اللاجئون الفلسطينيون غير المسجلين وعديمي -الهوية- في لبنان*

اللاجئون الفلسطينيون غير المسجلين وعديمي -الهوية- في لبنان*

بقلم: باسم صبيح**


للاطلاع على النسخة الكاملة لهذا المقال، وعلى الهوامش يرجى زيارة موقع مركز بديل، أضغط هذا الرابط

مقدمــــــة:
 
كنتيجة مباشرة لحربي عام 1948 و1967، تم تجريد واقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين من وطنهم، بيوتهم وأملاكهم، ودفعهم للجوء إلى البلدان العربية المجاورة لفلسطين. بالنسبة للبنان، اجبر عدد كبير من الفلسطينيين والذين يقارب عددهم ال 110,000 نسمة النزوح عبر الحدود، ثم أقاموا في مخيمات للاجئين وغيرها من الملجأ المؤقت. وقد تعرض اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، ولا زالوا، إلى مستوى من التمييز السلبي لا مثيل له في أية دولة مضيفة أخرى.

 
في شهر كانون أول 2009؛ قامت وكالة (الأنروا) بإحصاء 425,000 لاجئ فلسطيني يقيمون في لبنان حاليا.[1] وخلال السنوات الأخيرة، أشارت منظمات حقوق الإنسان إلى أن مجموعتين من بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قد سقطتا من بين الشقوق، وكنتيجة لذلك، يعاني لاجئو هاتين المجموعتين من البؤس والتعاسة جراء حزمة من الأوضاع القانونية والاجتماعية – الاقتصادية، وهؤلاء اللاجئون هم الفلسطينيون الذين يفتقرون سواء لاعتراف الأنروا، أو يفتقرون لكل من اعتراف الأنروا والاعتراف اللبناني الرسمي معا.[2]
 
تتكون المجموعة الأولى من لاجئين معترف بوضعهم من قبل السلطات اللبنانية، ولكنهم يفتقرون لاعتراف الأنروا، وهم معروفون بأنهم لاجئون غير مسجلين (Non-R)، ويقدر عددهم ما بين 15,000 – 35,000. أما المجموعة الثانية فلا تتمتع بأي اعتراف لا من قبل الأنروا ولا من قبل السلطات اللبنانية، وهم معروفون على أنهم غير شرعيين (Non-ID) (غير معرفين، يفتقدون للأوراق الثبوتية)،*** وقدر عددهم في عام 2007 بحوالي 3,000 نسمة. وبينما تفتقر مجموعة اللاجئين غير المسجلين إلى الإمكانية الملائمة للحصول على المساعدات الإنسانية لوكالة الأنروا، فإن اللاجئين "عديمي الهوية" (غير المعترف بهم) يواجهون صعوبات إضافية مثل استحالة تسجيل الزيجات والوفيات، والخوف الدائم من التنقل خارج المخيمات، فضلا عن استحالة السفر أو الدراسة في المدارس الثانوية.[3]
 
عموما، يكشف التدقيق فيما كتب حول اللاجئين والمهجرين قسريا، بأن للاجئين الفلسطينيين وضعا فريدا ومعقدا تحت رعاية القانون الدولي للاجئين، ففي الوقت الذي كان يتم فيه وضع وصياغة قانون اللاجئين الحديث في نهاية الأربعينات من القرن الماضي، كان اللاجئون الفلسطينيون يتلقون بالفعل الحماية والمساعدة الإنسانية من قبل جهازين من أجهزة الأمم المتحدة، وبالتحديد من قبل لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين (UNCCP) ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (UNRWA).[4]  ونتيجة لذلك، قرر المجتمع الدولي تأسيس مكانة خاصة باللاجئين الفلسطينيين بموجب معاهدة اللاجئين لعام 1951، وبحسب النظام الأساسي لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، إضافة إلى المواثيق الدولية الأخرى ذات الصلة.[5] فبينما يتم تعريف مجموعات اللاجئين الأخرى بموجب المادة 1أ (2) من معاهدة اللاجئين لعام 1951، تم اعتماد نظام منفصل للاجئين الفلسطينيين بموجب المادة 1د من نفس الاتفاقية؛ وذلك لأنهم كانوا يتلقون الحماية والمساعدة من لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين ومن الأنروا على التوالي.[6]
 
ومع ذلك، وباعتبارها نظاما للحماية الدولية؛ أصبحت لجنة التوفيق الدولية في منتصف خمسينيات القرن الماضي معطلة وظيفيا وذلك نظرا لعوامل مختلفة، وبخاصة عدم امتثال إسرائيل لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 ورفضها المستمر لحق العودة.[7] وكنتيجة لذلك، فإن اللاجئين الفلسطينيين الذين يقيمون في إحدى مناطق عمليات الأنروا، تم ترك حياتهم ومصيرهم إلى ما يمكن أن تجود به هذه المنظمة الخيرية الدولية،[8] فقد تأسست وكالة الأنروا لمجرد تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في خمس مناطق رئيسية، وهي لبنان، سوريا، الأردن، الضفة الغربية وقطاع غزة.[9] وهذه الولاية الأصلية لم يجر توسيعها من أجل توفير آليات حماية للاجئين الفلسطينيين بموجب القانون الدولي.[10]
 
وفي المقابل، تعترف السلطات اللبنانية رسميا باللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا بسبب حرب 1948 وذريتهم، أما الفلسطينيون الذين دخلوا البلاد بعد عام 1962 فيعتبرون مقيمون بصورة غير شرعية في لبنان.[11] وعلاوة على التمييز ضد الفلسطيني بغض النظر عن الجنس، اعتمدت كل من الأنروا والسلطات اللبنانية قواعد تنطوي على تمييز ضد المرأة، وكان لهذه السياسة تأثير كبير على اللاجئين غير المسجلين و"عديمي الهوية" في لبنان؛ حيث لا يمكن للمرأة أن تغير جنسيتها بحسب جنسية زوجها حتى لو كان الزوج مواطنا لبنانيا أو مسجلا لدى وكالة الغوث الدولية (الأنروا).[12]
 
وحيث أن ظروف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هي أكثر تعقيدا من أي تجمع آخر للاجئين الفلسطينيين الآخرين في الشرق الأوسط، فإن السؤال الرئيس لهذه الدراسة يقتصر على التعرف على ظروف اللاجئين غير المسجلين وغير المعترف بهم (أي عديمي الهوية)، ويمكن تقسيم هذا السؤال إلى عدد من الأسئلة الفرعية:
 

  • ما هي أنظمة الأنروا فيما يتعلق بتعريف "اللاجئ الفلسطيني"، ومن هو المؤهل لذلك، ومن ليس كذلك؟
  • ما هي الظروف التي أدت باللاجئين غير المسجلين وعديمي الهوية إلى هذا الوضع؟
  • ما هي ظروفهم المعيشية، وكيف أثر افتقارهم للتسجيل أو للاعتراف الرسمي على حياتهم اليومية ورفاهيتهم؟
  • من "اللاجئ الفلسطيني" الذي لديه حق الإقامة في لبنان بطريقة شرعية؟

 
 
اولاً: اللاجئون الفلسطينيون غير المسجلين في لبنان Non-Registered
 
يمكن إرجاع الأسباب الجذرية لوجود مشكلة اللاجئين غير المسجلين إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
 
1. الهجرة القسرية داخل مناطق عمليات الأنروا: منذ تهجيرهم الأول في عام 1948 و1967، تعرض الفلسطينيون إلى تهجير قسري لمرة ثانية أو أكثر من فلسطين أو من دولة مضيفة إلى أخرى. وقد نتجت هذه الهجرات القسرية إما عن إستمرار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أو بسبب مشكلات داخلية والخوف من التعرض للاضطهاد في البلدان المضيفة.[13] وبحسب حركة التهجير، فإنهم مسجلون رسميا لدى الأنروا في مناطق عملياتها، ولكن كان يتوجب على بعض هؤلاء اللاجئين التنقل بين مناطق عمليات الأنروا سواء كهجرة طوعية أو اجبارية، وبالتالي، يمكن القول بأن هذه الأشكال من الهجرة القسرية بين مناطق عمليات الأنروا هي واحدة من الأسباب الفردية الكبرى التي كانت وراء انتهاء اعتراف الاونروا ببعض اللاجئين في لبنان.
 
وقد أشار مجلس اللاجئين الدنمركي في عام 2007 إلى أن اللاجئين غير المسجلين قد تسجلوا سابقا لدى وكالة الأنروا في دول مضيفة أخرى، مثل الأردن، والأرض المحتلة، وسوريا. ووفقا لمجلس اللاجئين الدنمركي، عندما تم طرد اللاجئين غير المسجلين للمرة الثانية او الثالثة، فإن ملفاتهم لدى الوكالة لم تتبع اعادة تموضعهم، مما خلق لهم مشكلة عويصة في لبنان.[14] ومع ذلك، قامت وكالة الآنروا مؤخرا بتوضيح سياستها المتعلقة بنقل ملفات تسجيل اللاجئين من دولة لآخرى. ومما جاء في المعايير والتعليمات الموحدة لعام 2002 حول أهلية التسجيل؛ أوضحت الوكالة في المادة 5-4-1 بأنها توافق على نقل ملفات التسجيل "بين حقول أو بين مناطق في نفس الحقل مع وجود موافقة او مصادقة من قبل السلطة الحكومية في الحقل أو المنطقة التي ترغب العائلات في الانتقال إليها، وعند الاقتضاء، يتطلب موافقة السلطة الحكومية في الحقل الذي ترغب العائلات الانتقال منه".[15]
 
ومع ذلك، حمّلت منظمات حقوق الإنسان المسؤولية للحكومة اللبنانية التي غالبا ما ترفض نقل ملفات التسجيل أو قبول نقل ملفات التسجيل الأولى من الدول الأخرى، وغالبا ما تعارض الدولة اللبنانية أية تدابير من شأنها ان تزيد العدد الرسمي للاجئين الفلسطينيين في أراضيها.[16] وبناء على ذلك، فشلت وكالة الآنروا في مناسبات مختلفة الحصول على موافقة السلطات اللبنانية لنقل ملفات تسجيل اللاجئين من مناطق عملياتها الأخرى إلى لبنان. وذكر مجلس اللاجئين الدنمركي في عام 2007 بأن بعض الدول المضيفة السابقة، قد أعطت موافقتها على نقل ملفات تسجيل، وبالمقابل، رفضت السلطات اللبنانية اعطاء هذه الموافقة.[17]
 
2. العجز عن التسجيل لدى الأنروا للمرة الأولى: إن أهلية اللاجئ الفلسطيني للحصول على المساعدات الإنسانية للأنروا تتطلب أن يكون قد فرّ إلى إحدى بلدان مناطق عملياتها الخمس.[18] وقد تم إعادة تأكيد هذا الشرط في تعليمات الأنروا حول الأهلية التي اعلنتها عام 2002، حيث أصرت على هذا المعيار، فإذا أراد اللاجئ الحصول على مساعدات الانروا يجب عليه أن يثبت بأن "مكان إقامته الطبيعية كان في فلسطين" بين الآول من حزيران 1946 وحتى الخامس عشر من أيار 1948" وبانه قد  فقد كلا من بيته وسبل عيشه" جراء ذلك الصراع.[19] ومع ذلك، يمكن القول بأن هذا المعيار ينطوي على ثغرات واضحة، فخلال الصراع بين عامي 1946- 1948، هناك بعض الفلسطينيين الذين فرّوا في البداية إلى أماكن واقعة خارج مناطق عمليات وكالة الأنروا الخمسة؛ مثل بلدان الخليج العربي، مصر، العراق، وليبيا.[20]
 
3. التمييز بين الجنسين في تعريف الأنروا: على مدى سنوات وجودها؛ تم انتقاد الآنروا على استخدامها للنظام الأبوي في تسجيل الاسرة، والذي ينطوي على تمييز ضد النساء والأطفال، وقد تضرر بعض اللاجئين في لبنان وأماكن أخرى من جراء هذه السياسة.[21] ويلاحظ "تاكينبيرغ" بأن مكانة اللاجئين الفلسطينيين في إجراءات التسجيل التي تعتمدها الأنروا تمر عبر الأب، وليس عن طريق الأم، ويقول أن المرأه الفلسطينية اللاجئة التي تتزوج من رجل غير لاجئ، يمكنها أن تحافظ على مكانتها كلاجئة، ولكن قواعد التسجيل لدى الأنروا قد تحرمها من نقل أو تمرير مكانة اللجوء لأبنائها.[22] وتجادل "سيرفيناك" Cervenak بأن النساء اللاجئات الفلسطينيات اللاتي يتزوجن من رجال لاجئين غير مسجلين، يصبحن بحكم وضع أزواجهن غير اللاجئين [بسبب عدم التسجيل] غير مؤهلات للحصول على مجموعة واسعة من خدمات الأنروا، وتضيف بأن أطفال هذه المجموعة من الأمهات اللاجئات غير مؤهلين للحصول على خدمات وكالة الأنروا. ومن جهة أخرى، فإن الرجال اللاجئين الذين يتزوجون من نساء غير لاجئات يمكنهم تمرير وضع اللجوء إلى اطفالهم، ويكون جميع أفراد العائلة مؤهلون للحصول على خدمات الأنروا.[23]
 
وأكدت التعليمات الموحدة الخاصة بالأهلية والتسجيل لعام 2002 على تفسيرات "تاكينبيرغ" وحجج "سيرفيناك". فقد جاء في المادة 3-6 من تعليمات عام 2002 الخاصة بالتسجيل لدى الأنروا بأن احفاد اللاجئين هم "الأشخاص الذكور والإناث الذين ولدوا بعد عام 1948 لأب مسجل".[24] بالإضافة لذلك، تسمح هذه التعليمات "للذكور وليس للإناث بتأسيس أسرتهم النووية ببطاقة تسجيل منفصلة"؛ ووفقا لهذه التعليمات، فإن النساء المتزوجات ينتقلن بشكل اعتيادي من بطاقات آبائهن إلى بطاقات أزواجهن.[25]  وتنص المادة 4-2-6 من التعليمات بشأن أهلية التسجيل على أن "الأطفال الذين يولدون لمثل هؤلاء النساء لن  يتم تسجيلهم".[26] وعلاوة على ذلك، تنص المادة 6-1 من نفس التعليمات على أن "النساء المسجلات اللاتي يتزوجن من رجال غير مسجلين يكون الأبناء والاحفاد الناتجين عن مثل هذا الزواج غير مؤهلين للحصول على خدمات وكالة الآنروا".[27]
 
ثانياً: اللاجئون الفلسطينيون "عديمو الهوية" Non-ID
 
ظهر وجود اللاجئين الفلسطينيين " غير المعترف بهم" أو "عديمي الهوية" في لبنان عندما استعاد لبنان السيطرة على أراضيه في نهاية الحرب الأهلية.[28] ففي أيلول عام 2001، تم ايقاف لاجئ فلسطيني شاب من مخيم عين الحلوة من أجل فحص روتيني في إحدى نقاط التفتيش التابعة للجيش اللبناني خارج المخيم، وعندما أبلغه الجنود بالخروج من سيارته، ذعر الشاب وبدأ بالجري بعيدا عن نقطة التفتيش باتجاه المخيم، ثم قام الجنود بإطلاق النار عليه وقتله. وبعد هذا الحادث، قامت السلطات اللبنانية بالتحقيق في أسباب هروب الشاب، وإكتشفت  أنه كان يحمل بطاقة هوية مزورة.[29]
 
ومن المسلم به على المستوى الشعبي بأن تواجد اللاجئين غير المعترف بهم يعود لأسباب مختلفة، ولكن يبدو أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تقف خلف هذا التواجد:
1.  مثل حالة اللاجئين غيرالمسجلين؛ فإن بعض هؤلاء غير المعترف بهم، أو عديمي بطاقات التعريف الشخصية (الهوية)، كانوا قد هجروا من فلسطين في عام 1948وكانوا قد تسجلوا لدى وكالة الأنروا في مناطق عملياتها الأخرى (الضفة الغربية، قطاع غزة، الآردن وسوريا)، ولكن جرى تهجيرهم مرة ثانية وبشكل رئيسي عام 1967 أو في اعقاب الحروب العربية الإسرائيلية. وعندما تم تهجيرهم للمرة الثانية فإن "ملفات تسجيلهم لدى الأنروا لم تتبعهم إلى مواقعهم الجديدة".[30]
2.     تم طرد البعض منهم من قطاع غزة والضفة الغربية من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي أثناء وبعد حرب عام 1967.[31]
3.  وصلت مجموعة منهم إلى لبنان مع منظمة التحرير الفلسطينية في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وذلك مع انتقال حركة الفدائيين الفلسطينيين إلى بيروت، وكان هؤلاء مقاتلين سابقين أجبروا على مغادرة الأردن بعد معارك "أيلول الأسود" مع الجيش الأردني. وعندما وصلوا إلى لبنان لم يكن وضعهم القانوني يعني أية مسألة ذات أهمية؛ لأنهم كانوا مدعومين من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت ذات نفوذ في لبنان آنذاك، وجاء البعض منهم للمشاركة في كفاح منظمة التحرير ضد إسرائيل، في حين حوصر البعض منهم في لبنان ومنعوا من العودة إلى بلد إقامتهم السابق بسبب ارتباطهم ومشاركتهم في الثورة الفلسطينية، وفيما بعد تركوا بدون أية حماية عندما أجبرت منظمة التحرير الفلسطينية على الرحيل من بيروت في عام 1982.[32]
 
وقد بحثت العديد من التقارير والمقالات التي نشرت مؤخرا في الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها اللاجئون "عديمو الهوية" بسبب افتقارهم للوثائق، فبالإضافة إلى المشكلات العامة التي يواجهها جميع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، يواجه "عديمو الهوية" المزيد من القيود، فهم لا يحصلون على الحد الأدنى مما توفره معايير حقوق الإنسان للاجئين بوجه عام. وقد أشار المجلس الدنمركي للاجئين في عام 2007 إلى أن اللاجئين غير المعترف بهم لا يستطيعون التحرك خارج مخيماتهم أو التحرك في انحاء لبنان خوفا من الاعتقال، والبعض منهم لم يغادر المخيم الذي يعيش فيه منذ سنوات طويلة.[33] وعلاوة على ذلك، لا يستطيع اللاجئون غير المعترف بهم حيازة أية ملكية، أو تسجيل الزيجات، المواليد والوفيات، إضافة إلى أنهم لا يستطيعون السفر، التخرج من المدارس الثانوية أو الالتحاق بالتعليم العام أو العالي.[34] وفوق كل ذلك، يبرز تقرير المجلس الدنمركي للاجئين صعوبات أخرى مثل إستحالة الحصول على عمل قانوني خارج المخيمات، وصعوبات في الوصول إلى الخدمات المقدمة من جانب الأنروا، وعدم القدرة على الدفع من أجل خدمات الرعاية الصحية العامة أو الخاصة وغيرها من الخدمات.[35]
 
في مقالة لها حول اللاجئين عديمي الوثائق في لبنان، درست "بيتراي" Petrigh بشكل مكثف وضعهم الاجتماعي والاقتصادي وكيف أثّر افتقارهم إلى الوثائق على حياتهم اليومية، وأشارت "بيتراي" بأن العبء الأكبر الذي الذي يقع على اللاجئين غير المعترف بهم، هو حقيقة أن وجود أطفالهم قد أصبح نفسه غير قانوني في لبنان، وتضيف "بيتراي" بأنهم، وبعد ثلاثة عقود على وصولهم، قد تزوجوا سواء من نساء لاجئات فلسطينيات مسجلات، أو في بعض الحالات، من مواطنات لبنانيات، وكنتيجة لحرمانهم من الاعتراف، تؤكد "بيتراى" بأن جيلا كاملا "يصبح الآن بدون أية فرصة للمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية".[36]
 
لماذا لا يعترف القانون اللبناني باللاجئين الفلسطينيين "عديمي الهوية"؟
 
1. غموض في القانون الوطني اللبناني: تم التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة وفقا لبروتوكول الدار البيضاء الذي تم اعتماده من قبل الجامعة العربية في عام 1965، ويعتبر بروتوكول الدار البيضاء من الصكوك الإقليمية الأولى التي حاولت تنظيم الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية. مع ذلك، وعلى الرغم من الاتفاق على معاملة اللاجئين الفلسطينيين أسوة بمواطني الدول العربية المضيفة وفقا لبروتوكول الدار البيضاء، إلا أن الدولة اللبنانية سنت تشريعات داخلية خاصة بها للتعامل مع اللاجئين الفلسطينيين؛ حيث يجري التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من خلال مراسيم وزارية مختلفة، أو أوامر إدارية تفرض قيودا على الفلسطينيين فيما يخص حقهم في الإقامة، وحرية التنقل والعمل.[37] وتظهر المراجعة المكثفة للأنظمة اللبنانية بأن قانونها الداخلي مبني على أساس قواعد تم اعتمادها في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ولهذه القيود تأثير شديد على اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى لبنان بعد عام 1962، ومن ضمنهم اللاجئين الذين هجروا في عام 1967. ووفقا لذلك، فإن هؤلاء اللاجئين يشكلون فئة ضعيفة وغير مؤهلة للحصول على الإقامة، وبالتالي، يعتبرون مقيمين في لبنان بشكل غير قانوني.[38]
 
صدر في عام 1959 المرسوم الرئاسي رقم 2867 الذي أنشأ إدارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين كمكتب في وزارة الداخلية، وأخذت هذه الدائرة على عاتقها "النظر في طلبات لم شمل العائلات، طلبات الاعفاءات الضريبية للقادمين إلى لبنان على أساس جمع شمل العائلات، التنسيق مع وكالة الأنروا فيما يتعلق يالخدمات الاجتماعية والصحية، توفير التصاريح لتغيير مكان الإقامة من مخيم إلى آخر، والنظر في طلبات تصحيح السجلات وبطاقات الهوية".[39]
علاوة على ذلك، صدر في عام 1959، المرسوم الوزاري رقم 927، والذي حدد واجبات إدارة شؤون اللاجئين، ووفقا لـ"الناطور"، فقد تحددت هذه الواجبات كما يلي: "التنسيق مع وكالات الإغاثة الدولية في لبنان لتأمين الإغاثة، والملجأ، والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية للاجئين، وتلقي طلبات الحصول على جوازات سفر للخروج من لبنان وللتدقيق في هذه التطبيقات، وتقديم ملخصات وتعليقات للدوائر ذات الصلة في الجهات الأمنية، تسجيل الوثائق الشخصية المتعلقة بالمواليد، الزواج، الطلاق، تغيير مكان الإقامة وتغيير الطائفة والدين".[40]
 
وأبعد من ذلك، أصدر وزير الداخلية  في عام 1962 الامر الإداري رقم 319 والذي يعرف الفلسطينيين بوصفهم "أجانب لا يحملون وثائق من بلدانهم الأصلية، ويقيمون في لبنان على أساس بطاقات إقامة صادرة عن المديرية العامة لإدارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان".[41] وقد صدرت مادة أخرى لاحقة لهذا الأمر، جعلت اختصاصه بشأن الفلسطينيين في لبنان لـ"يتم التقدم للمديرية العامة للأمن العام قبل نهاية أيلول من عام 1962 من أجل تنظيم وضعهم وتلقي بطاقات إقامة مؤقتة أو دائمة والتي تشتمل على الاسم، اسم العائلة، مكان وتاريخ الولادة والجنسية في لبنان، وورقة تعريف للمعالين دون سن 15 سنة".[42]
 
وهكذا، تجاهلت المراسيم والأوامر الإدارية حقيقة أن اللاجئين الفلسطينيين ظلوا مهجرين من بلدهم الأصلي منذ عام 1948، ثم هجروا من بلدان أخرى بعد تهجيرهم الأول. وكنتيجة لذلك، فإن اللاجئين الذين لجأوا في عام 1948مباشرة إلى لبنان هم المؤهلون للحصول على حقوق الإقامة. وكما تم بيانه أعلاه، فإن اللاجئين الذين قدموا إلى لبنان بعد عام 1962، فإنهم غير مؤهلين لحقوق الإقامة ويعتبرون مهاجرين غير شرعيين وفقا للقانون اللبناني.[43]
 
2. رحيل منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وانهيار اتفاق القاهرة: لقد صمدت الترتيبات المذكورة أعلاه حتى شهر تشرين ثاني 1969 عندما وقعت لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية على اتفاقية القاهرة، ويعرف هذا الاتفاق في المقام الأول باعتباره إتفاقا عسكريا يسمح بموجبه لمنظمة التحرير الفلسطينية بإقامة قواعد عسكرية في لبنان، كما يعطي منظمة التحرير الفلسطينية الحق في تنظيم وإدارة المخيمات الفلسطينية وإقامة معسكرات تدريب لكوادرها.[44] ومع ذلك، تضمن الاتفاق حماية فلسطينية حاسمة لحياة المدنيين الفلسطينيين في لبنان، وضمن "الحق في العمل، الإقامة، والتنقل للفلسطينيين المقيمين حاليا في لبنان".[45]

ويحاجج الناطور بأن عبارة "الفلسطينيين الذين يقيمون في لبنان حاليا" يقصد منها بأن حقوق الفلسطينيين بالإقامة قد أصبحت كافية ومحددة قانونيا لتبرير الاعفاء من التشريع الذي يؤثر أو ينطبق على إقامة الأجانب، ويذهب الناطور إلى أبعد من ذلك ويشير إلى أن الاتفاق يضفي الشرعية على "تواجد فلسطيني مستمر مما يعني أن الفلسطينيين هم انواع خاصة من الأجانب الذين لا تنطبق عليهم أنظمة الحكومة المتعلقة بإقامة الأجانب".[46]
 
3. التمييز بين الجنسين في القانون اللبناني: يمكن أن يكون التمييز بين الجنسين في القانون الوطني اللبناني مشكلة رئيسية أخرى بالنسبة للاجئين الفلسطينيين الذين يفتقرون إلى الاعتراف الحكومي، وبشكل خاص الأطفال. فحسب هذا القانون، الجنسية تنتقل عبر الأب فقط، وليس من خلال الأم، وهذه القاعدة تنطبق على جميع اللبنانيين وليس على الفلسطينيين فقط.[47] وفي عام 2007، ذكر المجلس الدنمركي للاجئين؛ بأن أغلبية اللاجئين عديمي الهوية هم ذكور متزوجون من نساء لاجئات مسجلات أو من مواطنات لبنانيات.[48] وتؤكد "بيتراي" بأنه بموجب القانون اللبناني، فإن أطفال اللاجئين "عديمي الهوية"، حتى عندما يولدون في لبنان، وحتى لو كانت أمهاتهم مواطنات لبنانيات، فإنه لا يعترف بهم قانونيا، وبالتالي لا يملكون أية وثائق شخصية تثبت وجودهم.[49]
 
ثالثاً: المكانة القانونية للاجئين غير المسجلين و"عديمي الهوية" بموجب القانون الدولي للاجئين:
 
بوجه عام، يحتوي نظام الأمم المتحدة على شبكة أمان للاجئين الفلسطينيين بواسطة مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، وذلك في حالة توقف الحماية والمساعدة التي تقدمها وكالة الأنروا لأي سبب من الأسباب.[50] وبحسب الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين للعام 1951، فإن وضع اللاجئين الفلسطينيين معرف في المادة 1د من الاتفاقية والتي تنص على:
دال- لا تنطبق هذه الاتفاقية علي الأشخاص الذين يتمتعون حاليا بحماية أو مساعدة من هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة غير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فإذا توقفت هذه الحماية أو المساعدة لأي سبب دون أن يكون مصير هؤلاء الأشخاص قد سوي نهائيا طبقا لما يتصل بالأمر من القرارات التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة يصبح هؤلاء الأشخاص، بجراء ذلك، مؤهلين للتمتع بمزايا هذه الاتفاقية.[51]

ويرى كثير من الدارسين بأن الفقرة الأولى من المادة 1د تنص على الإستبعاد المشروط ، بينما تنص الفقرة الثانية على الإدراج التلقائي عندما تتوقف مساعدات الأنروا لأي سبب من الأسباب.[52] وتفسير سوزان أكرم و"غودوين ويل" للفقرة الثانية من المادة 1د، هو أنه "فور توقف المساعدة لأي سبب من الأسباب، فإن الفلسطينيين بحكم الواقع" أو تلقائيا "يدخلون في نظام الحماية التي أنشأ بموجب معاهدة 1951".[53] وإذا ما كانت هذه المحاججة صحيحة، فإن اللاجئين الفلسطينيين غير المسجلين و"عديمي الهوية" في لبنان يجب أن يكونوا مؤهلين للمنافع التي توفرها معاهدة اللاجئين لعام 1951 والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين باعتبارهم يقعون خارج تعريف وكالة الأنروا.
 
وقد أعطى بعض الخبراء القانونيين تفسيرا قانونيا للفصل المعقد الموجود في المادة الأولى من معاهدة اللاجئين، وأشاروا إلى ان هذا الترتيب تم ايجاده في بداية الخمسينيات من القرن الماضي من أجل تجنب التداخل في المسؤوليات بين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ووكالة الأنروا خلال تقديمهما المساعدة والحماية للاجئين.[54] بمعنى أن القراءة والتفسير الصحيحين للمادة 1 د يجب ان يستند إلى كل من بند الاستبعاد، حيث جاء الاستبعاد مشروطا كما هو مبين في متن المادة 1 د، وبند التضمين حيث يندرج اللاجئون الفلسطينيون في نطاق الاتفاقية عند توقف شروط الاستبعاد. ويلاحظ "تاكينبيرغ" أنه تم الخلط، إلى حد ما، بين المفوضية السامية والأنروا في بداية الخمسينيات بشأن كيفية تقاطع ولاية واختصاصات كل منهما، ومن أجل تجنب أي تداخل في مسؤوليات ولايتهما. ويوضح "تاكينبيرغ" بأن كلا الوكالتين قررتا في عام 1954 بأنه لا يوجد للمفوضية السامية أي ولاية على اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عمليات الأنروا.[55] ووفقا لذلك، تقدم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين المساعدة والحماية للاجئين الفلسطينيين الذين يقيمون خارج مناطق عمليات الأنروا فقط، مثل العراق وليبيا.[56]
 
مع ذلك، أصدرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في عام 2002 ملاحظة توضيحية حول انطباق المادة الأولى من معاهدة اللاجئين لعام 1951 على اللاجئين الفلسطينيين، وذكرت المفوضية السامية أنه "بينما الفقرة الأولى من المادة 1د هي في الواقع شرط الاستبعاد، ولكن ذلك لا يعني أن مجموعات محددة من اللاجئين الفلسطينيين لا يمكنهم أبدا الاستفادة من حماية معاهدة 1951، وتحتوي الفقرة 2 من المادة 1د شرط الإدراج، وتضمن الاستحقاق التلقائي لمثل هؤلاء اللاجئين في الحماية التي توفرها معاهدة اللاجئين، وذلك إذا لم يكن وضعهم قد تمت تسويته بصورة مؤكدة وفقا لقرارات الجمعية العامة ذات الصلة، وتوقف حماية أو مساعدة الأنروا لأي سبب من الأسباب، وبذلك تتجنب معاهدة 1951 أي تداخل في الاختصاصات بين الأنروا والمفوضية السامية، ولكن أيضا، وبربط ذلك بالنظام الأساسي للمفوضية السامية، فإن هذا النظام يضمن استمرار الحماية والمساعدة للاجئين الفلسطينيين".[57]
 
وإلى جانب ذلك، ذكرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بأنه: " إذا كان الشخص المعني موجودا في إحدى مناطق عمليات الأنروا، ومسجل أو يمتلك حق التسجيل لديها، فإنه/ـها يجب أن يعتبر متلقيا للحماية أو المساعدة بمفهوم الفقرة الأولى من المادة 1د، وبالتالي، فهو مستثنى من مزايا معاهدة اللاجئين لعام 1951، ومن الحماية والمساعدة التي تقدمها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين".[58] وعلاوة على ذلك، أشارت المفوضية إلى أن "السؤال حول كون اللاجئ الفلسطيني مسجلا أو مؤهلا للتسجيل لدى الأنروا، يجب أن يتقرر بصورة فردية، وفي الحالات التي يكون هذا الأمر غير واضح، فإن المزيد من المعلومات يمكن الحصول عليها من وكالة الأنروا".[59]
 
وعلى الرغم من ملاحظة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ظلت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين غير المسجلين وعديمي الهوية بدون حل، وذلك لمجرد أن وكالة الأنروا تعمل في لبنان. وفي عام 2007، وعندما سئل ممثل المفوضية السامية في لبنان حول الفقرة الثانية من المادة 1د، قال أن: " المجتمع الدولي أخذ في اعتباره على وجه التحديد استبعاد الفلسطينيين في المناطق التي تعمل فيها وكالة الأنروا، وأن المفوضية السامية ستلعب دورا فقط إذا توقفت الأنروا عن العمل، وليس إذا أوقفت الأنروا تقديم مساعداتها لشخص معين".[60]
 
ووفقا لمجلس اللاجئين الدنمركي، فإن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ولبنان قد وافقا على أن هناك فجوة في حماية اللاجئين غير المسجلين و"عديمي الهوية" في لبنان، وبشكل خاص "اللاجئين غير المسجلين في حقل من حقول الأنروا"، وأن هناك بعض اللاجئين المحتاجين للحماية. وذكر المجلس الدنمركي للاجئين بأن الفقرة الثانية من المادة 1د من معاهدة 1951 تم استخدامها في محاولة للحصول على الحماية بموجب المعاهدة للاجئين عديمي الهوية وغير المسجلين، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل.[61]
 
____________________________________
* للاطلاع على النسخة الكاملة للمقال، وعلى الهوامش يرجى زيارة موقع مركز بديل، أضغط هذا الرابط
** باسم صبيح: منظم الحملات في مركز بديل.
*** يجري استخدام مصطلح عديمي الهوية بمعنى غير المعترف بهم من فاقدي الأوراق الثبوتية.