عقود أخرى من المعاناة!

مخيم عين الحلوة للاجئين، لبنان، نيسان 2008، تصوير: فرانكلين لامب مخيم عين الحلوة للاجئين، لبنان، نيسان 2008، تصوير: فرانكلين لامب

بقلم: د. طلال عتريسي*

ربما أمكن القول أن واقع الفلسطينيين في لبنان كان الأشد تعقيداً من أي بلد عربي آخر لجأوا إليه بعد احتلال بلدهم وطردهم منها عام 1948. وقد لا نبالغ عندما نقول أن هجرة الفلسطينيين حتى إلى الدول الغربية في أميركا وأوروبا لاحقاً، لم تشهد مثل تلك التعقيدات السياسية والمعيشية والأمنية التي عرفها الفلسطينيون في لبنان في العقود الأخيرة. ولا شك أن للمسألة علاقة مباشرة بالمستويات الثلاثة التالية:

- المجتمع اللبناني الذي يتشكل من ثمانية عشر طائفة شديدة الحساسية والمخاوف من أي تغيير في علاقاتها المتبادلة فيما بينها.
- النظام السياسي الطائفي الذي يستند إلى توازن دقيق بين أطرافه، التي تتقاسم السلطة وتخشى من أي تبدل أو انقلاب في موازين القوى بين الطوائف التي تتقاسم هذه السلطة.
- التأثيرات الإقليمية المباشرة على لبنان، وعلى طوائفه وقواه السياسية المختلفة؛ بحيث بات من ثوابت فهم الوضع السياسي اللبناني وتوقعاته المستقبلية، المتابعة الدقيقة لما يجري في محيطه الإقليمي سلماً أو حرباً.


يمكن أن نضيف إلى هذه المستويات اللبنانية، مستويات أخرى فلسطينية موازية، بعضها رافق لجوء الفلسطينيين إلى لبنان في عام 1948، والآخر كان نتيجة التغيرات والانقسامات التي عرفها المجتمع الفلسطيني اجتماعياً وسياسياً وأمنياً في العقود القليلة الماضية، إلى علاقات المنظمات الفلسطينية بالحكومات العربية المختلفة.


فقد توزع الفلسطينيون في المناطق اللبنانية المختلفة وباتوا من حيث لم يرغبوا ولم يلتفتوا إلى ذلك جزءاً من تعقيدات الواقع السكاني الطائفي الذي عاشوا فيه. فنظر البعض إليهم على أنهم سنة، واعتبر آخرون، المسيحيون منهم، ذوو امتيازات لأنهم حصلوا على جنسية لبنانية قبل سواهم من الفلسطينيين المسلمين، وربطت بعض الاتجاهات السياسية بين وجودهم وبين الانتقاص من سيادة لبنان لأنهم "غرباء". وحمّلهم كثيرون سبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، في حين وقف لبنانيون كثر ومن طوائف مختلفة إلى جانبهم وحملوا السلاح معهم لقتال إسرائيل دفاعاً عن "القضية الفلسطينية".


إذن لم ينظر اللبنانيون بعين واحدة إلى "اللاجئين الفلسطينيين" في لبنان. ولم يقتصر الأمر على مجرد الاختلاف في وجهات النظر تجاههم. بل حصلت مواجهات وحملات عسكرية مباشرة ضد مخيماتهم، قام بها الجيش اللبناني في مطلع السبعينيات. ثم مجازر دموية وحملات تهجير نفذتها القوى المسيحية (الكتائب) مع بداية الحرب الأهلية عام 1975. لكن ذلك لا يعني أن القيادة الفلسطينية لم تكن بدورها مسؤولة بشكل مواز عن هذه العلاقة المرتبكة وغير المستقرة بينها وبين البيئة السياسية اللبنانية الرسمية وغير الرسمية، خصوصاً وان تعدد المنظمات الفلسطينية ومعها ولاءاتها للحكومات العربية جعلها مثل باقي الطوائف اللبنانية تتأثر بشكل كبير بما يجري خارج لبنان من تحولات وبما يطرح من مشاريع يختلف حولها ويتصادم من اجلها ليس اللبنانيون فقط بل والفلسطينيون أيضا. الحرب الأهلية عام 1975 تعتبر لحظة حاسمة في هذا التورط الفلسطيني في تعقيدات الوضع اللبناني وامتداداته الخارجية. هكذا يعتبر قسم من اللبنانيين أن الفلسطينيين هم جيش السنة في لبنان، بينما تنظر إليهم الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية (العلمانية) باعتبارهم القوة العسكرية التي ستساعدهم على تحقيق الانقلاب بالقوة العسكرية لاستلام السلطة والهيمنة على قوى اليمين اللبناني... ويدفع الفلسطينيون ثمن هذا التحالف، وثمن هذا "الوهم" في السيطرة "الوطنية" و"التقدمية" على لبنان خلافاً صعباً مع سوريا سيستمر سنوات طويلة.


يستعاد اليوم الخلاف حول الوجود الفلسطيني في لبنان من أبواب شتى. لها علاقة مباشرة بما جرى في لبنان من تحولات سياسية واجتماعية وأمنية خصوصاً بعد اغتيال الرئيس الحريري عام 2005 وبعد الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، وبما حصل في المجتمع الفلسطيني داخل لبنان وخارجه من تغيرات، أبرزها صعود القوى الإسلامية باتجاهاتها كافة، إلى الانقسام اللاحق بين حماس والسلطة الفلسطينية، إلى المخاوف من انخراط أو من استخدام بعض القوى الإسلامية الأصولية في الصراعات السياسية أو العسكرية اللبنانية التي اتخذت في لحظة معينة طابعاً مذهبياً خطيراً... وبما ترافق مع ذلك كله من مشاريع إقليمية لها صلة بمستقبل لبنان وبمستقبل الشعب الفلسطيني وبقضيته وبلاجئيه، أي ما يكرره الجميع حول التوطين.


لقد تحول "توطين الفلسطينيين" في السنوات الماضية، إلى قضية سجالية مركزية في لبنان. فثمة من يحذر من هذا المشروع تارة، ومن يثير المخاوف منه تارة أخرى؛ خصوصا وان البعض تحمس لنزع السلاح من داخل المخيمات وخارجها بعد خروج القوات السورية عام 2005. كما لفت البعض الآخر إلى "مشاريع مشبوهة" لتوطين الفلسطينيين تخل بالتوازن الهش بين أعداد الطوائف والمذاهب في لبنان. في مقابل ذلك ربط البعض بين رفض التوطين وبين الدفاع عن استمرار سلاح المقاومة بيد حزب الله، لأن التخلي عن هذا السلاح يعني عدم القدرة على مواجهات أي اعتداء إسرائيلي أو أي مشروع لتهجير المزيد من الفلسطينيين (الترانسفير)، أو منع طرد فلسطينيي 1948 لتنقية الدولة اليهودية المزعومة (التي طالب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قيادة السلطة الفلسطينية الاعتراف بها قبل بداية التفاوض المباشر بينهما في مطلع أيلول/سبتمبر 2010).


لم تكد عاصفة التوطين تهدأ قليلاً، حتى "انفجرت" بعدها مباشرة عاصفة الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان. وكان من المتوقع أن تشهد هذه العاصفة السجالات السابقة نفسها حول التوطين بين الأطراف السياسية والطائفية المختلفة في لبنان. وكان من اللافت أن تستعاد أحيانا المفردات السلبية نفسها للمراحل الماضية، أي قبل أكثر من ثلاثة عقود في العلاقة الفلسطينية – اللبنانية. أي اعتبارهم غرباء، واعتبار أن الخدمات التي ستقدم إلى الفلسطينيين في المخيمات، أو الحقوق التي سيحصلون عليها ستشجعهم على التوطين تارة أو ستكون على حساب اللبنانيين تارة أخرى.


لنأخذ على سبيل المثال أعداد الفلسطينيين كنموذج للخلاف حول قضية التعامل مع "حقوق الفلسطينيين" في لبنان. ففي ظل غياب إحصاء دقيق وعلمي حول هذه الأعداد من الهيئات الرسمية اللبنانية، ينقسم الطرفان اللبناني والفلسطيني حول هذه الأعداد. فيرى "الفريق اللبناني" (في ندوة مشتركة) مع "الطرف الفلسطيني" الذي يمثل هيئات مدنية مختلفة، أن هذه الأعداد تقترب من نصف مليون. في حين لا يتجاوز هذا العدد بالنسبة إلى الفلسطينيين المائتين وخمسة وعشرين ألفا" (والحد الأقصى 300 ألف). في حين أن رقم الأونروا يفيد بوجود نحو 400 ألف فلسطيني مسجلين في لبنان. أما مبررات هذا الخلاف فتعود إلى ما يمكن أن يترتب عليه على مستوى الحقوق أو الضمانات التي يريدها الطرف الفلسطيني. لأن اللبناني يعتبر أن مثل هذا الرقم المرتفع سيشكل أعباء غير عادية على البنية الرسمية والإدارية مثل الضمان الاجتماعي، بالإضافة إلى ثقل المسألة الديمغرافية وحساسيتها المفرطة على البنية الاجتماعية اللبنانية... كما أن الأرقام المرتفعة سوف تبرر بالنسبة إلى الطرف اللبناني المخاوف من التوطين ومن حق التملك والعمل... لأنها ستغير ذلك التوازن الهش الذي اشرنا إليه بين أعداد الطوائف والمذاهب اللبنانية. لذا يمكن أن نفهم المواقف المتشنجة من بعض القوى السياسية في الجلسة العامة لمجلس النواب اللبناني التي عقدت في 15/6/2010 لبحث حقوق اللاجئين الفلسطينيين، حيث صدرت المواقف التي ترفض مواربة هذه الحقوق بحجة أنها ستساهم في التشجيع على التوطين تارة، وفي تغييرها للتوازن داخل البلاد تارة أخرى...


وهذا يفسر تفاوت ردود الفعل على مشروع القانون الذي صدر عن المجلس النيابي اللبناني في تلك الجلسة الذي يمنح الفلسطينيين حقوقا اجتماعية وإنسانية مثل حق العمل لكنه يحرمهم حق التملك. التفاوت كان جليا بين من رحب به كخطوة مهمة، ومن رأى انه لا يمثل الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين في لبنان، وأنه أبقى على حالة التمييز والحرمان المزمنة منذ عقود، خصوصا حق التملك والضمانات الصحية والاجتماعية. في حين رأت فيه قوى سياسية أخرى خطوة ناقصة وغير كافية ولا تلبي مطالب شعبنا في لبنان... بينما رفضت قوى أخرى فصل حق التملك والضمان عن باقي الحقوق المدنية. ففيما يتعلق بحق العمل اقترحت بعض القوى عقد عمل شامل ومفتوح يستثني القطاع العام في لبنان.


تبدو المشكلة الرئيسة فيما أقره مجلس النواب اللبناني إغفاله حق التملك للفلسطينيين المقيمين في لبنان منذ عقود. وتؤكد الاعتراضات من الجهات الفلسطينية كافة على أولوية هذه المشكلة استناداً إلى مشروع القانون الذي تقدم به هذا المجلس في تلك الجلسة الشهيرة. لكن ما جرى في تلك الجلسة يستحق التأمل من جوانب عدة: فهي المرة الأولى في تاريخ لبنان التي تبحث فيها قضية حقوق الفلسطينيين على هذا المستوى من التشريع الرسمي. لكن في الوقت نفسه كشفت النقاشات التي دارت في تلك الجلسة أن "الوعي" اللبناني تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه حقوقه المدنية والإنسانية عامة لم يتجاوز تاريخ النظر إليه ك"غريب". ولذا اعتبر بعض من ناقش ما جرى في مجلس النواب بأنه عودة إلى مصطلحات الحرب ضد الفلسطينيين التي عرفها لبنان في السبعينيات من القرن الماضي.


لم تقدم المستويات الرسمية اللبنانية تصورات واضحة عن مستقبل العلاقة اللبنانية الفلسطينية خصوصاً على مستوى الحقوق المدنية والاجتماعية. أما ما هو أهم وأخطر فهو موضوع التوطين. فلم نشهد، باستثناء التلويح به كفزاعة، أي تصور محلي أو إقليمي، لبناني وفلسطيني وعربي... لكيفية التعامل مع هذا الموضوع لمنع تحققه. أو ما هي العلاقة الفعلية بين الحقوق التي يمكن أن يحصل عليها الفلسطيني وبين توطينه في لبنان؟


ربما أمكن القول أن ما حصل عليه الفلسطينيون من حقوق لم يعترف لهم بها سابقاً هو فعلاً خطوة أولى في طريق الألف ميل. لكن ما لا ينبغي نسيانه أن هذه الحقوق المفترضة سيحصل عليها الفلسطينيون في لبنان، أي في تلك البيئة التي لا تهدأ، من التجاذب الطائفي والسياسي والإقليمي والدولي التي قد تعرقل مجددا حتى الحصول على تلك الحقوق "المنقوصة". ويكفي أن نشير إلى السجالات الدائرة منذ أشهر حول المحكمة الدولية وحول قرارها الظني وحول شهود الزور... التي عطلت كل أوجه الحياة الأخرى في لبنان لنتأكد أن مشروع قرار الحقوق المدنية والإنسانية للفلسطينيين في لبنان قد يطوى بدوره سنوات مع استمرار هذه البيئة من عدم الاستقرار في لبنان... وما لا يمكن إغفاله أيضا أن قبول هذا الجزء المنقوص من الحقوق يعني، بحسب التجربة اللبنانية، أن ما تبقى من حقوق لن يتم الحصول عليه قبل انقضاء عقود أخرى من المعاناة...
______________
* د. طلال عتريسي: أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية