حق العودة إلى الصفصاف نقيض التوطين

قرية صفصاف، 2008 )المصدر: palestineremembered.com قرية صفصاف، 2008 )المصدر: palestineremembered.com

بقلم: علي زيدان*

وسط ضجيج السياسة وخطب السياسيين في لبنان ضد التوطين والخوف من التغيير الديمغرافي الذي يسببه الوجود الفلسطيني في لبنان، تذكرت ما قام به أبناء قرية الصفصاف منذ عامين من إحياء لذكرى مجزرة الصفصاف التي إرتكبتها العصابات الصهيونية في 28 تشرين أول/ أكتوبر من عام 1948.

يخشى معظم الساسة اللبنانيين من توطين الفلسطيني في لبنان. وقد أصبح هذا الموضوع فزاعة لدى معظم الطوائف، يرفعونها بالتناوب حسب الحاجة. وأحياناً تصبح هذه الفزاعة سبباً لتوافق بعض القوى السياسية المتناقضة في لبنان. كذلك يخشى الفلسطينيون من هذه الفرضية، ويرفضون هذا الحل، الذي لم يطالبوا به يوماً. بينما يطالب الفلسطينيون في لبنان بعودتهم إلى بيوتهم وقراهم الأصلية التي هُجِّروا منها في فلسطين منذ العام 1948، يطالب العديد من السياسيين اللبنانيين، بترحيل الفلسطينيين إلى أي مكان آخر خارج لبنان، بدعوى أن لبنان ضيِّق على أهله! وتركيبته الديمغرافية لا تحتمل شعباً آخر. أي، تهجير آخر إلى شتات مجهول، ودون إكتراث أو مبالاة.

في ذلك اليوم، منذ نحو عامين، تجمع أبناء قرية الصفصاف، وأبناء قرى فلسطينية أخرى، ومعهم بعض اللبنانيين، في مبنى بلدية صيدا، ورفعوا شعار: "لن نتنازل عن حق العودة إلى الصفصاف". وقد سعى الصفاصفة إلى تذكير المجتمع اللبناني، ومن عبرهم المجتمع الدولي، إن إقامتهم في لبنان مؤقتة، وهم لن يرضوا بديلا عن فلسطين، وبالتحديد عن تلك القرية الجبلية المتفيَأة بظلال جبل الجرمق، من أعلى جبال فلسطين (1208 م عن سطح البحر). وقد شاهدت الشباب الصغار الذين ولدوا في الشتات، جنبا الى جنب مع الكبار الذين أُخرجوا من فلسطين، محتفظين بمفاتيح دورهم، التي أضحت رمزاً للعودة، مثقلين بجروح النكبة، وذكريات البلد، وهاجس العودة. تفتحت الجروح التي لم تلتئم بعد. وأشرقت آمال لم تندمل. وتذكرت ما قاله الشاعر الصفصافي صلاح حمد عن جبل الجرمق:

امش حيث شئت
امش كيف شئت
امش أينما شئت
لكن أنتبه
الجرمق ما زال مكانه!
أنتبهوا: الجرمق ما زال في الأنتظار!

الصفصاف قرية صغيرة من قضاء صفد في شمال فلسطين. هُجِّر أهلها بعد مقاومة باسلة ضد العصابات الصهيونية، وإثر مجزرة بشعة إعتاد على فعلها الصهاينة وراح ضحيتها أكثر من 75 شخصا من أبناء البلدة ومن لجأ إليها من القرى المجاورة. نقل أبناء بلدة الصفصاف حدود قريتهم إلى مدن الشتات ومخيمات اللجوء، لكن عقولهم وقلوبهم ظلت في الصفصاف- في فلسطين. يومها، قال أبو فؤاد يونس أمام الجميع، أن الصفصاف لا تفارق خياله، ويتمنى العودة في كل لحظة، وأنه مستعد لأن يعود ماشياً، حافياً، ويترك كل شيء بلا تردد او تفكير. وكلما نظرت إلى المفتاح المعلق على الحائط، تجول في خاطري ذكريات أبي وجدي عن البلد، فأراها أمامي ويراها أبنائي كأننا كنا فيها أمس، ونعود إليها غداً، أو بعد غدٍ. هذا المفتاح صار أيقونة معجونة من ذكريات الآباء ومشاعرهم وآمالنا؛ هذه الصفصاف وغيرها تنتقل من الكبير إلى الصغير، وتُرضعه الأم لأطفالها. هكذا من جيل إلى جيل.

غير أن الكثير من السياسيين في لبنان لم يستطيعوا إدراك عمق هذه المشاعر، فأنشغلوا بتصنيف الفلسطينيين على أساس عنصري، وماذا يستحقون، وما لا يستحقون كي لا يغيروا بالموزاييك الديمغرافي للطوائف في لبنان. والآن، بعد مضي أكثر من اثنين وستين عام على تلك النكبة البشعة، التى أجبرت جزءاً من الفلسطينيين أن يلجأوا إلى لبنان، ما يزال كثير من السياسيين ومن يتأثر برأيهم، أكثر جهلا بواقع الأمر. وكثيراً ما يخطر ببالي السؤال: هل هذا الجهل طبيعي/تلقائي أم مقصود؟ خاصة عندما يختلط هذا الجهل بنكهة عنصرية ومؤذية. من حين إلى آخر، يطلع علينا بعض أولئك السياسيين بإقتراحات خلابة. من بينهم من يقترح بناء أبراج في المخيمات حتى لا يغادر الفلسطينيون حدود قضيتهم، أو ينسوها إذا ما تملكوا شقة في لبنان. وبينما يروِّجون لمخيمات على شاكلة أبراج دبي، تناسوا ما يضعونه من عقبات أمام إعادة إعمار مخيم نهر البارد الصغير حتى الآن. ومنهم من قال إن تملك شقة هو مؤامرة معروف من يحيكها في الظلام. وهنالك من أقترح نقل اللاجئين إلى سوريا، أو أي بلد آخر. وأمثلة كثيرة لا مجال لسردها هنا. أمثلة لا تنم عن جهل فقط. تذكرت قصصا كثيرة وسط هذا الضجيج. كيف يمكن للاجيء، مثلاً، أن يبتسم، أو أن يمتلك بنطالين، أو أن يبدو أنيقا، او أن يضع عطراً، أو أن يضع على شعره جل. إستفسارات غريبة تسمعها من بعض الناس؛ بينما على الحواجز التي تحد المخيم يحسبون أنه ضلّ الطريق.

لقد قابلت الكثير من أبناء بلدتي الذين عاشوا في الصفصاف في فلسطين قبل عام 1948. وأنا الذي لم يحالفني الحظ، حفظت قصص والدي كأنني عشت هناك. غير أن الأيام التي أدبرت ساقتنا إلى هنا، فأصبحنا عبئاً على التركيبة الديمغرافية، أو بقايا شعب زائد في المنطقة لا مكان له تحت هذه الشمس. أحيانا أرى بعض الأوراق القديمة التي تركها لنا أسلافنا، عن أملاكنا التي تنتظرنا هناك، وعن حياتهم اليومية. كانوا يأتون من قريتي الجبلية الى لبنان للإصطياف والسياحة، بتأشيرة "فيزا اصطياف" من القنصلية اللبنانية في حيفا. هذا والصفصاف قرية جبلية صغيرة من قرى مدينة صفد في شمال فلسطين؛ ليست مدينة كبيرة ولا حتى صغيرة؛ بل قرية سكانها من الفلاحين، مرتبطون بأرضها وفضائها، ويحبون الحياة كما غيرهم من البشر. لم أسمع من أبناء بلدتي، وجيراننا من القرى المجاورة للصفصاف من يطالب او يفكر بالتوطين في لبنان، ولم يتملَّكوا لبنان، ولم يقضموه، أو يبتلعوه بالرغم من أن قانون منع التملك وملحقاته التي حرَّمت حتى توريث المسكن، هو حديث العهد (صدر عام 2001).

في ذلك اليوم، سمعت من الذين حضروا إحياء الذكرى، أنهم لن ينسوا، ولن يتنازلوا عن حقهم بالعودة. ولن يرضوا بأي أرض، أينما كانت، بديلاً. أبو فايز شريدي قال أنه يرضى ان يقيم في "شادر" على أرض الصفصاف وأن يدفن في ترابها حتى لو ملّكوه في لبنان والدول العربية. لن أنسى تلك المرأة، من قريتي، التي توفي زوجها في البرج الشمالي وأصرت على دفنه في بنت جبيل الحدودية، والقريبة من الصفصاف، كي تتمكن من نقله الى القرية عندما تعود إلى البلد. توفيّ والدي قبل أن يعود إلى الصفصاف. غير أنه ظل يأمل بالعودة إلى لحظة وفاته المفاجئة. وعندما فكرت بأن أشتري شقة صغيرة تأويني وأسرتي قال أبي، لماذا تشتري شقة الآن؟ "بلكي رجعنا عَ فلسطين". قلت له إذا عدنا، سوف أتركها، ولن أسأل عنها.
___________________
*علي زيدان: باحث فلسطيني مقيم في لبنان.