فلسطين على أجندة السياسة الخارجية الأمريكية: ما موقعها بالضبط؟

بقلم: نــورا عريقـــات
قام المدافعون عن حقوق الانسان الفلسطيني بالغاء الكونغرس الامريكي كعامل ايجابي مؤثر في حياة الفلسطينيين. بالفعل، فإن المدافعين عن حقوق الانسان الفلسطينية كانوا مضللين بالسيل الغامر من التشريعات المتحيزة والموجات المتواصلة من المساعدات العسكرية الموفرة لاسرائيل. لكن صرف الكونغرس الامريكي لا يعد بالخيار الجيد. فعلى الرغم من  قدرة القاعدة الشعبية والصحافة والنشطاء القانونيون على انتقاد السياسة الخارجية المريكية في الشرق الاوسط، فان مثل هذه الجهود المرجوة لا يمكنها تغييرها على الأغلب. على العكس من ذلك، يمكن للكونغرس أن يعكس المكاسب التي يحققها  هؤلاء المدافعون. إن حصد مكاسب القاعدة الشعبية والصحافة والمناصرة القانونية تتطلب استراتيجية تشريعية مكملة.

في الوقت الحاضر لا وجود لتلك الاستراتيجية. وعدم وجودها دليل صارخ على انعدام حضور فلسطين في قمة الكابيتول. تذكر فلسطين في مبنى الكابيتول والكونغرس في حالة ربطها بالخطر المحدق بأمن اسرائيل الذي يلوح في الافق المتمثل في سوريا وايران.


الكونغرس والسياسة الخارجية

على ما يبدو، فإن المجال الذي يغطيه الفرع الاداري، وبالاخص في الفترة الاخيرة، يقوم بممارسة السيطرة الحصرية على السياسات الامريكية الخارجية . لذلك، فإن الكونغرس يمارس تأثيره على جدول عمل الرئيس للسياسة الخارجية من خلال "قوة المال" او السيطرة التامة على الميزانية القومية، وبصفته الرقيب على الميزانية القومية يملك الكونغرس القدرة على انهاء الحرب كما  فعل في حرب فيتنام عام 1973، ودعم مشاريع اعادة البناء والاصلاح  كما فعل في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وأن يقوم بفرض الاحكام والعقوبات على الدول الأخرى كما فعلت مع النظام العنصري السائد في جنوب افريقيا عام 1985. وعلى عكس الفرع الاداري، يعد الكونغرس موقع للمارسات السياسية.

لقد كان دور الكونغرس  في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي  ذو اهمية قصوى حيث قام بتقديم الدعم التام والشامل لاسرائيل. هذا النوع من الدعم غير المشروط  لقوة استعمارية معرفة دوليا جعلت من اسرائيل المستقبل (بكسر الباء) الاكبر للمساعدة الاجنبية الامريكية  منذ عام 1976، والمستقبل الكلي الاكبر منذ الحرب العالمية الثانية. وقد قام الكونغرس بتجديد دعمه المادي لاسرائيل، الأمر الذي كان مصيريا لبقاء تلك الدولة  منذ اواسط السبعينات من القرن الماضي، في وقت كانت فيه غير قادرة على  موازنة دفعاتها المالية دون الحاجة الى اقتراض رأس المال. في 16 آب 2007، وقعت الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل مذكرة تفاهم لمدة 10 سنوات بمبلغ 30 مليار دولار امريكي بشكل مساعدات عسكرية لاسرائيل والتي تشكل 25 %  زيادة على منحة ال 24 مليار دولار السابقة. ووفقا لاقوال وزارة الخارجية الامريكية، فإن الهدف  من هذه الزيادة هو الحفاظ على الوجود الاسرائيلي العسكري القوي في الشرق الاوسط.

وستخضع هذه المساعدة لموافقة الكونغرس بشكل سنوي، الا انه من غير المرجح أن يكون هنالك اي نوع من الاعتراض. اذ لم يسبق للكونغرس ان رفض تقديم اي نوع من المساعدة الموجهة لاسرائيل. وعندما قلل الكونغرس من جملة المساعدات المقدمة  لاسرائيل، لم يكن للتقليص شأن بسجلها الدامي الخاص بحقوق الانسان. وتتحكم القوانين الامريكية ومن ضمنها القانون 102-391 و108-11، والتي تمنع استخدام المساعدات الامريكية  في الاراضي الفلسطينية  المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية المحتلة، والتحكم في اعمال تصدير الاسلحة، التي تمنع استخدام المساعدات الامريكية  في اي عمل يشكل خرق لحقوق الانسان، تتحكم في منح المساعدات لاسرائيل. على الرغم من ذلك، فإن كون المساعدة الممنوحة لاسرائيل تمنح على شكل دعم للميزانية من حكومة الى حكومة، دون الاخذ بالحسبان اية مشاريع محددة، ولأن الأموال هي أموال تمويل، ليس هناك من طريقة لاثبات انه لم يتم استخدامها في خرق  المادة 102-391 او المادة 108-11. وهذا يوحي بأن المساعدة الممنوحة  لاسرائيل سواء كانت اكبر او اقوى يمكن ابداء الاعتراضات على استخدامها في الاراضي الفلسطينية المحتلة او في انتهاكات لحقوق الانسان.

إن غياب  الجدل حول  انتهاكات حقوق الانسان الممارسة من قبل اسرائيل في الكونغرس الامريكي يعكس الانعدام الفعلي للحضور الفلسطيني في مبنى الكابيتول. ان هذا الانعدام الفعلي للحضور  الفلسطيني لا يرجع للمساهمة الفلسطينية الهامشية  في الاهتمامات السياسية والجغرافية الامريكية في المنطقة فحسب، بل كذلك الى عدم توفر جهد جماعي تشريعي يدافع عنها.  ولهذا السبب، فإن الفلسطينيين يتم التعريف عنهم والتحدث باسمهم من قبل المنظمات في الاجتماعات القممية. من ناحية تذكي التهديدات الاقليمية الموسعة ومن ناحية اخرى تهديد الامن الاسرائيلي.

فلسطين كما وصفت من خلال سوريا وايران

منذ الاجتياح الامريكي للعراق، أصبح طرح اسم سوريا وايران أكبر مما كان عليه في السابق، ويعلى اجندة الولايات المتحدة الامريكية الخاصة بالشرق الاوسط. وقال كبير مجلس اعضاء الشيوخ السيناتور ريتشارد لوغار في خطابه الافتتاحي في الجلسة الخاصة بالعلاقات الخارجية:

"ان وضع استراتيجية اوسع نطاقا في الشرق الاوسط هو الموضوع الاكثر الحاحا بالنظر الى أن تدخلنا في العراق قد ادى الى تغيير جذري في ميزان القوى في المنطقة، وبصفة خاصة سقوط نظام صدام حسين السني الذي فتح المجال لايران لتسعى لتأثير اكبر بكثير في العراق. ايران المدعومة في تحالف مع الحكومة الشيعية في العراق او الدولة الشيعية المنفصلة في جنوب العراق والتي ستشكل تحديات خطيرة للملكة العربية السعودية والاردن ومصر وغيرها من الحكومات العربية. ايران تضغط على جدول اعمال واسع في الشرق الاوسط  في ظل وجود نتائج غير مؤكدة لانتشار الاسلحة والارهاب وامن اسرائيل وغيرها من المصالح الامريكية. ولا بد من ان ننظر في كيفية تأثير اي منحى نعتمده في العراق على النفوذ الاقليمي لايران".

وكما هو الحال في ايران، فإن الكونغرس يعاتب سوريا لدورها في زعزعة الاستقرار في العراق. ومثل ايران يعتبر الكونغرس سوريا واحدة من اعتى الدول الراعية للارهاب. ان الاستهتار بسوريا وايران بوصفهم رعاة للارهاب وتشكيلهم تهديدا لاسرائيل وفي حالة ايران شبح الاسلحة النووية الذي يلوح في الافق، قضية استشرت بين اعضاء الكونغرس قبل وقت طويل من غزو العراق.

في عام 2003، قام أعضاء مجلس الشيوخ باربرا بوكسر وريك سانتوروم بعرض قانون محاسبة سوريا "س 982" والذي اقره الكونغرس بسرعة. من ضمن امور أخرى سعى مشروع القانون الى وقف الدعم السوري للارهاب، ودعا سوريا الى وقف هذا الدعم عن طريق اغلاق مكاتب  حماس وحزب الله والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة في دمشق. اذ تعتبر الجماعات المذكورة اعلاه تهديدا على اسرائيل وعلى استقرار المنطقة.

وفي اوائل آب 2007، عرض بارني فرانك رئيس لجنة الخدمات المالية لمجلس النواب قانون تمكين العقوبات الخاص بايران  الذي يأذن للدولة والحكومات المحلية  بتصفية الشركات التي تعمل في قطاع الطاقة الايراني ويمنح الحماية القانونية لصناديق المعاشات التقاعدية ومدراء الصناديق المتبادلة الذين يختارون التصفية. يعد مشروع قانون فرانك واحدا فقط من  العديد من التدابير التي تهدف الى تجميد البرنامج النووي لايران ورعايتها للمجموعات المدرجة على قائمة وزارة الخارجية الامريكية  للمنظمات الارهابية.  تشير جماعات الضغط الداعمة لهذه الاجراءات الى ان التهديد الايراني بمحو اسرائيل عن الخارطة هو دافعهم الاساسي.

يعد حزب الله ومجموعة واسعة من الجماعات الفلسطينية المستفيدين الرئيسيين من دعم سوريا وايران. ونتيجة لذلك، غالبا ما يذكر الكونغرس الفلسطينيين في هذا السياق بصفتهم ممثلين غير عقلانيين  محفزين بالكراهية  ومتمكنين من قبل سوريا وايران. وكما وصفها غاري اكرمان رئيس اللجنة الفرعية لمجلس النواب عن الشرق الاوسط وجنوب اسيا، انه في مواجهة الازمة الانسانية في مايو 2007 كانت حماس لا تملك سوى استراتيجية واحدة الا وهي: "لا تكتفي بالوقوف هكذا، اقتل بعض اليهود".

يستهدف الكونغرس الفلسطينيين بصفتهم امتداد لسوريا وايران في المقام الاول عن طريق تسليط الضوء على الجماعات الاسلامية مثل حماس والجهاد الاسلامي. اما السياسيون الامريكيون سواء في الكونغرس او خارجه، فإنهم يتمكنون من التمييز بصورة فاعلة بين هذه الجماعات الاسلامية وبقية الشعب الفلسطيني المتحضر والمعتدل.

في جلسة للجنة الفرعية الخاصة بالشرق الاوسط وجنوب اسيا  بعنوان المساعدة الامريكية للشعب الفلسطيني يتساءل الرئيس اكرمان: "ماذا نفعل لتعزيز وتشجيع تنامي هذا النوع بالتحديد من الشعب الفلسطيني المهتمين بالحضارة، والناس المهتمين برفاه جيرانهم وعائلاتهم وامنهم؟ دعوني اسأل هذا السؤال الجرئ ،هل هناك فلسطينيون معتدلين؟ وفي حالة وجدوا، ما السبيل الى الحصول على المزيد منهم؟

مما لا شك فيه ان الرئيس اكرمان  وزملاؤه متفقين في الاراء عند الاجابة على هذه الاسئلة. حيث يقومون بتحديد المعتدلين بين الجماعات السياسية غير الاسلامية  والقادة غير الاسلاميين. ومن المرجح ان يكون الرئيس الفلسطيني محمود عباس من العرب القلائل الذين يتبنون سياسة التفاوض والتعايش. وعلى الرغم من ان عباس انتخب رئيسا عام 2005 ، الا ان الكونغرس لم يعتبره النموذج العربي او الفلسطيني حتى الانتخابات الشعبية لحماس. قبل النصر الانتخابي  الذي حققته حماس  كانت الفكرة المأخوذة عن ابو مازن بأنه زعيم غير فعال لحكومة فاسدة وغير خاضعة لمسائلة مجلس الوزراء. وقد اصبح موضوع الفلسطيني الجيد في مقابل الفلسطيني السيء جلي عندما اصبح من الواضح ان هزيمة حماس تستلزم  دعم زعامة فلسطينية بديلة. اما النظر في المظالم المشتركة والانصاف لجميع الفلسطينيين وسياسات الفصل العنصري الناجمة عن الاحتلال الاسرائيلي فليس خيارا. عوضا عن ذلك يدين الكونغرس اولئك الذين يقبلون السلوك الاسرائيلي بجرعات معتدلة على انه جيدون واولئك الذين يرفضونه ككل انهم سيئون. وفي الوقت ذاته لا يزال الكونغرس يعمل لادامة اسطورة اسرائيل على انها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط .

فلسطين كما وصفت من خلال اسرائيل

لا يزال السرد الاسرائيلي عن كونها الامة المهددة والبلد المحاصر في بحر من الاعداء – كما هو تعريفها لذاتها منذ انشائها-  قائم، وله تأثير كاسح في الكونغرس، على الرغم من ان الاسرائيليين انفسهم يتساءلون عن حدود مثل هذا السرد. ان عدم تجريم اسرائيل في الصراعات الحديثة في الشرق الاوسط هو اوضح مثال على حالة اسرائيل غير الخاضعة للجدل بصفتها كيان مهدد، على الرغم من حقيقة انها بالفعل القوة النووية الوحيدة في الشرق الاوسط. وخلال احدث هذه الصراعات، حرب تموز 2006، قام الكونغرس بالقاء اللوم على حزب الله على الدمار الذي اصاب لبنان وسقوط الضحايا من المدنيين.

ان تصور الكونغرس لاسرائيل على انها عالية عن الجرم يحدد ايضا كيف يقول اعضاء الكونغرس قصة فلسطين والفلسطينيين. وفي سياق سوريا وايران، فالفلسطينيون اما جيدون او سيئون. وحين يتحول المنظور الى الرواية الاسرائيلية فأن الفلسطينيون يصبحون ضحايا تصميمهم.

الكونغرس الامريكي على دراية بتاريخ انشاء اسرائيل على ارض فلسطين وتشريد اللاجئين الفلسطينيين، وهو عدد من اللاجئين يقارب ال 7 مليون شخص اليوم. في الجلسة الاستماعية للجنة الفرعية الخاصة بالشرق الاوسط وجنوب اسيا هنالك وجهان لعملة واحدة: اللاجئون الفلسطينيون واللاجئون اليهود. افتتح الرئيس اكرمان في بيان نصه الافتتاحي بأن اقر ما يأتي:

"بالنسبة للفلسطينيين فإن موضوع اللاجئين يجسد قضيتهم  اكثر من اي شيء اخر. اذ يحمل عبء التجريد  والغضب الجماعي الموجه ضد اسرائيل، مع شعورهم بالاحباط  لعدم قدرة زعمائهم على حل الازمات الوطنية، وشعورهم بأنه تم التخلي عنهم من قبل العالم على الرغم من حقيقة ان ملايين اللاجئين الفلسطينيين يتلقون خدمات يومية من الاونروا... بالنسبة للفلسطينيين فان مسألة اللاجئين تربط بين 1948 و1967 و2007  وسلسلة متواصلة من المآسي".

ويوجه الرئيس اكرمان غضبه تجاه التسليم غير المقيد بالسرد الفلسطيني مع الشغل الشاغل بتامين دولة اسرائيل كدولة يهودية. يقول اكرمان: "بالنسبة للاسرائيلين فأن الاثار المترتبة على الديمغرافيا، تجعل المطالب المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين تبدو وكأنها لا تدعو الى تحقيق العدالة بل الى الانتحار". ويوفق النائب اكرمان وصفه للخسارة الفلسطينية بالخسارة التي المت باللاجئين اليهود في الشرق الاوسط. ثم يعاتب الدول العربية لعدم استيعاب اللاجئين  كما فعلت اسرائيل مع اللاجئين اليهود في الشرق الاوسط وكما فعلت دول اخرى مع اللاجئين. على نحو فعال، فإن المشكلة هنا، ليست في طرد الفلسطينيين، بل في كونهم اشخاص غير مرغوب فيهم في البلاد المضيفة لهم.

 يسأل النائب اكرمان الشاهد الدكتور شبلي تلحمي استاذ معهد انور السادات للسلام والتنمية في جامعة ميريلاند :"لدي سؤال، هل يتم اعتبارهم من البشر الاقل شأنا؟" استجابة للامتناع المستمر لعضو الكونغرس، يحاول الدكتور تلحمي مناقشة  قضايا مسؤولية اللاجئين التي يثيرها النائب اكرمان "بقدر ما تحاول فتح قضية المسؤولية على ما يبدو للبعض انه في عام 1948 بعد ان قام العالم المتحضر من خلال الامم المتحدة بخلق دولة اسرائيل، تعرض لهجوم العالم العربي ومؤدية بذلك الى ظهور جميع هؤلاء اللاجئين الذين فروا الى البلدان التي هاجمت اسرائيل. وبذلك فأنها تتحمل المسؤولية  في اذهان الكثيرين وانا من ضمنهم  لبدء الاحداث التي ادت خلق اللاجئين  في المقام الاول . وهذا ما يختص بالمسؤولية.  اما ان هؤلاء اللاجئين تم توطينهم في العديد من البلدان وتتم معاملتهم بشكل غير متساوي على انهم مواطنين درجة ثانية لانهم ليسوا مواطنين على الاطلاق، فسأعود الى سؤالي، هل هم بشر اقل شأنا؟"  يجيب النائب اكرمان على سؤاله بنفسه عندما يقول " انهم محتجزون في هذه الحالة ليتم استخدامهم كبيادق سياسية".

يخلص النائب اكرمان الى ان الحل " ليس في اجبار شخص بالحب للخروج منه"  (اللاجئين الفلسطينيين الذين يتوقون الى العودة)  بل باغرائهم "بعرض اخر لا سيما عرض اكثر جاذبية وتوفر" (في تسوية دولة  فلسطينية مستقلة الى جانب اسرائيل او اعادة توطينهم في بلد ثالث).

ان الفكرة السائدة ان العرب والقادة الفلسطينين هم الذين يتحملون مسؤولية المعاناة الفلسطينية وان المسؤولية لا تطال اسرائيل هي فكرة واسعة الانتشار. في جلسة استماعية تختص بالمساعدة الامريكية المقدمة للفلسطينين، يفسر النائب مايك بنس كبير اعضاء اللجنة الفرعية المختصة بالشرق الاوسط وجنوب اسيا: "هذه الحالة المحيرة نكبت الفلسطينين لبعض الوقت الان. اذ يفضل بعض قادتهم شن حرب على بعضهم البعض وعلى اسرائيل عوضا عن انشاء مجتمع تحمى فيه الحقوق والحريات الاساسية. في ما بين الاستبداد والتطرف بالتأكيد يجب ان يكون هناك حضارة عربية محدثة في الانتظار لتظهر".  وفي حين يلقي النائب اكرمان باللوم على العرب للنفاق السياسي، يشير النائب بنس الى عدم وجود حضارة. يتشارك كلا النائبين في التصور المركزي القائل بان السياسات الاسرائيلية لا علاقة لها بقضية اللاجئين الفلسطينيين، ويقع الخطأ على عاتق العرب والفلسطينيين انفسهم.

وهكذا، من جهة يشفق الكونغرس على الفلسطينيين ويأخد على عاتقه منح بعض اشكال الاغاثة الانسانية. من جهة اخرى  يعرقل الكونغرس حق الفلسطينين في تقرير المصير في كل منعطف، ومدافعا عن حقوق الانسان في لبنان وسوريا ومصر، في حين ينكر اي غاية من حقوق الانسان والحقوق السياسية في فلسطين/اسرائيل. ومن ثم، فأن جدول اعمال الرئيس لانشاء الحل المبني على اقامة دولتين جنبا الى جنب يبدأ وينتهي بأمن دولة اسرائيل.

اين تقع فلسطين في الكونغرس؟

الفلسطينيون في قمة الكابيتول  يقعون في مكان ما بين اسرائيل من جهة، وسوريا وايران من الجهة الاخرى. في كلا الموقعين غيرالمؤكدين، فان فلسطين والفلسطينيين امتداد للجهات الفاعلة. من اجل ان تصبح فلسطين لاعبا نشطا، ما يعتبر هدف محتمل بشدة في هذا المنعطف السياسي، يجب على النشطاء اختراق الدرع الاسرائيلي المتين. وهذا يتطلب قوة خارقة لجذب اهتمام الكونغرس الى هذه الدعوة.

ان المدافعون الذين يتخذون من الولايات المتحدة مقر لهم  مضللون بالحكومة الامريكية  وقدرتها على ان تكون ممر للتغيير. مع ذلك، فان التحايل على سياسة الكونغرس والادارة الامريكية لن يجلب سوى مكاسب سريعة الزوال. والفشل الحديث لسياسات عدم التقاضي يدل على ذلك. رفضت المحاكم الفدرالية الامريكية قضية كوري ضد كاتلربيلر، وهي قضية قانون العمل الموجهة ضد شركة كاتربيلر للجرافات  للتعويضات المدنية على تهم القتل الخطاء والكسب غير المشروع والجرائم ضد الانسانية من ضمن اتهامات اخرى على خلفيات سياسية. وقد وجدت محكمة الدائرة التاسعة  انه على الرغم من ادلة المدعين ضد كاتربيلر الا ان القضية غير ذات اهلية لان الحكومة الامريكية  دفعت ثمن مبيعات كاتربيلر لاسرائيل. وان تضمين الادارة الامريكية في الانتهاكات المزعومة يفقد القضية اهليتها.  لقد تم تقويض استدلالية  شكوى وكوري وقوتها القانونية من قبل النظام الاساسي  وقانون السوابق القضائية التي تحظر التدخل في الامور الخاضعة للحكم الحصري  للسلطة التنفيذية. يتطلب الفصل في شكوى كوري على اساس جوانبها الموضوعية تحول سياسي  او تعديل تشريعي.  

حتى ان تدخل الكونغرس يصل الى الحد من حملة مقاطعة اسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات عليها حتى تنصاع للقانون الدولي في الولايات المتحدة. إن أية امكانية لنجاح هذه الحملة يمكن ان تتداعى بسهولة عن طريق التشريعات التي تدين هذه الاجراءات الاقتصادية باعتبارها غير قانونية. ان النجاح في هذه الحملة يتطلب حياد الكونغرس على اقل تقدير.  في الوقت الحاضر الكونغرس منحاز لدرجة ان تحقيق الحياد يعد نصر.

يعد صرف دور الكونغرس في تعزيز حقوق لانسان الفلسطيني أمر قصير المنظور وغير فعال. وتركيز الدعوة حصرا على الكونغرس ليس بأفضل من ذلك. إن النجاح في القمة يتوقف على قوة القاعدة الشعبية ووسائل الاعلام والدعوة القانونية. اما احداث تغيير في السياسة الخارجية للشرق الاوسط  وفي حياة الفلسطينيين فإنه يتطلب احداث توازن دقيق وتنسيق  تام بين الاستراتيجيات المكملة.

____________________

نورا عريقات هي عضو سابق في مجموعة "نيو فويسز"، عملت من خلالها مع الحملة الأمريكية من اجل انهاء الاحتلال الاسرائيلي بصفتها منسقة القاعدة الشعبية والمستشارة القانونية. تعمل الآن كباحثة في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جورجتاون (واشنطن)، كما تشغل منصب مستشارة الرقابة واصلاح السياسة الداخلية للجنة الفرعية في مجلس النواب.