حكاية الغـُبّيـّات

قرية الغبيّات المهجرة )تصوير: مقبولة نصار، 2005 ( قرية الغبيّات المهجرة )تصوير: مقبولة نصار، 2005 (

بقلم: رنين جريس*

الغـُبّيـّات بالعربية جمع غـُبّيـّة وهي الغابة الصغيرة. أعطي هذا الاسم لثلاث قرى فلسطينية هي الغبية الفوقا والغبية التحتا والنغنغية. كانت هذه القرى الثلاث تقع حسب هذا الترتيب من الغرب إلى الشرق على يمين الشارع الواصل بين حيفا وجنين. تقع هذه المنطقة اليوم بين مستوطنة "مشمار هعيمق" التي تبني حياً سكنيا جديداً على أرض الغبية التحتا، وبين مستوطنة "مدراخ عوز" التي بنيت أصلاً عام 1952 على أرض النغنغية والغبية الفوقا، وتتوسع هذه الأيام على حساب أراضي لاجئي ولاجئات القريتين.


كانت مساحة أراضي الغبّيّات الثلاث حوالي 12،140 دونماً، 80% منها في مرج ابن عامر والباقي على التلال المنخفضة الواقعة في الطرف الجنوبي لجبال الكرمل. كانت أراضي الغبيات تابعة لإقطاعيين اثنين من لبنان، كانا يعملان في مؤسسات الدولة العثمانية وهما: توفيق بك بيضون ويوسف بك الخليل. وقد حصل سكان القرى على أراض لبناء بيوتهم عليها، وكانوا يدفعون ربع المحصول السنوي للأميرين المذكورين.

بلغ عدد سكان الغبيات عام 1945 حوالي 1130 مواطناً، إعتاشوا بالأساس على الزراعة وتربية المواشي، وأهم مزروعاتهم كانت الحبوب بأنواعها. أما الأشجار المثمرة فكانت قليلة وزرعت في شمال النغنغية وحولها.

عن القرية وعن علاقته بجيرانه اليهود حدثنا محمود عبد اللطيف برق الليل (1930) وهو يسكن اليوم في مدينة اربد (الأردن):**
أنا من مواليد الغبيا الفوقا، الغبيا الفوقا كانت على بجبل عالي، بطلعها بس جحش؛ أما الغبية التحتا، فكانت السيارات تيجي عليها، مختار بلدنا كان اسمه أبو شهاب. ببلدنا كان في 4 - 5 عيال وكنا نتبع لام الفحم. ام الفحم كانت من الشرق. وكان فيها مركز بوليس وحاكم عسكري، بس عنا ما كان في.

أبوي كانوا يقولوا عنه برق الليل لأنه ما كان يخاف، كان قوي، استلمته كلمة برق الليل وظلت ملزقة عليه، أبوي أصلا من الطنطورة.

 

كنا عايشين احنا واليهود مع بعضنا، أبوي كان يتاجر بالحلال كان يشتري عجول من العرب ويبعث لليهود بالعفولة و"مشمار هعيمق" وكبانيّة الورقاني. كنا نجيب عنب من عندهم وتفاح وفواكه ونتاجر فيها. العلاقات كانت ودية وكانوا يشاركونا بأفراحنا، بالأضحى ورمضان. كان المخاتير الكبار يعايدوا علينا. كان مختار مشمار هعيمق اسمه سليم وكان صاحب أبوي. أبوي كانت علاقته مع جيراننا اليهود كتير منيحه وكان يعرف النسوان قبل الزلام.

ويستمر محمود برق الليل في نشل ما تبقى من مخزون ذكرياته قائلاً:
بقرى الغبيات ما كان في مدرسة، لأنه مع بداية الاحتلال البريطاني تسكرت المدرسة المشتركة اللي بنتها الحكومة العثمانية لقرى الغبيات الثلاثة وصارت الأولاد تتعلم بمسجد الغبيا التحتا وتشتري الكتب من حيفا. أنا درست بالمسجد سنة واحدة بس، كنا حوالي ثلاثين طالب وكنا ندرس أحرف وقرآن. أنا كنت أغيب كثير أحسن ما الشيخ محمد يضربني بالفلقة.

كان طلاب المدرسة يدفعوا للشيخ قمح، بيض أو عشر قروش بالسنة كلها.. كنا نحط له شوك تحت الجاعد (المقعد) عشان يدق بقفاه ويفلّ، وكان اللي يختم القرآن نعمل له حفلة. قسم من اللي كانوا ينهوا دراستهم كانوا يكمـّلوا تعليمهم بقرية المنسي المجاورة. بس قلائل اللي راحوا.

الانجليز...
أنا كان عمري 6 سنوات أيام الثورة، حدثنا محمود برق الليل، كان الثوار متواجدين ببيت أبوي، كانوا مجندين ويناوشوا الكبانيات، مشمار هعيمق والورقاني والعفولة. بس ما كان حدا يظهر السلاح لأنه الخونة موجودين. أنا بذكر من الثوار بس أبو دُرّه من بلدنا اللي شارك بالثورة. أبوي كان المساعد الأيمن لأبو درّة. الجيش البريطاني كان يطلع من حيفا على جنين أو من جنين على حيفا، والثوار يصيروا يناوشوهم من الجبال ويطخـّوا عليهم. بارودة مقابل رشاشات شو بدها تعمل؟ بعدين كان الانجليز إذا لاقوا حدا مع بارودة يخربوا له الدنيا. الإنجليز أجو عدة مرات يفتشوا بيوت أهل البلد، أبوي كان يخبي الباروده بقن الدجاج. لما ييجوا الانجليز الشباب كانت تفرّ على الوعر والجبال، والانجليز كانوا يخافوا يطلعوا على الجبال. بس إذا كانوا يلاقوا عربي مع سلاح كانوا يعدموه. أما اليهودي ما كانوا يعدموه. أنا كنت أشوف اليهودي بمشمار هعيمق، يكون حامل سلاح والجيش يمر من جنبه وما يحكوا معه.

احتلال قرى الغبيات
جاء في كتاب وليد الخالدي أن مراسل صحيفة نيو يورك تايمز ذكر في تقرير له أن قوات الهجناه هدمت في الغبية التحتا 14 منزلاً وسببت أضراراً لعشرة منازل إضافية. وذكر أنه لم تقع إصابات بالأرواح لأن سكان القرية كانوا قد خرجوا منها في أعقاب هجوم يهودي سابق كان يوم الجمعة 12 آذار. في كتابه "ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين 1947 – 1947" يقول بني موريس:

في الأيام التي تبعت الهجوم الفاشل الذي قام به القاوقجي على مشمار هعيمق، هدمت قوات الهجناه – وأغلبها من قوات البلماح – بشكل ممنهج القرى المجاورة للكيبوتس، وذلك بمساعدة السكان اليهود في تلك المنطقة. وكانت القرية الأولى التي وقعت ضحية هذه السياسة هي الغبية التحتا. التي كانت أقرب القرى إلى مشمار هعيمق. وفي الأيام التالية، ابتداء من 8 نيسان هدمت أيضاً القرية التوأم، الغبية الفوقا، وكذلك خربة بيت راس القريبة وأبو شوشة، وفي 12 نيسان هوجمت القرية الكبيرة الكفرين، جنوب غرب الكيبوتس، وقرية أبو زريق. واجهت المنسي والنغنغية الواقعتان جنوب شرق الكيبوتس نفس المصير.

يبدو أنه في 25 نيسان كان الهجوم الأخير على قرى الغبيات لتطهيرها نهائياً ولهدم ما تبقى من منازل وبمشاركة سكان كيبوتس مشمار هعيمق القريب.

"وين النشامى وين؟!"
عن ترحيلها، حدثتنا نجية إبراهيم محمود الجابر (1928) وهي تسكن اليوم في مخيم جنين:

أنا ولدت بصبـّارين وتجوزت بالغبيا لما كان عمري 19 سنة. لما طلعنا من البلاد كان عمري حوالي 20 سنة. كنت متجوّزة 6 أشهر وحامل بالشهر الثالث. يوم من الأيام رحت عند سلفتي حسنة ولقيتها بتعيـّط، سألتها شو صار؟ قالت خايفة من الحرب مع اليهود. قلتلها اسكتي، ما تخافيش منهم، مين هم هذول اليهود؟

بيوم سمعت إنه القاوقجي بدّه ييجي على المستوطنة. صارت معركة يومين مع اليهود وإحنا رحنا قعدنا بالمغارة. بعدها انسحب القاوقجي وترك المنطقة، وقال أجاني أمر وانا رايح من هون. وترك لنا عشر جنود يحموا البلد. اليهود هجموا علينا من العصر وظلت المقاومة حتى الساعة عشرة بالليل. وقتها ما ظل إشي وهربنا.

عمـّي، يعني حماي، كان جنبه جندي من جيش الإنقاذ. الجندي استشهد. أخذ عمي سلاحه وهجم وصار يصيح "وين النشامى وين" ويسبّ على اليهود واستشهد. أولاده صالح ومصطفى كانوا يومها مع المقاومة يحاربوا واخوهم محمد (زوجي) خلوه عندنا يحمي الدار والنسوان.

إحنا طلعنا وظلينا نمشي من الساعة عشرة بالليل حتى الصبح. طلعنا وما أخذنا معنا إشي، والطـّخّ فوقنا. ميـّلنا على مغارة نرتاح. وكمـّلنا مشي لحتى وصلنا اللجون ورحنا عند دار علي أبو شتية. ثاني يوم رجعنا ووقفنا على الشارع وصرنا نسأل الناس "شفتوا عمـّي وين استشهد"؟؟. شو بدنا نعمل؟ أولاده بالمقاومة وجوزي كل ما كان بدّه يروح يشوف أبوه كنا نمسك فيه وما نخليه يروح.

بعد يومين رجعنا أنا وأسلافي حتى ندوّر على جثة عمي وحتى أجيب أواعي إلي. أنا المرأة الوحيدة من العائلة اللي رجعت. دخلنا البلد ولاقينا الحيوانات مقتولة ومنفخة. البيوت مدمرة، كله خراب. ما لقيت إشي، لا خزانة ولا دجاج ولا بقر، كله راح. الدمّ مغطـّي الأرض. لما لاقينا جثة عمـّي، أقسم بالله كأنه نايم، صحيح جسمه مخردق ومطخوخ برأسه، لكن كأنه نايم، حطيناه العرباي وحطينا جنبه جثة جندي من جيش الإنقاذ. الجندي آخذوه جيش الإنقاذ وعمي جبناه ودفناه.

"الشباب ميته ع باب الدار وما في حدا يدفنهم"
وتضيف رئيفة أبو زبتـّة (1937) من مواليد الغبية الفوقا وتسكن حالياً في مدينة أم الفحم:

خذوني على الغبية بتذكر كل شي. أنا طلعت من البلد وعمري 11 سنة، اليهود أخذوا البلاد برداً وسلاماً. أجو علينا أهل الغبية التحتا لأن الطخّ أجا من جهة الغبية التحتا. إمي عجنت لجنين عجين عشان الصبح نفطرهم. وزوجة أبوي عجنت مثلها عشان نطعم الناس. ما فكرنا يصير هيك. بالليل أجو علينا جيراننا البدو وقالوا اليهود هجموا. خفنا وطلعنا من البلد، كانت الدنيا ليل. طلعنا احنا واللي أجو عندنا. وصلنا اللجون. احنا رحنا على دار فاطمة الحاج نمر وفرشت لنا قاع الدار. قسم من الناس رحل على ام الفحم، وبرا البلد وقسم قعد بالحواكير وتحت الزيتون. دار رؤوفة أختي قعدوا تحت الزيتون حوالي سنة . في يوم رحنا نودّي خبز لأختي رؤوفة لقيناها راحلة على الاردن.

بعد فترة صارت هدنة وصارت الناس تروح على الأرض وتجيب محصولها، كان زمن حصيدة. لما راحت الناس على البلد لاقوا أبو الرزّي وابو حسين المسفط مقتولين، وكمان علي الشهاب لقيوه مقتول بداره، التقينا مع امه وهي تصرخ باب البيت لما سمعت عن ابنها. الشباب ميته ع باب الدار وما في حدا يدفنهم.

مختار اليهود قال لأبوي ما تطلع، ما تخاف. أنا سمعت هاذ الحكي من أبوي. بعد ما طلعنا أبوي ما رجع على الغبيات بس الناس اللي بتروح هناك حكوا لنا إنه الدار مهدمة.

"بعتو بلادكم وجايين توخدوا ميّة؟!"
عن الأشهر الأولى بعد خروجها من الغبيات ورحيلها فيما بعد الى مخيم جنين حدثتنا نجية إبراهيم محمود الجابر:

بعد رحيلنا من الغبيات رحنا على اللجون، بعد اللجون رحنا على ام الفحم. في ناس صاروا يقولوا يلعن أبوكم يا لاجئين، إنتو بعتوا بلادكم وجايين بدكم من عندنا مـيّة؟!. بالنهاية رحنا عند دار محمد الحماد من المحاميد، واستقبلونا منيح. بعدها بنينا جنبهم بيت شَعر وسكنـّا فيه، كنا مثل النوَر، ما في إشي معانا. صار اللي معهم ذهب لنسوانهم أو مصاري يروحوا يشتروا فيهن، يشترولنا لحف أو طاسة صغيرة. رحت مرّة أملي الجرة وكانت هناك واحدة بدهاش تخليني أملي. أجا جوزي وشافني بعيـّط تحت الزيتونة وقلت له عن اللي صار. ركبنا على الفرس ورحنا على منطقة الشرايع جنب أم الفحم وبنينا عريشة وغطيناها بشوالات. ظلينا هناك حوالي أربع او خمس شهور، خلـّفت احمد بالشرايع، لما صار عمره 18 يوم صارت الدنيا تشتي، راح أبو أحمد يفتش على دار للإيجار وما لقي، رحنا على عارة، لأنه سمعنا انه العراقية هناك وبدخـّلوا اللاجئين على بيوت الناس. وصلنا عارة بشهر 11، وسلـّموا أم الفحم والمثلث وإحنا هناك. أعلنوا إنه ممنوع اللاجئين يظلوا هون. أهل عارة كانوا مناح وكانوا مستعدين يعطونا أرض ونسكن فيها. قسم كان مستعد يقول اننا قرايبهم جينا من حيفا.

سكنا بعارة سبع اشهر عند مرأة اسمها وفقة وجوزها اسمه فارس. وفقة كان الها 6 بنات ورضّعت ابني احمد لمدّة 7 شهور. طلعنا على جنزور بأرض قباطية، لأنهم قالوا بدهم يبنوا هناك مخيم. هناك خلفت بنتي سهيلة واحمد يومها صار عمره 3 سنين.
سنة الثلج القوي [1950] والشتا الصعب طارت الخيام وانهدّ المخيم. قسم من الناس راحت على طولكرم واللي ما إله محل راح على الجامع. أنا رحت على الجامع بجنين، لأنه جوزي كان محبوس لمدة شهرين عند الأردنية لأنهم مسكوه مع بضاعة. أجا سلفي أبو كمال وما خلاني بالجامع. سكنت عندهم، وبعد 3 أيام طلع أبو احمد من السجن. استأجرنا غرفة بمخيم جنين، ولمـّا صرنا 12 شخص، 5 اولاد و5 بنات وأنا وجوزي، نقلنا على بيت اوسع وبعدين جينا اشترينا هاي الأرض اللي احنا فيها وبنينا بيت، هذا كان سنه 1978. أنا حافظة مع اني مش متعلمة، أنا قوية، أنا خلقت صبـّارين. من يوم التهجير ما رحت أزور بلدي. وأنا ساكنة بعارة كانوا يقولوا لي بنوخذك تشوفي بلدك، بس رفضت اني أروح على بلدي شمة هوا؟ ما بروح شمة هوا...

----------------------------------------
* رنين جريس مركز مشروع التاريخ الشفوي في جمعية زوخروت (ذاكرات)- حيفا، عضو الهيئة الاستشارية لجريدة حق العودة.
** قام بجمع الشهادات: عمر اغبارية عام 2010، وهو باحث ميداني في مجال التاريخ الشفوي والتوثيق في جمعية ذاكرات. شهادة محمود عبد اللطيف برق الليل (2007) – تم نقلها عن موقع فلسطين في الذاكرة.