نضــال الكنائــس الأمريكية من اجل تحقيق العـدالــة فـي فلسطيــن/إسرائيل

نضــال الكنائــس الأمريكية من اجل تحقيق العـدالــة فـي فلسطيــن/إسرائيل

بقلم: دافيد وايلدمان.
تطبيق القانون الدولي في فلسطين/إسرائيل

"إننا نشجب نظام حياة يكرس الظلم، باعتباره عملا لا أخلاقيا، ونؤمن بأن العدالة الدولية تتطلب مشاركة الشعوب جميعا. إننا نتوجه الى الأمم المتحدة وهيئاتها ومحكمة العدل الدولية، كأجدر هيئات عاملة من أجل تحقيق عالم تسوده العدالة والقانون". (من المبادئ الاجتماعية لكنائس الميثوديست المتحدة. منذ عقود، تعمل كنائس الميثوديست المتحدة مع كنائس أخرى، ومجموعات حقوق إنسان، وأطراف في المجتمع الدولي العريض من أجل مناصرة قرارات الأمم المتحدة، ومعاهدات حقوق الإنسان، ومواثيق القانون الدولي، كقاعدة أساسية للسلام الدائم للجميع. وبناء على هذا التوجه القائم على الحقوق، فإن إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة يشكل خطوة ضرورية أولى من أجل تحقيق المساواة والأمن المتبادلين بين الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. جدير بالذكر هنا، بأن الوضع في فلسطين، بموجب مواثيق القانون الدولي، ليس صراعا متكافئا بين طرفين متساويين، ولكنه حالة أبارتهايد واحتلال واستعمار.

وتعترف المبادئ الاجتماعية لكنائس الميثوديست المتحدة، التي توجه بدورها الكنائس الأعضاء، بالتباين الحاصل في توزيع القوة العسكرية والاقتصادية في أنحاء متفرقة من العالم. وتؤكد على ضرورة العمل من أجل إحقاق تقرير المصير للشعوب الأخرى: "إننا نؤكد الحق والواجب في أن تقرر الشعوب مصيرها وقدرها. ونطالب القوى السياسية الرئيسية الى استخدام القوة اللاعنفية من أجل تعزيز حق تقرير المصير السياسي، الاجتماعي والاقتصادي لشعوب أخرى، أبعد من مجرد الاهتمام بمصالحهم الخاصة" (الفقرة 165B).

تلعب الكنائس في الولايات المتحدة بوجه عام، دورا مركزيا في النضال من أجل العدالة، بما في ذلك الجهود المبذولة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي العسكري للأراضي الفلسطينية المحتلة. بيد أن الكنائس الأمريكية لا تسير في تجاه واحد في هذا السياق، حيث تختلف آراؤها تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

فالمسيحيون-الصهاينة هم أشد المناصرين والداعمين للمستوطنات الإسرائيلية القائمة بخلاف القانون على الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما تعارض بعض الكنائس توجيه أي لوم أو انتقاد لحكومة إسرائيل، فيما تركز جل لومها وانتقاده على المقاومة الفلسطينية العنيفة.

في ذات الوقت، فإن العديد من رعايا الكنيسة يناضلون ضد الانتهاكات الطويلة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويطالبون المجتمع الدولي بالوقوف الى جانب المواطنين الفلسطينيين وحمايتهم. بشكر مثير، فإن أعضاء كنائس الميثوديست المتحدة وآخرون ممن يتبنون نهج شامل يقوم على أساس حقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي، يهاجمون (بفتح الجيم) على أنهم منحازون، ومعادون لاسرائيل وحتى لا ساميون. وإن أردنا أن نكون اكثر وضوحا، فإن حركات حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، يتعرضون لهجوم أكبر على مواقفهم وتضامنهم ضد القمع.

لكنائس الميثوديست المتحدة تاريخ طويل في العمل من أجل المجموعات المقموعة والمضطهدة، ومن أجل الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي. ففي العام 1960، أعلن المؤتمر العام لكنائس الميثوديست في بيان عام بناء مركز للكنيسة في مقر الأمم المتحدة في نيو يورك. لقد استخدم مركز الكنيسة هذا، منذ ذلك الحين،  كمكان لتجمع الشعوب في مواجهة الحكومات المنتهكة لحقوق الانسان، ومن اجل تحميلها مسؤولية أعمالها بموجب معايير حقوق الإنسان والقانون الدولي.

وفي الوقت الذي ناضلت فيه الكنيسة نضال الشعوب في أفريقيا من أجل نيل استقلالهم في عقود الستينات، السبعينات والثمانينيات، كانت إسرائيل، بشكل مثير، تدعم أنظمة الابارتهايد في أفريقيا، وتشرع في ذات الوقت، في بناء مشروع كولونيالي نشط من خلال إقامة المستوطنات، وتفرض سياسات الأبارتهايد في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

مواجهة المساعدات العسكرية الأمريكية العملاقة لإسرائيل

تمنح المساعدات الأمريكية لإسرائيل، كل عام، أكثر من أية دولة أخرى. وتحصل إسرائيل على ما يقترب من 2-3 بليون دولار كمنح من دافعي الضرائب الأمريكيين، تصلها كعتاد حربي وأسلحة أمريكية الصنع، وعليه، فإن معظم الأموال تذهب الى شركات الأسلحة الأمريكية في الواقع. وتعد الأخيرة من أكبر المناصرين والداعمين لأعضاء الكونغرس من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

بدورها، رفعت كنائس الميثوديست المتحدة العديد من الأسئلة حول المساعدات الأمريكية العسكرية، وعدم استبدالها بمساعدات للتنمية الاقتصادية في دول العالم. ويشمل كتاب القرارات للعام 1968 على وثيقة دراسة حول الشرق الأوسط، تتعرض للمرة الأولى لقضية بيع الأسلحة لشعوب في منطقة الشرق الأوسط.

ومنذ العام 1976، تبنى المؤتمر العام قرارات تنادي جميع أعضاء كنائس الميثوديست المتحدة بمعارضة ومناهضة السيل الجاري للأسلحة من مختلف الجهات الى منطقة الشرق الاوسط. وتنص المبادئ الاجتماعية على: "إن عسكرة المجتمعات لا بد وأن تواجه وأن تتوقف؛ الصناعة، البيع، ونشر التسلح يجب أن يقلص ويسيطر عليه".

ولكن، مدفوعات ضرائب الدخل من قبل مسيحيي الولايات المتحدة تدعم الاحتلال العسكري والأبارتهايد بطرق التفافية. بالإضافة إلى ذلك، فقد منح أعضاء في كنائس الميثوديست المتحدة استثماراتهم في عدد من الشركات التي تقوم بصفقات تجارية من شأنها تعزيز انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني. وفي الوقت الذي نرى فيه عشرات القرارات التي تدعم الحقوق المتساوية للفلسطينيين والإسرائيليين على السواء، فإن الملايين من استثمارات الكنائس تأتي في الواقع على حساب المعاناة الفلسطينية.

لقد كتب العهد الجديد ضمن سياق العهد الروماني الاستعماري، الذي اتصف بالتمييز والاحتلال العسكري لفلسطين، كما حدث في في غمرة مقاومة مسلحة نشطة ضد هذا الاحتلال والاستعمار. وإذا أردنا أن ندرك معنى الكتاب المقدس ونصوصه ليومنا هذا، فإنه من الجدير الاستماع إلى الفلسطينيين الذين يواجهون نفس نظم الاحتلال العسكري، والسيطرة الاستعمارية على أراضيهم، والتمييز والأبارتهايد الحاصل بحقهم.


إن أحد الأهداف للإدارة العامة لكنائس الميثوديست المتحدة - الدائرة العالمية هو "السعي لتطبيق العدالة، الحرية والسلام". إنه، اذا، القلب النابض لكنائس الميثوديست المتحدة. كما تعبر عن نوع التضامن المطلوب في هذه الأيام: "سنشارك الشعوب المقموعة في برامج اقتصادية، اجتماعية وسياسية، من أجل السعي لبناء العدل والحرية، والسلام لدى المجتمعات". وبدلا من لوم الضحية، وطرح الصدقات عليها، يجب الوقوف متضامنين بالكامل مع الشعوب المقموعة، وتتبع خطواتهم من أجل نيل العدالة. إن النداء الموجه من قبل مئات منظمات المجتمع المدني الفلسطيني من اجل عمل لا عنفي يتمثل بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، يجسد مثل هذا الطلب من أجل العدالة.

وتبقى أحد "النظم غير العادلة" التي يجدر بنا تحديها اليوم هو الاستخدام الأمريكي لحق النقض- الفيتو في هيئة الأمم المتحدة. ومنذ العام 1970، فإن نصف عدد المرات التي استخدم فيها حق النقض -الفيتو كان بهدف عرقلة المجتمع الدولي من انتقاد إسرائيل وهجماتها على المواطنين الفلسطينيين. وثلث هذه الاستخدامات، من اجل عرقلة انتقادات المجتمع الدولي لنظام الابارتهايد في جنوب أفريقيا. لقد أعادت الولايات المتحدة الكرة تلو الأخرى، من أجل حماية الاحتلال العسكري والنظام الاستعماري من النقد الدولي وفرض العقوبات عليه، والتي أدت إلى دفع ثمن باهظ من المواطنين في جنوب أفريقيا وفلسطين.

لقد أعلن المؤتمر العام لكنائس الميثودست المتحدة في العام 2008: "إن كنائس الميثوديست المتحدة تطالب الولايات المتحدة، كعضو دائم في مجلس الأمن، بقبول سلطة قرارات مجلس الأمن، وبالأحجام عن التصويت ضد هذه القرارات، والالتزام بقرارات مجلس الأمن 242 و 338 ، وأيضا القرارات الأمم المتحدة الأخرى ذات الصلة، وفتاوى محكمة العدل الدولية التي توفر صيغة للحل الدائم والشامل لهذا الصراع".

وكما هو الحال في حركة مناهضة الابارتهايد والكنائس والجامعات واتحادات العمال، التي سارت على درب المقاطعة وسحب الاستثمارات، كمعايير لا عنفية، أخلاقية، واقتصادية، من أجل إنهاء المساعدات غير العادلة للأبارتهايد في جنوب أفريقيا، فإن الكنائس والنشطاء اليوم يعملون اليوم من أجل خوص فعاليات لا عنفية وأخلاقية مثل سحب الاستثمارات من أجل إنهاء المساعدات المكرسة للانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان بموجب ما نص عليه القانون الدولي.

كنائس الميثوديست المتحدة، الاستثمارات وسحبها

منذ عدة سنوات، ينص كتاب المبادئ التوجيهية لكنائس الميثوديست المتحدة: "تنطبق هذه المعايير على سياسة كنائس الميثوديست المتحدة، بإداراتها العامة، ووكالاتها، ومؤتمراتها السنوية، وصناديقها، والكنائس المحلية الأعضاء، حيث يجب استثمار المال.. بطريقة لا تدعم، بشكل مباشر أو غير مباشر، انتهاكات حقوق الإنسان. كما يجب على الإدارة العامة والوكالات، أن تعطي اهتماما واعتبارا خاصين لحقوق الإنسان". (كتاب التدريب، 2004، 716).

ولسنوات خلت، كان خطاب الكنيسة في تعاملها مع عدد كبير من الشركات يحرص على ضمان العدالة الاجتماعية بمشتقاتها المختلفة، باستثناء بارز للتطرق لاحتلال إسرائيل العسكري.

وفي أعقاب المؤتمر العام في 2004 وقراراته، تم التأكيد على معارضة المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، ومتابعة الفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية بخصوص الجدار في تموز 2004، والقاضية بأن الجدار الإسرائيلي الفاصل ينتهك القانون الدولي. لقد بدأت الكنائس المشيخية، والجامعات وعدد من الحركات الشعبية، بمطالبة الشركات بالتوقف عن الاستفادة من الاحتلال الإسرائيلي العسكري، كما كانت الحملات في حركة مناهضة الاباتهايد والتضامن مع شعب جنوب أفريقيا.

لقد كان المؤتمر العام في نيو اينغلاند وفريجينا أول من تبنى عملية سحب الاستثمارات من الشركات المستفيدة من الاحتلال العسكري، وبناء المستوطنات بموجب مبدأ "الاستثمار المسؤول اجتماعيا". ويتضمن في هذا المبدأ معايير لا عنفية، أخلاقية واقتصادية، تهدف الى تغيير السلوك غير العادل ووقف الربح من مثل هذا السلوك. وقد نجح نشطاء الكنيسة في الحصول على منح لكتابة رسائل وأقروا عدد من القرارات بهذا الشأن.. لقد كانت المؤسسات الاقتصادية داخل الكنيسة نادرا ما تخوض في حملات لسحب استثمارات من الشركات، أما الحركات الشعبية المطالبة بسحب الاستثمارات فقد تنامت بشكل كبير، وهو ما قاد بدوره الى أعداد أكبر من الكنائس والصناديق الى تبني النهج نفسه.

مثل هذه الحركات الشعبية، والجهود اللاعنفية الأخلاقية تسعى لوقف الأرباح الناجمة عن مساعدة الاحتلال، والمساعدة العسكرية المساهمة في تكريس الاحتلال العسكري الإسرائيلي، والمستوطنات، والتهجير المستمر بحق الفلسطينيين. بيد أن المؤتمر العام بوجه عام، نادرا ما تبنى قرارات مقاطعة لشركات محددة. وقد حدثت بعض السوابق في القرارات كما هو الحال مع شركة دوتش شل أويل Dutch Shell Oil لدعمها نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، وشركة نيستلي Nestle لتصنيعها غذاء خطير للأطفال، وشركة جي. بي. ستيفنز JP Stevens لضلوعها في تعذيب عمالها وغيرها من الشركان.  

في أواخر العام 2001، كان الفرع النسوي والدائرة العالمية من بين المنظمات الكنسية القليلة التي دعمت وساهمت في انشاء الحملة الأمريكية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، من اجل الانعتاق من الاحتلال ومنح حقوق متساوية بموجب القانون الدولي. وتضم الحملة الأمريكية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي اليوم، حوالي 250 منظمة، تحاول تغيير مسار السياسة الأمريكية تجاه حل الصراع في الشرق الأوسط. وتبنت الحملة بدورها أيضا سحب الاستثمارات منها منذ العام 2002.

نمو وتزايد النداء من أجل سحب الاستثمارات

من عام 2005 وحتى عام 2007، تبنت عشرة مؤتمرات عامة سنوية قرارات تنادي في سحب الاستثمارات من شركات تستفيد من الاحتلال الاسرائيلي. كما أجرى المؤتمر العام السنوي في نيو اينغلاند بحثا مستفيضا ونشاطا نوعيا أكثر من أي مؤتمر آخر. فبعد أن تبنوا قرارا في العام 2005 بخصوص سحب الاستثمارات، عملوا بعدها على تأسيس فريق أبحاث مهم لتحديد وتوثيق حوالي 100 شركة تدعم أو تربح من الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات، أو أية انتهاكات أخرى للقانون الدولي. ثم قاموا بعدها بكتابة الرسائل للعديد من هذه الشركات للتوقف عن أي نشاط في الأراضي الفلسطينية المحتلة ينتهك القانون الدولي. وفي بعض الحالات، اعترفت هذه الشركات بمسؤوليتها. وفي حزيران من عام 2006، وضع أعضاء كنيسة الميثوديست المتحدة في نيو اينغلاند قائمة بأسماء 20 شركة رفضت تغيير سياستها على قائمة سحب الاستثمارات منها. وقد شكل هذا نموذج عمل فاعل لكنائس أخرى. لقد كان البحث الذي جرى مشتركا ليس فقط للكنائس في الولايات المتحدة، وإنما أيضا للاتحادات العمالية، والنشطاء في أوروبا والفيليبين.  

المؤتمر العام للميثوديست 2008

يجتمع المؤتمر العام لكنائس الميثوديست المتحدة مرة كل أربعة سنوات، وهو الجسم الوحيد المخول بالتحدث بلسان الكنيسة كلها. وكنائس الميثوديست المتحدة عبارة عن كنيسة عالمية حيث ينتشر نحو 25-30% من أعضاءها في دول جنوب أفريقيا، أوروبا، والفيليبين. وتقوم المبادئ التوجيهية على توجيه نشاطات وخطط الكنيسة، ووكالاتها والكنائس المحلية الأعضاء. وخلال المؤتمر العام للميثوديست في العام 2008، تم تقديم ورقة تطالب المؤتمر العام الذي انعقد بين 22 نيسان و 2 أيار في فورت وورثـ تكساس بسحب الاستثمار. وتم التطرق الى أن سحب الاستثمار هو الخطوة الأخيرة ما لم تستجب الشركات التي تنتهك حقوق الإنسان الى الطلبات. وقد رفضت اللجنة المالية هذه الطلبات لسحب الاستثمار باستثناء واحدة حول السودان. الأمر الذي قاد الى حملة من الاحتجاج والانتقاد من العديد من الأطراف على عدم سحب الاستثمار من إسرائيل. كما إن سحب الاستثمارات لم يكن يستهدف إسرائيل، وإنما الشركات الأمريكية التي تنتهك القانون الدولي، وتستفيد من الاحتلال الإسرائيلي.

لقد كان هدف هذه الانتقادات التي تتهم الكنيسة باللاسامية هو ثني الكنيسة عن الشروع بأعمال لا عنفية كسحب الاستثمارات. لقد عارضت العديد من الجهات الاقتصادية في الكنيسة سحب الاستثمارات لاعتبارات اقتصادية، وفي موقع على الانترنت تمت كتابة موقف لها حول هذا الموضوع، وحاولت فيه الفصل بين الحالة في إسرائيل والحالة في السودان. وفي الوقت الذي طرحوا فيه حدوث أزمة إنسانية في السودان، فإنهم لم يذكروا أي شيء يتعلق بحدوث أزمة إنسانية في فلسطين. في ذات الوقت، أكد آخرون على ضرورة وضع طلبات سحب الاستثمار من الشركات التي تربح من الاحتلال الإسرائيلي، وبناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي الوقت الذي وضع فيه المؤتمر العام في نيو اينغلاند قائمة بأسماء نحو 20 شركة لسحب الاستثمارات منها، فقد قام بعض المانحين بزيادة أعداد الشركات على هذه القائمة لتصل الى 633 شركة.

وللحصول على رؤية أوضح في المؤتمر العام، يجدر بنا التطرق إلى المذكرات المقدمة حول فلسطين-إسرائيل. فقد كانت كل المذكرات المنحازة إلى إسرائيل والمتجاهلة لحقوق الفلسطينيين قد قدمت بيد أفراد وقد رفضت على الفور. فيما تم تمرير جميع المذكرات المنحازة لفلسطين بنجاح، وهي مذكرات أيدت الحقوق الفلسطينية بموجب مواثيق القانون الدولي.

واذا نظرنا الى مجمل القرارات التي اتخذها المؤتمر العام، فإننا نعي أنه رغم أن الأخير قد قرر بعدم تطبيق سياسة عامة لسحب الاستثمارات تطبق على جميع الكنائس، فإنه جعل من موضوع سحب الاستثمارات نقاش لكل جهة ووكالة وكنيسة محلية على حدة لتقرر ما تفعله.

مجلس الكنائس العالمي يشارك في النضال

لقد شاركت الكنائس العالمية في النضال ضد الاستعمار والابارتهاد في جنوب أفريقيا، ابتداءا من العام 1968. كما تم حينئ اتهامها بمساعدة والوقوف الى الإرهابيين على هذا الموقف. وكان من بين ما يسمى بالإرهابيين الرئيس السابق نلسون مانديلا، والحكومة الحالية لجنوب أفريقيا، ومنظمة المؤتمر الوطني الأفريقي. على الرغم من هذا الاتهام، فقد لعب مجلس الكنائس العالمي دورا أخلاقيا كبيرا في أجل تحقيق العدالة في جنوب أفريقيا، ومواجهة الانتهاك الشديد في حقوق الإنسان.

كان مهما أن ينأى مجلس الكنائس العالمي عن المشاركة في برامج للحوار تكرس الاستعمار، والشروع في برامج لمواجهة انعدام العدالة والعمل على احقاق العدل والسلام الدائم للجميع، ووضع برنامج عمل لإنهاء الاحتلال العسكري وانتهاكات حقوق الانسان من خلال النشاطات اللا عنفية والأخلاقية.

في حزيران 2007، اجتمع نحو 130 ممثلا عن الكنائس في فلسطين، وأرجاء مختلفة من العالم في العاصمة الأردنية عمان، من أجل مناقشة "إعلان عمان: الكنائس معا من أجل السلام والعدالة في منطقة الشرق الأوسط"، والذي عكس الى حد كبير النداء الطارئ الذي وجهه المسيحيون الفلسطينيون.

ومنذ اجتماع الجمعية العامة لمجلس الكنائس العالمي في بورتو أليغري- البرازيل، فإن عددا من الكنائس الأمريكية قد اجتمعت مع المسيحيين الفلسطينيين من أجل سماع مطالبهم بالشروع بنشاطات لا عنفية اقتصادية والعمل على إنهاء المساعدة للاحتلال الإسرائيلي الوحشي والاستعمار المستمر. وبالفعل فقد تزايدت النشاطات اللاعنفية التي بادرت اليها الكنائس بما فيها كنيسة الميثوديست المتحدة في مواجهة الشركات المتعاقدة مع الاحتلال الإسرائيلي، وكتابة الرسائل، وعقد الاجتماعات مع إدارات هذه الشركات. كما أقرت العديد من القرارات تتعلق بعضها بشركة كاتر بيلار Caterpillar وشركة أي تي تي ITT وشركة موتورولا Motorola وشركة يونايتد تيخنولوجيز United Technologies.

لقد طالب مجلس الكنائس العالمي في إعلان عمان بتضمين هذه التوصيات على الشركات الخمسة المذكورة أعلاه وضمان تطبيق معايير اقتصادية عالمية لا عنفية من مختلف الكنائس في العالم. وحتى هذه اللحظة لم تقد هذه النشاطات الى تغيير ملموس في سياسات الشركات المذكورة، ولكن العديد من المستثمرين فيها يحاولون اليوم عمل الكثير من الجهود لوقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، ومحاسبة الشركات الضالعة في هذه الانتهاكات.

مسيرة العدالة في فلسطين- اسرائيل

في 10 حزيران 2007، شارك العديد من أعضاء الكنيسة مع الحملة الأمريكية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بالإضافة إلى نحو 100 مجموعة أخرى في حراك وطني من أجل وقف الدعم الأمريكي بجميع أشكاله للاحتلال الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الإنسان منذ 40 عاما. وتضمنت هذه المطالب إنهاء الدعم الأمريكي للاحتلال العسكري الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال على السواء. لقد تجلت هذه الجهود في الاستهداف المستمر لشركتي كاتربيلار وموتورولا. وطالما أن موتورولا شركة تصنع الأجهزة الخليوية المستخدمة بيد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، فإنها أكثر عرضة لحملة المقاطعة من قبل المستهلكين. بيد ان  المقاطعة ما زالت مبكرة للكنائس، أكثر من سحب الاستثمارات، وهي بحاجة الى مجموعات ذات قطاع أكبر من المستهلكين، وليس فقط المستثمرين.

إن إنهاء الدعم الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي لن يحدث بقرار واحد، وسيتطلب الكثير من الجهود التي تبذل على هذا الصعيد، من قبل الكنائس والجهات المعنية الأخرى ذات القواعد الشعبية الكبيرة. وللتلخيص، نقول:

أولا: الكنائس ذات القواعد الشعبية التي نادت بسحب الاستثمار تتحرك الآن من أجل تطبيقها على المستوى المحلي والمناطقي، وتستمر في الضغط باتجاه تنظيم عملية كنسية واسعة النطاق في هذا السياق.

ثانيا: على الصناديق الكنسية ومستثمرين آخرين تسهيل البحث المعمق على الشركات المتعاقدة مع الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنات والأفراد على السواء.

ثالثا: تعمل المؤسسات الكنسية على إصدار قرارات للضغط على الشركات لتغيير سلوكها غير العادل أو لتوثيق رفضهم في الحد الأدنى.

رابعا: بدأ العديد من أعضاء الكنيسة بالضغط على إدارة الصناديق الكنسية التي تستثمر في شركات تستفيد من الاحتلال العسكري، بأنهم غير معنيون بتخصيص استثماراتهم في هذه الشركات. قبل عشرين عاما، قاد نفس التحرك الى استثناء الشركات العسكرية من استثمارات الصناديق الكنسية.

خامسا: ككنائس شاركت في التوقيع على إعلان مجلس الكنائس العالمي في عمان، فإنهم يركزون الآن على شركات محددة مثل كاتربيلار وموتورولا، من خلال العديد من النشاطات، وكتابة الرسائل ومطالبات بالمقاطعة وسحب الاستثمارات.

سادسا: ربط معارضة الاحتلال العسكري في فلسطين مع رفض الاحتلال العسكري في العراق. لأن العديد من الشركات مستفيدة من الوضعين.

سابعا: وفود الى فلسطين- إسرائيل من طواقم المستثمرين الكنسية. فعندما يجتمع هؤلاء مع مناصري حقوق الإنسان الإسرائيليين والفلسطينيين، والتجار الفلسطينيين، سيعلمون بحقيقة الأمر، ويستطيعون عندئذ دعم الاقتصاد الفلسطيني. وجدير بالتنويه، إلى أن "الاستثمار الايجابي" ليس بديلا عن سحب الاستثمارات ولكن كلا الأمرين ضروريين.

وأخيرا: ان الحملة الكنسية لمواجهة الابارتهايد والاستعمار والاحتلال المؤثر على حياة الفلسطينيين، من خلال دعم العديد من النشاطات اللا عنفية آخذة بالتوسع. إن مشاركة مجلس جنوب أفريقيا للكنائس في الحملة الأمريكية الراعية لرحلة مواجهة الابارتهايد في تشرين ثاني ستعزز من مشاركة الكنائس في العمل على موضوع المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات لمسافة طويلة.


____________________

دافيد وايلدمان هو الأمين التنفيذي لحقوق الإنسان والعدالة العرقية في الإدارة العامة لكنائس الميثوديست المتحدة-الدائرة العالمية. ساهم وايلدمان كذلك في تأسيس الحملة الأمريكية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ويشغل حاليا رئيس مشارك للجنتها الموجهة.