"الأنروا" وسياسات المواءمة: بعض الاضاءات السريعة على اتجاهات المواءمة مع المجتمع الدولي

"الأنروا" وسياسات المواءمة: بعض الاضاءات السريعة على  اتجاهات المواءمة مع المجتمع الدولي فلسطينيون ومناصرون في تظاهرة أمام مقر الأمم المتحدة تطالب بحقوقهم المدنية في لبنان - 27-6-2010 ، تصوير: نبيل منذر-كوربس

بقلم: د. محمود العلي*
 
إن ربط تأسيس هيئة الأمم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) بمشكلة اللاجئين الفلسطينيين حصرا، يعبر إلى حد كبير عن مرحلة من مراحل العجزين الدولي والعربي، ليس عن حل مشكلة هؤلاء اللاجئين فقط، وانما يعبر أيضا عن عجز الاطراف ذاتها عن حل المشكلة الفلسطينية برمتها التي انتجتها سياسات الغرب المتحيزة. ذلك أن الأمم المتحدة التي يسيطر عليها الغرب قد أدركت ان الصراع الذي نجم عن اصدار قرار تقسيم فلسطين رقم 181 بتاريخ 29 تشرين ثاني 1947 أدى إلى نشوب اضطرابات في فلسطين بين المستوطنين الصهاينة وبين أهلها الفلسطينيين العرب؛ حيث أدت هذه الاضطرابات الى بداية تهجير الفلسطينيين من ديارهم؛ وبالتالي خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من جهة، كما أنها قدمت وثيقة أممية استندت اليها الحركة الصهيونية في اعلان قيام كيانها الاستطياني من جهة أخرى. وقد كان من نتيجة تلك السياسة وذلك القرار اعلان قيام اسرائيل في 15 آيار عام 1948 والتدخل الفاشل للدول العربية في الصراع داخل فلسطين، والذي كان من تداعياته مزيد من الطرد والتهجير للفلسطينيين من أرضهم ووطنهم.

 

 
ان الخشية من الحالة التي انتجها ذلك القرار والمتمثلة في التوتر الذي حصل في الوطن العربي، ووجود مئات آلاف النازحين واللاجئين الفلسطينيين في اجزاء من فلسطين التي لم يتم احتلالها وفي الدول العربية المحيطة بفلسطين؛ تلك الخشية دفعت الأمم المتحدة مجددا لاتخاذ القرار رقم 212 في 19 تشرين ثاني 1948، والذي تم بموجبه تأسيس صندوق خاص لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين بناء على توصية وسيط الأمم المتحدة (فولك برنادوت)  والذي أسست بموجبه صندوق إغاثة يديره ويشرف عليه الأمين العام مباشرة الى ان يتم تشكيل إدارة خاصة بالإغاثة. وقد أنيط بهيئة صندوق الإغاثة هذا مهام تنسيق الإغاثة الطارئة للاجئين الفلسطينيين التي كانت تقدم من هيئات انسانية مختلفة، وذلك لإبعاد شبح الجوع والمرض الناجم عن طردهم من بلادهم. الا أن تأسيس هذا الصندوق كان استجابة ظرفية لمساعدة اللاجئين الفارين والمطرودين من ديارهم ليس الا. ولهذا فقد عادت الأمم المتحدة واصدرت قرارها الشهير رقم 194 بتاريخ 8 كانون أول 1948؛ هذا القرار الذي لم توافق عليه الدول العربية، والذي يتضمن رؤية للحل في فلسطين تستند الى عودة وتعويض اللاجئين، ووضع نظام دولي لادارة القدس، وترتيب سلام بين الأطراف المتنازعة؛ هذه المهام التي كلفت بها هيئة التوفيق الدولية حول فلسطين التي قضى بتأسيسها القرار اياه. وقد عجزت الأمم المتحدة  حتى اللحظة على اجبار اسرائيل على تنفيذ قراريها 181 و 194.  وحيث ان هيئة التوفيق الدولية حول فلسطين لم تستطع القيام بمهامها في حسم الصراع واعادة اللاجئين وايجاد (سلام) دائم في المنطقة، ومع استمرار الخوف من تداعيات بقاء مئات الاف اللاجئين تحت وطأة الجوع والتيه والاحباط وما قد ينجم عن ذلك من ردود فعل سلبية، فقد بادرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الى تأسيس وكالة دولية تقوم بتقديم الاغاثة مباشرة الى اللاجئين الفلسطينيين اسمتها هيئة الأمم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى. وقد حددت ولايتها ضمن القرار 302 الصادر بتاريخ 8 كانون اول  1949 والذي يتضمن عدم المساس باحكام الفقرة 11 من القرار 194 التي تتناول عودة اللاجئين والتعويض عليهم.
 
إن الفكرة  التي حكمت تأسيس الأنروا هي الخشية من أن حالات الجوع واليأس عند اللاجئين الفلسطينيين ستؤدي الى عواقب غير محمودة على صعيد السلم في منطقة الشرق الأوسط. ولهذا فان الجمعية العامة للأمم المتحدة وقتها، حددت  نطاق مهام الانروا في متن قرار تأسيسها بما يلي:
 "إذ تذكر قراريها رقم 212 في 19/11/1948م، ورقم 194 في 11/12/1948 واللذين يؤكدان بصورة خاصة أحكام الفقرة 11 من القرار الأخير….
-                    تعترف بأنه من الضروري استمرار المساعدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين بغية تلافي أحوال المجاعة والبؤس بينهم ودعم السلام والاستقرار مع عدم الإخلال بأحكام الفقرة 11 من قرار الجمعية العامة رقم (194) وتعترف أيضاً بضرورة اتخاذ إجراءات فعالة في أقرب وقت ممكن بغية إنهاء المساعدة الدولية للإغاثة.
-                    توعز إلى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة تشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى للتشاور مع لجنة التوفيق بشأن فلسطين التابعة للأمم المتحدة لما فيه خير أداء لمهمات كل منهما، خصوصاً فيما يتعلق بما ورد في الفقرة 11 من قرار الجمعية رقم 194.

 
وهكذا فقد باشرت الأنروا مهامها استنادا الى رؤية تفترض أن عملها سيكون مرحليا وبالتالي فهي هيئة مؤقتة، باعتبار أن "مهمة الأنروا ، سوف تكون موجزة، ذلك أن بعض اللاجئين سوف يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم، بينما يجري امتصاص الآخرين في الدول العربية المحيطة".[1] وانطلاقا من ذلك فانه كان على الأنروا أن تبلور ضمن عملها سياسات خدماتيه تستجيب لحاجات اللاجئين  ضمن اطار تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته اتجاه هؤلاء، وبالتنسيق مع الدول المعنية في المنطقة. وفي هذا السياق، فانه كان عليها أن تبلور سياسات مواءمة تنسجم مع حاجات واتجاهات المجتمع الدولي، ومواقف الدول المضيفة وحاجات وواقع مجتمع اللاجئين. وانطلاقا من ذلك سنلقي الضوء بشكل موجز على طبيعة تعاطي الأنروا مع اتجاهات المجتمع الدولي في سياق المهمات المنوطة بها. ونعتبر أن هذه الاضاءة تشكل مدخلا لبحث أشمل يتناول اشكال المواءمة مع الدول المضيفة ومع اللاجئين انفسهم في وقت لاحق.
 
إن انتداب الانروا كان من المفترض أن يكون محدوداً على صعيد المهام والمرحلة الزمنية. استنادا لذلك، فان تجديد تفويض الأنروا من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة يتم دوريا لمدة سنة او سنتين واحيانا لمدة 3 سنوات واحيانا اخرى لمدة 5 سنوات. والحقيقة أن استمرار بقاء الأنروا مرهون بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين. بيد أن المهام التي باشرت الانروا في القيام بها انحصرت تحديدا في الدول العربية المجاورة، إضافة للضفة الغربية وقطاع غزة. أما تمويل الأنروا  فقد اعتمد على الدول المانحة وفي مقدمها الدول الغربية وعلى رأسها أميركا، ولا تشكل موازنة الانروا جزءاً من الموازنة العامة للأمم المتحدة، كما هو الحال مع باقي منظمات الأمم المتحدة  كاليونيسيف والأونيسكو ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من منظمات أممية.
وفي كل الأحوال فاننا لا ينبغي أن ننسى ان هذه المنظمة أنشئت لأهداف سياسية (وان كان لخدماتها طابع انساني)، وهي المساهمة في صون السلام وعدم حصول اضطرابات يمكن أن تنتج عن عدم حل قضية اللاجئين. ولهذا فان وجودها مرهون برؤية المجتمع الدولي لكيفية حل مشكلة اللاجئين، والدور الذي يمكن أن تلعبه في هذا السياق. وانطلاقا من ذلك فان مجتمع اللاجئين كان ينظر على الدوام الى الانروا بعين الريبة والشك من برامجها واهداف هذه البرامج. ذلك أن الأونروا دأبت على إتباع سياسة تستند الى قاعدتين:
"أ-  تقبل الدولة المضيفة لعمليات الأونروا داخل حدودها، أو الحدود التي تسيطر عليها.
ب- استناداً إلى الولاية الممنوحة للأونروا، من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ...القيام بمجموعة من المهام، نيابة عن المجتمع الدولي تجاه اللاجئين الفلسطينيين".[2]
 
ولهذا  فان محاولة الانروا في البدايات لتنفيذ برامج الدمج الاقتصادي أدت الى توتير العلاقات ليس مع اللاجئين الفلسطينيين الذين اشتموا رائحة توطين من اتباع هذه السياسات، وإنما أيضا مع هيئة التوفيق حول فلسطين التي كانت تسعى لتثبيت هدنة بين العرب وإسرائيل تمهيدا لحل قضية اللاجئين الشائكة، "فقد وصلت المناقشات بين لجنة التوفيق ولجنة الوكالة الاستشارية إلى قدر من الخلافِ والعبث... وكانت نقطة خلافاتهم تولي مسألة توطين اللاجئين، فوكالة الغوث طلبت من لجنة التوفيق أن تولي جهودها على مشكلة العودة، في حين تكون هي مسؤولة عن المناقشات المتعلقة بالتوطين".[3] وفي مراحل لاحقة، " شاركت الوكالة أيضا في تجربة مساعدة اللاجئين في الهجرة عبر البحار، ممن حصلوا على تأشيرات دخول. وقد أوقفت تجربة الهجرة هذه بعد عام، بطلب من الحكومات المحلية إلى حين مراجعة برامج الوكالة".[4] وقد لاقى هذا المشروع استجابة محدودة من اللاجئين الفلسطينيين. وأكثر من ذلك فقد تطورت سياسة الأنروا بعد احتلال اسرائيل للضفة الغربية عام 1967  وقطاع غزة لتمسي سياسة "توازن بين مصالح اللاجئين، وحكومات الدول المضيفة، والإدارة المدنية في الضفة والقطاع، والمجتمع الدولي."[5] واستنادا لذلك، فان قرارات التجديد للأنروا تلحظ الحاجة الى استمرار عملياتها طالما عجزت الأطراف المولجة بعملية السلام انجاز تسوية لقضية اللاجئين. لذلك، فان الجمعية العامة لا تتردد في التجديد للأنروا استنادا الى ملاحظتها لطبيعة وصيرورة الحركة السياسية بخصوص التسوية في الشرق الأوسط. وعلى هذا الاعتبار، فان الأمم المتحدة تأخذ بعين الاعتبار اتفاقية اوسلو وحركة الرباعية وغيرها من الترتيبات التي لها علاقة مباشرة بقضية اللاجئين. فالأمم المتحدة:
 "إذ تلاحظ توقيع حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في 13 أيلول/سبتمبر1993 إعلان مبادئ ترتيبات الحكم الذاتي المؤقت واتفاقات التنفيذ اللاحقة، وإذ تدرك الدور الذي يتعين أن يؤديه الفريق العامل المتعدد الأطراف المعني باللاجئين التابع لعملية السلام في الشرق الأوسط - تلاحظ مع الأسف أنه لم تتم بعد إعادة اللاجئين إلى ديارهم أو تعويضهم، على النحو المنصوص عليه في الفقرة 11 من قرار الجمعية العامة ١٩٤ د – ٣، وأن حالة اللاجئين الفلسطينيين لا تزال، نتيجة لذلك، مدعاة للقلق البالغ ولا يزال تقديم المساعدة إلى اللاجئين الفلسطينيين أمرا ضروريا لتلبية الاحتياجات الأساسية الصحية والتعليمية والمعيشية؛
تلاحظ مع الأسف أيضا أن لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والخاصة بفلسطين لم تتمكن من الاهتداء إلى وسيلة لإحراز تقدم في تنفيذ الفقرة ١١ من قرار الجمعية العامة ١٩٤ د – ٣، وتكرر طلبها إلى لجنة التوفيق أن تواصل بذل الجهود من أجل تنفيذ تلك الفقرة وأن تقدم تقريرا في هذا الشأن إلى الجمعية حسب الاقتضاء ولكن في موعد؛ أقصاه ١ أيلول/سبتمبر ٢٠٠٩.

 
 واستنادا لما سبق، فان الأمم المتحدة  " - تؤكد ضرورة استمرار أعمال وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى وأهمية القيام بعملياتها دون عوائق وتقديم خدماتها من أجل رفاه اللاجئين الفلسطينيين وتنميتهم البشرية ومن أجل استقرار المنطقة، لحين التوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين".[6]
 
إن غياب حل نهائي لقضية اللاجئين يدفع هؤلاء للتمسك ببقاء الأنروا ويعتبرون أن استمرارها يشكل ضمانة لبقاء قضيتهم حية. وهذا يؤدي بالمقابل في كثير من الاحيان الى قيام جهات اسرائيلية وموالية لها بعمليات تحريض واسعة النطاق ضد استمرار الأنروا، مطالبين بحلها وتحويل مسؤولياتها الى السلطة الفلسطينية والدول المضيفة.
وفي النهاية، فانه من المؤكد ان أوضاع الأنروا في الوقت الراهن وتخفيض مستوى خدماتها يسبب قلقا بالغا لدى مجتمع اللاجئين، وخصوصا مع تطوير برامج تنمية طويلة المدى لا تؤشر الى وجود حلول لقضيتهم وانهاء تشريدهم الذي مضى عليه زمن يتجاوز بلوغ الانروا عامها الستين؛ هذه المؤسسة التي ما انفك المجتمع الدولي يراعي في ديباجة التجديد السنوي لها ما ورد في بيان تاسيسها مع الاضافات التي لا تغني من جوع ولا تسمن حلا لقضية اللاجئين.
__________________________
 
* د. محمود العلي: أستاذ جامعي، باحث مختص في شؤون اللاجئين الفلسطينيين وأمين سر مركز اللاجئين/عائدون.


[1]-UNRWA 1950-1990 ،Serving Palestine Refugees، Public Information Office, Austria, Vienna, April 199, p: 2.
[2] -UNRWA, A Brief History, 1950 -1982 “Vienna -UNRWA HQ,  p: 25
[3] - أولييه جان إيف، لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين، 1948-1951، حدود الرفض العربي، مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت، ط1، 1991، ص: 147 نقلا عن Azcarate, (Pabnlo.de) Mission in Palestine 1948-1952, Washington, 1966. p169-170
[4]. تقرير المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى بتاريخ 30 حزيران 1952 ، UN Doc. A/2171 تقلا عن ورقة عمل مركز بديل رقم 6، تشرين الأول 2000. [4] -UNRWA, A Brief History, 1950 -1982 “Vienna -UNRWA HQ,  p: 25
[4] - أولييه جان إيف، لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين، 1948-1951، حدود الرفض العربي، مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت، ط1، 1991، ص: 147 نقلا عن Azcarate, (Pabnlo.de) Mission in Palestine 1948-1952, Washington, 1966. p169-170
[4]. تقرير المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى بتاريخ 30 حزيران 1952 ، UN Doc. A/2171 تقلا عن ورقة عمل مركز بديل رقم 6، تشرين الأول 2000.
[5] -Anderson, Lena, & Jansen, Geir, the Potential of UNRWA Data for Research on Palestinian Refugees, center of international studies, FAFO, Oslo, 1994, p: 7.
[6] - الجمعية العامة للأمم المتحدة الدورة الثالثة والستون البند ٢٩ من جدول الأعمال A/RES/63/ 91  2008:December  18 .