجنال (Signal)، بالأول كنا نسميها punishment يعني عقاب...

زمن السفربرلك (زمن الأتراك وتجنيد الشباب العرب للجيش)

عن هذه الفترة حدثنا أبو زياد:
بسنة السفربرلك، سنه 1914، كان مختارنا اسمه إبراهيم سبيت، جدّه للخوري إبراهيم سبيت. يومها كان في تجنيد إجباري لرجال القرى للجيش التركي. أبوي تجند في تركيا لما كان ابن 17 سنه، أخذوه على الشام، وبعد بفترة هرب من الشام هو وواحد من قرية علما اسمه اندراوس، وكانوا يمشوا بالليل وبالنهار يناموا. الطريق من دمشق لإقرث أخذت حوالي أكثر من ليلتين... الجيش أجوا أخذوه كمان مرة لقرية سمخ ومن سمخ رجّعوه بالقطار لسوريا.
بفترة السفربرلك أجا كتير جراد على المنطقة وصار يوكل الأخضر واليابس. تركيا صارت تعطي جوائز لكل شخص بجمع كل يوم علبة من بيض الجراد. بلدنا وكل البلاد كتير تضررت من الجراد، وأمي حكت لي انهم وصلوا لوضع انهم يوكلوا من براز البقر. بهاي الفترة الرجال كانوا بالحرب، وكانت النسوان هي اللي تحرث الأرض وتحصد...

علاقتنا بالانجليز:


حدثنا جريس طعمة- أبو رياض (1932) وهو يسكن اليوم في قرية كفرياسف:

علاقتنا بالانجليز ما كانت كتير منيحه، وخصوصاً بال 36 بأيام الثورة. يومها كان مركزهم بمنطقة اسمها خربة الصوّانه (عرب السمنية)، وكانوا يجمعوا الشباب بالأساس من قرى الزيب والبصه والكويكات والكابري ويتهموهم بالمقاومة ويعتقلوهم، كانوا يعاملوهم مثل الدواب، يمسكوا ايدين بعضن ويبرموا كل النهار تحت الشمس، أنا يومها كنت كتير صغير، يمكن كان عمري خمس سنوات...

رفع الراية البيضاء على سطح الكنسية

حدّثنا أبو زياد:

بــ 30 تشرين أول 1948 دخل الجيش الإسرائيلي ع بلدنا كجزء من "عملية حيرام". الجيش العربي ترك المنطقة وهرب. يومها أنا كنت عم بنشل ميّ من البير وبسقي البقرات والا شفت الجنود بتطلع على بلدنا، ركضت عند أبوي وقلت له: يابا يابا، اليهود أجوا. قال لي: يابا، المختار وأهل البلد اتفقوا يطلعوا ع سطح الكنسية.
رميت سطل الميّ وطلعت ع الكنسية. لما وصلت الناس سطح الكنيسة، ربطنا الحطة البيضاء، ونزل وفد من عنا يلاقي الجيش. التقوا وين المعصرة وين كراج دار عطاالله. الوفدين سلموا على بعضهم ومشوا باتجاه الكنسية. وقتها أنا كنت واقف على سطح الكنسية ورافع العلم...

عودة المسلحين ورفع الراية البيضاء على حمارة القرية

وعن إرجاعه للمقاومين يضيف أبو زياد:

يومها أنا كنت أكبر شاب بالبلد لأنه باقي الشباب خافت ورحلت. وأهل البلد طلبوا مني أروح على بيت محمد القاسم وألتقي بالمسلـّحين وأطمئنهم وآخذ منهم سلاح، حسب الاتفاقية مع الجيش. مشيت ووصلت عند طريق المقبرة، تطلعت على الجبل وشفت جنود وخفت يقتلوني، حملت علم صغير، نزلت على أرض اسمها كُصبر (أرض في إقرث)، على قطمون (أرض مثلث، حواليها جبال، وصالحة للزراعة) وكمّلت على بيت محمود القاسم. هذا محمود كان بدوي وساكن بأرض لحاله مش بعيدة عن أراضي إقرث. مشيت حوالي ساعة، ولما شافوني المسلحين أجوا يركضوا عشان أحكيهم شو صار، بذكر منهم إلياس سلوم، حنا توما، لطف ويوسف جريس. حكيت لهم شو صار، وإنه اليهود اجتمعوا مع المختار وسلموا البلد وبعتوني عشان أطلب منكم تسلموا السلاح وإنه ما راح يصير عليكم إشي وانتو بأمان. قسم وافق وقسم لأ. كان معنا يومها ذيب الشيبان، وذيب قال إنه ما بده يسلم البلد وسحب حاله وراح. مشينا رافعين العلم الأبيض على عصا، ونزلنا من الجبل على القطمون، قطعنا الوادي لحد ما وصلنا على مشارف إقرث.
واحد من الشباب قال كيف بدنا نسلم بواريدنا ونذلّ حالنا، خلينا نحطّ السلاح كله على الحمارة، ميلاد ولبيب بجرّوها وإحنا بنمشي معهم...

 

الرحيل الأول


عن الرحيل الأول حدثتنا أم راضي:


صار الجيش يروح وييجي علينا. وبيوم من أيام الصلاه، ب 6 من تشرين ثاني، صحينا الصبح وشفنا البلد والبيادر مليانه جيش وسيارات. قرر الجيش انه يرحّل أهل البلد ع الرامه لأسبوعين بادعاء انه بدّه يأمن المنطقة من المقاومة وبعدها برجّع الناس. الناس تركت كل شي ببيوتها وعلى البيادر. والجيش جاب اوطومبيلات، حطوا الناس فيها وأخذوهم ع الرامه. وأتفق مع أهل البلد انه تبقى فيها بعض العائلات والخوري بهدف حمايتها وحراستها من الحرامية لحد ما ترجع الناس ع بيوتها.
لما طلعنا كنت حبلى بابني راضي. قسم من العائلات راحت ع فسوطه، وقسم على معليا، بس الأغلب رحلوا على الرامة...

وعن رحيله إلى الرامة حدثنا أبو زياد:

أنا طلعت مع بقراتنا من بلدنا لفسوطة، ومنها لجسر الحبيس غربيّ حرفيش، بعدها لسحماتا وللبقيعة. بالبقيعة شرّبت البقر، ارتحنا وكملنا طريقنا على الرامة. بالرامة كان في كتير مسيحية رحلوا من البلد وبيوتهم فاضية، وكان في أولاد حلال دروز دلونا على البيوت الفاضية. إحنا سكنّا ببيت فيه حوش كبير حتى يعيش فيه البقر كمان. هذا البيت كان لفوزي إبراهيم الناصر، هجر على سوريا، بذكر كان بالبيت صورة لرجل مع شوارب، وكان في سدّة كمان. بعدها جابولنا عائلة من فراضة (قرية جليلية مهجرّة) سكنوا معنا. قسم سكن بالتبّان (مخزن للتبن) وقسم على السدّة (نص طبقة داخل البيت، يصعدون اليها بالسلم، وينام بها عادة الضيوف).
الجيش الإسرائيلي طلب من الدروز إنهم يحطوا دائرة خضراء على أبواب بيوتهم، حتى إذا دخل يقدر يعرف بيت الدرزي من بيت المهجّر، ويرحلوا المهجّرين. بذكر واحد درزي اسمه علي قفورة (أبو محمد) أخذ علبة دهان وحطّ على كل بيوت المسيحية دوائر خضرا وهيك إحنا ضلينا بالبلاد. بقينا بالرامة لسنة 1988 ومن بعدها انتقلت أنا وعائلتي للعيش في حيفا.

 

الرحيل الثاني


أضافت أم يعقوب:


انا وجوزي وبنتي ابتهاج من الناس اللي بقينا باقرث بعد الرحيل الأول،. بذكر انه بقينا بالبلد حوالي 60 شخص. أنا ما كان بديّ أبقى باقرث. نزّلت شوية أواعي عشان أروح ع الرامه والحق أهلي، كنت صغيرة وبدي أبقى مع أهلي. بس جوزي قال لي خليك باقرث.
عشنا حياة تقريبا طبيعية من تشرين أول ل 29 أيار 1949. كنت أضلني كل الوقت حاملي بنتي، وكانت حدّي ساكني مرت موسى الخليل مع بنتها وكنا نزور بعضنا. ما فش حدا يعني، البلد فاضي، كنت أفوت ع البلد وشعر راسي يوقّف من الخوف لأنها فاضي. صارت الناس تشتغل بأرضها وتزرع ذرة مكان الدخان، لأنه الذرة بيضاء بدها أقل عناية ووقت مثل الدخان...
بعدين صارت أهل اقرث ترجع شوي شوي ع البلد وخاصة انه الجيش ما وفى بوعده. كثرت الناس وساعتها أجا الجيش وقرر انه يرحلنا كلنا. جابوا ترك ووقفوه على الشارع تحت. الناس جمّعت أواعيها حتى تحملها بس الجيش ما رضي...

 

ليلة الميلاد - 1951/12/24


حدثنا أبو نعمه:

بفترة الحكم العسكري كان مسموح نزور بلدنا بس بيوم استقلال إسرائيل، كانت الناس تسافر بدون تصاريح. بذكر أول زيارة الي لإقرث بعد التهجير، استأجرنا أنا وعائلتي سيارة مع شوفير من الرامه من دار مويس، ورحنا ع البلد. البلد يومها ما كانت مهدومة. أنا لما شفت البلد ضليتني ابكي انا وعمتي مريم، من الحزن ما قدرت أروح ع بيتنا، شفت باب البيت من بعيد مفتوح والبلد فاضي. حسّيت بمشاعر غضب وخوف، والله ساعدني ما أنهار.
الناس يومها كانت متأكدة انها راح ترجع ع بيوتها بإقرث. أهل البلد توجهوا للمحاكم الإسرائيلية وطالبنا بالعودة، لكن بنفس الفترة اللي حصلنا فيها على تأشيرات من المحكمة لدخول البلد والبدء وبتجهيز وترميم البيوت استعداداً للعود، دخل الجيش ع البلد بليلة الميلاد سنة ال 51 وفجّر كل بيوتها بالألغام والمدفعيات ما عدا الكنيسة.
أنا لليوم بضلني حاسس انه في اشي ناقص، كلمة وطن ناقصة. أنا بنام وبفيق وباكل وبضلّ فكري بالبلد. أنا لليوم كل ما اكتب مقال بشي جريدة بمضي من تحت: معروف أشقر- إقرث- كفرياسف.

 

ما تبقى...


حول المسيرة القضائية حدثنا أبو رياض:


وإحنا بالرامة كثير حاول الحاكم العسكري إنه يعطينا أراضي مقابل أرضنا بإقرث وكنا دائما نرفض. عرضوا علينا نبادلها بأملاك غائبين من شعب وفسوطه وكفر عنان والصونة وغيرها من القرى.
الدولة مع الوقت صارت تبني على أراضينا. بنوا يشوف غورانوت هجليل على أرضنا وأرض أولاد عمي (مستوطنه يهودية بنيت عام 1980 على أنقاض قرية إقرث وقرية تربيخا). لما خلص الحكم العسكري صرنا نقدر نطلع ع البلد، وطلبنا من المطران إنه يتوسّط لوزارة الأديان حتى نصلح ونرمم الكنيسة اللي تضررت بعد ما نسفوا البلد. ونجحنا بالحصول على الموافقة ورممنا الكنسية اللي بعدنا بنصلي فيها لليوم. وسمح النا إنه ندفن أموات إقرث بس بسنة 1971 بعد مطالبات وملاحقات عديدة لوزارة الأديان، واليوم اللي برجع لإقرث هم بس الموتى.
أهل بلدنا مش ساكتين، ومن يوم الترحيل ولليوم وإحنا بمحاكم مع الدولة لإرجاعنا وتطبيق قرار محكمة العدل بإرجاعنا. عملنا كثير مظاهرات واعتصامات وإضرابات كخطوات احتجاجية. وكل سنة أهل إقرث بنظموا مخيم صيفي لأطفال وشباب إقرث حتى يكمّلوا مسيرتنا.


____________

* رنين جريس: مركزة مشروع التاريخ الشفهي في جمعية ذاكرات.
تم تجميع الشهادات عام 2010 بالتعاون مع جمعية أهالي إقرث (www.iqrit.org).

المزيد في هذه الفئة : « عقود أخرى من المعاناة!