مخيم نهر البارد: عقارب الساعة تشق طريقها في لحم المعاناة

مخيم نهر البارد: عقارب الساعة تشق طريقها في لحم المعاناة بدء أعمال الاعمار في مخيم نهر البارد، 2010، المصدر: ص www.arteeast.org

بقلم: مروان عبد العال*


لكل مخيم حكاية، ولمخيم نهر البارد حكايته. هو ليس وكرا ولا ملجأ ولا بؤرة تعاند القانون، ولا مضادا حيويا في وجه السلم الأهلي والاستقرار الداخلي، كي لا يسئ فهمه أحد ما. بالنسبة لأبنائه، هو المعنى الأول والدرس الأول في أبجدية عشق الوطن، ولذلك كان مخيم البارد الوحيد والأول من مزق أبناؤه مشاريع الإسكان في الخمسينات. فأمسى لا يحتاج لمن يعلمه رفض التوطين، هو المدرسة والمجتمع الذي حفظ سر البقاء وديمومة الاستمرار وقوة الذاكرة وعاند الغياب، وعلى مدار ستين عاما من النكبة والشقاء، بقي يعج بالحياة وبكل ما تحمله الكلمة من معنى:

- المخيم النسيج الاجتماعي، التكافل والتعاضد وشبكة المصاهرة التي تجاوزت نسيج القرى التي هجروا منها عام 1948، لتنتج كيانا اجتماعيا جديدا ومفترضا اسمه المخيم. المخيم الذي أكد حضور الهوية في مستواه العلمي والثقافي عبر آلاف الخريجين حملة الشهادات الجامعية والاختصاصيين في مختلف المجالات، ومئات الطلاب الجامعيين، وعشرات المؤسسات الاجتماعية والتربوية، والثقافية، والأندية الرياضية على اختلاف أنواعها. المخيم العصب الاقتصادي حيث مئات المحلات التجارية الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، والمعامل الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، والصيدليات والعيادات الطبية والمستوصفات. هو مجتمع منتج نصف قوة عمله داخله.


- المخيم الفضاء السياسي الذي ظل على الدوام ممسكا بهويته الوطنية عصيا على كل المشاريع والمخططات التي لم تتوقف منذ أكثر من ستين عاما... قدم مئات الشهداء ليبقى حق العودة مصانا وتبقى فلسطين عهدنا ووعدنا.


هذا هو المخيم لكل من وقع في الالتباس عبر محاولات تحويله إلى "فزاعة" لذاته ولغيره، قصدا أو سهوا... لغاية تدمير دلالته الوطنية كحاضن للذاكرة والهوية والحلم؛ انه بامتياز يعبر عن ثقافة وطنية أصيلة بكل تفاصيلها وملامحها... انه القضية... لمن أراده جرحا نازفا، ومأوى لأبنائه نابذا أي شتات جديد، ومنفى متجددا.


انه المخيم الذي زرعنا في كل زقاق فيه قرية فلسطينية، انه المخيم الذي عشش فيه الجليل ذكريات البيارة، وأيام الحصاد... "علميجانى و احلق يا حلاق بموس الدهبيه"... "ويا ظريف الطول"...


انه المخيم... انه بحق الشاهد الحي على جريمة الاقتلاع، فيه ترعرعت أحلام العودة فكان هويتنا الوطنية الفلسطينية المعاصرة.


نهر البارد كان معنى المخيم، "الهوية والمكانة" كانت نكبته الأولى يوم اقتلع من جليل فلسطين، والضحية في نكبته الجديدة يوم استهدفت هذه المكانة وهذه الهوية بأيدٍ سوداء تسللت من خارج نسيجه الاجتماعي، كي يكون الشرارة لتمزيق هذه الميزة الاجتماعية التي احتواها المخيم، ولتطال خارطة المخيمات على ارض لبنان، مستفيدة من ثغرات التجاذبات الداخلية اللبنانية. وكانت دلالاته الأكثر وضوحا يوم استبيح من قبل هؤلاء لأنه كان قد نأى بنفسه وبحس فطري وتوجه سياسي فلسطيني أحسن التعلم من تجربة الحروب الأهلية السابقة ونتائجها وقرر أن يكون خارج الفتن الداخلية، لأنه في قلب الصراع مع العدو الصهيوني، أي لانه عاند بحياديته ورفضه لان يكون قوة احتياط لأي فريق أو طائفة، أو يكون وقودا للاستخدام في طاحونة أحد أو عود ثقاب لحريق أوسع يطال كل البلد.


كان المخيم ضحية الحرب، قلبت حياة الناس رأساً على عقب، تساوى الجميع في الفقدان، وتفرقت العائلات، وتبدلت الحياة وتمزقت بعنف فجائي، صار للحارة اسم آخر قد يكون رقماً أو حرفاً ومن ثم رزمة وقطاع. وتناثر المخيم الواحد إلى شظايا، وتجمعات، في جديد لم يرمم، وقديم لم يستعد، ووقت يمضي وهو من صبر ودم وألم وأمل، في حيوات مؤقتة في البركسات ونزوح يتوزع في أمكنة مستأجرة.


صار المغيث يحتاج لإغاثة ضرورية، والمنتج مستهلكاً، والمعيل يحتاج لمن يعيله، في مجتمع مقطع الأوصال ونسيج ممزق، وإنسان مرقم ومهمّش، معرض دائماً للتدقيق والتمحيص والفحص المخبري والنفسي والأمني، كأنه بلا أصالة وهوية وتاريخ وأحلام، هائماً بين المؤقت والمؤجل، ذاك الوعد المحتم ولكنه الذي لم يتحقق بعد. يشعر كأنه ضحية الكلمات والخطب والمؤتمرات التي تجد لها في النفس هوى ولا تجد لها في الواقع صدى، وعلى مدار السنوات الثلاث يتعمق عند أبناء المخيم المكلوم ذاك الشعور المرير بالاضطهاد والظلم والقهر.


بيد انه سعى ويسعى لمواجهة ثقافة الإقصاء والكراهية ومحاولات تحويله إلى قاتل متمسكا بإعادة اعماره واستعادة الحياة الكريمة لأبنائه. مسيرة استعادته ظلت تعاني من الانتظار منذ دعوة الحكومة بان الأعمار حتمي ومؤكد، إلى وعد الحكومة اللبنانية الموحدة وفي بيانها الوزاري، وقسم فخامة رئيس الجمهورية بأن مخيم نهر البارد كان "جرحا"، وأن اعماره ضرورة حتمية، وانه المخيم الأول الذي سيكون في قلب الشرعية والذي سيعاد اعماره بصورة نموذجية! وفعلاً جرى عدة احتفالات رسمية لإعادة اعمار البارد ووضع حجر الأساس والاحتفال بانطلاق العمل.


لقد ذللت كل العقبات: سياسية وقانونية وإدارية وحتى مالية، عبر مرسوم تملك المخيم القديم وتبني مجلس الوزراء مجتمعا للمخطط التوجيهي، وكذلك التنظيم المدني. وشرعت الانروا بإزالة الركام ورص التربة ونزع الألغام وجميعها استغرقت وقتا وإجراءات بيروقراطية ليست بالأمر السهل.


الوقت لنهر البارد ليس كأي وقت، انه من دم! لان عقارب الساعة تشق طريقها في لحم المعاناة، وتقطع ذاك الشعور القلق بالضيم والخيبة والانتظار والترقب، وأحيانا عدم تصديق الوعود والشك بتنفيذها من أبناء المخيم في المخيم الجديد الذي يعيد ترميم نفسه على أيدي الأهالي، الذين يعيشون ظروفا هي الأسوأ في أربع مجمعات داخل المخيم تسمى أحياء البركسات، وهي مستوعبات حديدية وإسمنتية لاحقا ستستوعب أكثر من ألف عائلة، كانت أنظارهم تلتفت نحو الشروع الفعلي في صب الأساسات وخروج الرزمة الأولى التي تعد ب 510 وحدات سكنية من أصل ثمانية حزم تشمل كل مساحة المخيم القديم، كانت قد وضعت الانروا خطة لبناء ثلاث رزم من أصل ثمانية، وقد توفرت مبالغ مالية لثلاث رزم وبشكل نقدي، رغم أن الالتزامات الدفترية كانت أضعاف ما وعدت به الدول المانحة في مؤتمر فيينا في النمسا.


وحيث برزت عقبة الآثار، والزعم بان تحت المخيم تختفي مدينة بيزنطية منذ ألفي سنه اسمها ارتوزيا والطعن القانوني، مما أعطى إحساسا لدى المجتمع المحلي والسياسي الفلسطيني، بأن ثمة محاولة لإعاقة الأعمار وإدخال العملية في نطاق التجاذبات الداخلية اللبنانية. ورسمت لجنة المتابعة العليا لإعادة اعمار البارد توجهاتها عبر صلاتها مع كافة الأطراف، وبالأخص لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، في التأكيد على التزامات الاعمار وبناء الثقة عبر التحركات والاتصالات، والمطالبة بان لا يكون المخيم صندوق بريد عبر إدخاله في التجاذبات الداخلية اللبنانية، حيث كان الخطاب الفلسطيني يؤكد: " أن إعادة الإعمار والتعويض عن الأضرار وإعادة الحياة المدنية والثقافية والاقتصادية الفاعلة له هي السبيل للدفاع عن قضية اللاجئين وحفظ الوجود الفلسطيني والتمسك بحق العودة..."، مشيرة إلى " أن عدم إعمار المخيم هو تشتيت جديد وتمزيق للنسيج الاجتماعي والوعاء الذي حمل الذاكرة عبر الأجيال وحفظ الهوية الوطنية من التبديد والضياع". بمعنى أن عملية إعادة الاعمار هي من مسؤولية الجهات المعنية كافة وعلى رأسها الحكومة اللبنانية، وطالبتها بتذليل العقبات السياسية والقانونية والإدارية كافة أمام إعادة الإعمار.


أي نموذج نريد؟


إن صحة النموذج الذي نراه مناسبا يبدأ من خطوة إعادة إعمار البارد واستعادة الحياة للمخيم بوصفه ذاك الشاهد الحي على نكبة فلسطين وجريمة الاقتلاع للشعب الفلسطيني وبحضور هويته تبقى قضية اللاجئين حاضرة. واغتيال الشاهد هو خدمة لمشاريع التوطين والتهجير ولا يصب إلا في خانة خدمة المخطط الصهيوني.


1) النموذج الذي نريد هو أن يعاد أعمار المخيم الجديد - الذي أطلق عليه اسم المنطقة المتاخمة للمخيم – ان اعتبار انه ليس ضمن الحدود الجغرافية للمخيم، بل هو منطقة لبنانية يسكنها فلسطينيون، يأتي ربما لإخراجه من وضعية الاستثناء من خلال استخدام سلاح القانون لإعاقة اعمار المباني المهدمة. والجميع يعرف أنها مبنية على أراضي تم شراؤها من قبل الفلسطينيين لغرض السكن وفي نطاق النمو الطبيعي للمخيم، وجرت بتراضي الأطراف وبورقة كاتب عدل. أما الحديث الآن عن الأمان الإسكاني والدعوة إلى شراء الأرض من أصحابها وتسجيلها باسم شركة عقارية بحجة أن الفلسطيني لا يحق له التملك حسب قانون 2001، فهي دعوة صريحة لزرع القلق في الواقع الفلسطيني وضرب الأمان الإسكاني، فإما أن يعدل قانون التملك الذي يستثني الفلسطيني من التملك، أو يؤخذ قرار سياسي يعتبر الأولوية لإعادة اعمار ما تهدم، وبعد ذلك يجري النظر في المخارج القانونية وليس العكس.


2) وقوع المخيم في نطاق سيادة الدولة، يضع الدولة أمام تحدي تقديم الخدمات للمنطقة المتاخمة، حيث يقارب عدد الفلسطينيين بالمخيم الجديد حوالي 20 ألف نسمة. وتزداد أهمية هذا الأمر في ظل حصر مهمات الانروا في الإغاثة والبناء بالقسم الجديد ورفع يدها عن البنى التحتية وتقديم الخدمات في القسم الجديد كما هو حال الوزارات اللبنانية المعنية. يضاف الى ذلك ان التمييز بالتعويض، أي تعويض المواطن اللبناني بالمحيط عن خسائره، واستثناء الفلسطيني، في ظل غياب لأي اتفاق حول مستقبل العمل في المخيم بين الأطراف المسؤولية للانروا والفصائل الفلسطينية والدولة اللبنانية، يستلزم التدخل؛ لان السيادة تعني حفظ الكيانية اللبنانية لكنها لا تلغي بأي حال الهوية الفلسطينية.


3) نموذج حكم المخيم، كيف سيملأ الفراغ وبالتأكيد ليس ببقاء المخيم تحت الحالة العسكرية والدخول بالتصاريح لأي فلسطيني وإصدار إجازة دخول لساكني المخيم وتسجيل أي لبناني على معبر واحد. إن بقاء هذه الحالة لها كلفتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية على واقع أبناء المخيم والحالة الفلسطينية عامة. لذلك لا بد من التفاهم السياسي حول واقعه الجديد ومسؤوليات الأطراف عنه لناحية الخدمات والأمن وإعادة الحياة المدنية، بدلاً من الحالة العسكرية، ولاستعادة مكانة المخيم الاقتصادية وحل مشكلات التعويض عن الأضرار والمحال التجارية والممتلكات وقانونية الأراضي. وأيضا، أن يعترف بدور ومكانة اللجنة الشعبية كهيئة اجتماعية لها حق إدارة المخيم وضمن الفضاء السياسي الفلسطيني لها سلطة متابعه شؤون الواقع المحلي وتنميته وبناء قدراته لحفظ هويته الوطنية ونسيجه الاجتماعي في نطاق السيادة اللبنانية، لما يشكل أساسا لحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني وجدارا منيعا لأي اختراق يؤذي امن البلد وحياة الفلسطينيين، على أن ينظر لمفهوم الأمن بوصفه أمان إنساني شامل يعطي للقانون قوة العدل القائمة على الحقوق والواجبات.


4) واجبات الأنروا، التي نحتاج وجودها واستمرار خدماتها رغم انتقادنا لها، وهي التي تلقت الصدمة الاجتماعية الكبيرة منذ اليوم الأول للكارثة، وألقيت عليها مسؤوليات غير عادية، وهي مطالبة بتأمين الأموال لسد حاجاتها الباهظة وتلبية التحديات الاجتماعية الملقى على عاتقها. وأولها - باعتبار أن حالة الطوارئ ما زالت مستمرة وطالما استمر واقع المخيم الحالي أي ما لم يتم اعادة بناء المخيم القديم ولم تستعد الحياة العادية إلى المخيم، بقاء برنامج الطوارئ لحين إعادة بناء المخيم. وهذا ينطبق على الاستمرار في برنامجها الإغاثي والطبي والتعليمي والتشغيلي والتأهيلي، ودفع بدل الإيجارات كدفعات فصلية ووفق المستوى المقرر سابقاً، طالما أن الطارئ مازال واقعاً مراً للمخيم، على المستويات الحياتية والاقتصادية والاجتماعية.


إن نموذج العلاقات الصحية والصحيحة كأساس معياري ينطلق ويؤسس على صياغة جديدة للعلاقات اللبنانية الفلسطينية وتضمن شراكة فعلية للمجتمع الأهلي والمسؤولية الوطنية والفضاء السياسي الذي يحفظ المخيم كهوية ودلالة ورمزية وطنية. هكذا نموذج يجعل المخيم النموذج الصحيح وليس الخطأ. وحدها ثقافة الكراهية تريده مرتعا للبؤس والتهميش كي يبقى نموذجا صالحا لثقافة الفزاعة كمادة قابله للاستخدام بكل الاتجاهات.


أما السياسة التي تديرها عقول راجحة، فهي تلك التي تسعى لبلسمة الجروح كيلا تتقيح وتؤذي باقي الجسد، لان المخيم القضية هو ضمانة لمواجهة التوطين والتهجير وهو النموذج الأنجع لإبقاء جذوة الصراع تقرع بقوة الذاكرة والحلم وروح المقاومة لانتصار قضية حق العودة.
_______________
* مروان عبد العال: مسؤول اللجنة الفلسطينية العليا لمتابعة إعادة اعمار مخيم نهر البارد