خطوات أولية نحو إعادة بناء قرية الغابسية

قرية الغابسية المهجرة )تصوير: مقبولة نصار، 2005 ( قرية الغابسية المهجرة )تصوير: مقبولة نصار، 2005 (

بقلم: يوئاف شتيرن

ملف رقم 5/220 في المحكمة العليا بصفتها محكمة العدل العليا، جلسة في تاريخ 30 تشرين ثان 1951. لقد أخرج سكان الغابسية من قريتهم قبل حين، وهي ليست المرة الأولى، ولهذا فقد طالبوا بإبطال الأمر ذي العلاقة.

لقد لجأت محكمة العدل العليا إلى تفسير تقني: لم يعلن عن أمر الحاكم العسكري للجليل في الجريدة الرسمية (رشوموت)، ولهذا فإنه غير ساري المفعول. لقد نص القرار على أن الجيش لم يكن يملك الصلاحية بطرد المدعين من قرية الغابسية، وليس له الصلاحية في منعهم من الدخول إليها والخروج منها، التواجد والسكن فيها.

في تلك الفترة، سكن من تبقّى من سكان الغابسية في البلاد على بعد مئات الأمتار من بيوتهم، والعديد منهم سكنوا في بيوت القرى المجاورة مثل الشيخ دنون، وذلك لأن سكانه الأصليين قد أصبحوا لاجئين، فيما سكن الآخرون في قرية المزرعة القريبة من الشاطئ، حيث تابعوا من هنالك ما يحدث في قريتهم واستلموا القرار بفرحة كبيرة ومفاجأة.

كانت الغابسية قرية كبيرة نسبيا في فلسطين 1948، حيث كانت أحد أهم المراكز القروية في منطقة قضاء عكا، وقد عاش فيها 700 شخصا. السيد داود بدر، من مواليد القرية، يشير إلى مركزيتها: لقد تم رصف الطريق المؤدي إليها بالحجارة على يد السكان، ولا تزال حجارة التطويق (الحوافي على جانبي الطريق) بارزة في المكان، وفي العام 1947 تم تعبيد قطعة منه بالإسفلت، إنه مشهد نادر في تلك الأيام.

لقد بني المسجد المُثير للإعجاب والذي كان مدعاة فخر لأهالي القرية، في فترة ظاهر العمر حاكم الجليل العربي في القرن الثامن عشر. واستخدم المسجد للصلاة في فترات الأعياد وأيام الجمعة لسكان القرى الأخرى أيضا. في طرف الجامع، تواجدت غرفة استخدمت كمدرسة للقرية وقد كان في هذه المدرسة تلاميذ من مختلف الأجيال.

كانت الغابسية قرية هادئة. وقد توصل الشيخ رباح العوض مختار القرية، إلى اتفاق مع الوسيط ميخا كهاني، رجل المخابرات في الهاغانا من كيبوتس كابري، وبموجبه سيتم رفع العلم الأبيض فوق المسجد، عند دخول الهاغانا إلى القرية، لتكون علامة على استسلام القرية بدون مقاومة.

بتاريخ 21 أيار 1948، وصلت إلى القرية وحدة عسكرية، وتسللت إليها من جهتي الشمال والجنوب. دخلت القوّات اليهودية إلى القرية وقتلت الشخص الأول الذي رأته وهو داود زيني الذي أرسل ليعلق العلم الأبيض فوق المسجد، وبعده تم قتل عشرة سكان بنيران المُحتل.

في نهاية ذلك اليوم، ترك السكان بيوتهم. يتذكر داود بكر صباح هذا اليوم:

أيقظتني أمي من النوم وأخرجتني من البيت ووضعتني في ساحة بيت الجيران، أنا أتذكر نفسي جالسٌ على العتبة الباردة، بعد ذلك دخلت الى البيت ووضعت بعض الأغراض داخل قطعة قماش كبيرة، ثم صرّتها ووضعتها على رأسها ومن ثمّ خرجنا متجهين شرقا إلى الجبال.

مع نهاية عام 48، عاد قسم من سكان الغابسية إلى القرية، وبقوا فيها حتى العام 1950. وفي هذا العام، أخرجوا بأمر من الحاكم العسكري. كانت القرية فارغة، فقد طرد جميع السكان وتركوا وراءهم بيوتهم. وقد حاول سكان الغابسية العودة مرّة أخرى إلى بيوتهم في أيلول 1951، ولكن من كان يقبض عليه وقتذاك في القرية كان يحاكم ويدفع غرامة ويسجن.

وفي نهاية عام 1951، اتخذت المحكمة العليا قرارا يلغي قرار الحاكم العسكري، وبعد أسبوع من إصدار القرار عاد قسم من السكان إلى بيوتهم، "أراد الناس تطبيق القرار" يقول داود بدر. وفي 8 كانون أول 1951، عاد سكان الغابسية الى القرية. ومرّة أخرى، جاءت الشرطة وأمرتهم بالعودة "من حيث أتوا". عندها أطلعوا الشرطة على قرار المحكمة العليا ولكن الشرطة قالت بأن الحكومة قد أعلنت القرية منطقة عسكرية مغلقة.

داود بدر هو عضو لجنة الغابسية الشعبية، واليوم وبعد 57 عاما من ذلك القرار، لا يزال يعيش في قرية الشيخ دنون التي لا تبعد سوى كيلومتر هوائي عن بيته الأصلي.

يوجد على بعد، ثلاثة دقائق سفر شمالا على شارع 70، منحدر غير مشار إليه لطريق غير مُعبد، مع لافتة أخرى كتب عليها "ستبنى هنا مقبرة نهاريا". إلى الأمام على جانبي الطريق، تتواجد المقبرة المتروكة التابعة للقرية، وفي تتمة الطريق تجد بقايا للبيوت، فيما لا يزال المسجد مثيرا للإعجاب، ولكنه مطوق من قبل دائرة أراضي إسرائيل. في العام 2000، بدأت محاولة فريدة من نوعها للتخطيط من جديد لبناء قرية الغابسية، وذلك بهدف إعادة الحياة إلى القرية. عضو الكنيست عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة د. حنا سويد، وبالتعاون مع جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين برئاسة المهندس سليمان فحماوي قد بادروا إلى عملية التخطيط هذه، حيث بدأت بتجميع المواد عن وضعية أصحاب الأرض والأملاك في القرية.

لقد أشار فحماوي إلى أن العملية هي مقدمة لتخطيط قرى إضافية، وقد كانت الدوافع وراء اختيار قرية الغابسية لعملية التخطيط هي: وجود لجنة للسكان المهجرين التي نظمت المعلومات بشأن أصحاب الممتلكات، قرب العديد من اللاجئين من القرية المهجرة، وحقيقة أنه لم يبنَ على أراضي القرية أية مستوطنات يهودية جديدة، بالإضافة إلى الوضعية التخطيطية والقانونية للأراضي. إلى جانب ذلك، من الممكن إيجاد بقايا البيوت التي لا تزال على مساحة القرية، المقبرة القديمة والمسجد الذي من الممكن استخدامه على أكمل وجه.

مع بداية المشروع، وزعت استمارات للسكان، وقد زوّد كل مهجر بالمعلومات التي يعرفها حول وضعية ممتلكات عائلته، وعن أقرباء العائلة من اللاجئين المتواجدين خارج القرية، كما قام عدد من السكان بالحصول على صكوك الطابو التاريخية من دائرة الأراضي في الناصرة، وفيها لا يزال مكتوبا بوضوح من هم أصحاب الأملاك. وقد تم في بعض الحالات، الاستعانة بالأرشيف العثماني في اسطنبول من أجل إحصاء وتسجيل الممتلكات في الأراضي. كما قدمت لجنة أهالي الغابسية الملف الذي تم تحضيره قبل سنوات عديدة وفيه معلومات مركّزة من قبل السكان أنفسهم. كانت غالبية المعلومات المجمعة للمركز العربي للتخطيط البديل بهدف تخطيط برنامج محوسب يمكن من عرض الوضع الذي كان قائما في القرية عام 1948، وعن طريق المقارنة بين صور التصوير الجوي المختلف للقرية، فقد أعيدت للبرنامج المحوسب كل البيوت التي كانت قائمة في مساحاتها.

وقد سألت عناية بنا، وهي مُخططة مدن، والتي أدارت المشروع كمختصة من خلال عملها اليوم في المركز العربي للتخطيط البديل، حول تجميع المواد عن القرية لما كانت عليه في العام 1948 وحول التخطيط المعاصر للقرية. وحسب أقوالها فإن الجهد لم يكتمل بعد:

لقد خطط بأن يبقى أساس القرية كما كان ويمكن لهذا أن يجيب على احتياجات قائمة اليوم، ولكن هنالك حاجة لتخصيص أراض لمساحات عامة مفتوحة والمباني العامة. المساحات العامة المفتوحة تشمل الحدائق العامة والدوارات، فيما تشمل المباني العامة المؤسسات الجماهيرية والمدارس والبلدية.

لقد كانت المباني الوحيدة القائمة في القرية في العام 1948 هي المسجد والمدرسة التي كانت بجواره. أما المساحات العامة المفتوحة فقد تمثلت في منطقة البيادر، وهي ساحة مفتوحة قريبة من المسجد، لقد استخدمت هذه المنطقة في كل القرى من أجل تخزين المؤن، وبالأساس استخدمت كـ "قاعة أفراح" تقام فيها المناسبات الكبيرة، وربما أيضا الاجتماعات العامة.

سيشمل التخطيط الجديد للقرية دون شك استرجاع الوضع الذي كان قائما عشية هدم القرية، فسّرت بنا. ولكن تخطيط قرية فلسطينية من جديد، أو تخطيط توسيعها يحمل الكثير من الصعوبات هنا. وينبع جزء من هذه الصعوبات إلى تحديد حجم الملكية الخاصة على الأراضي، واكتظاظ الأبنية في مركز القرية، وثمة حاجة لإبعاد الأبنية الجديدة إلى مناطق بعيدة عن المركز.

بالإضافة إلى كل هذا، لا يزال في الغابسية في هذه المرحلة سؤال بلا جواب، كيف سنطوّر القرية ونوسعها حتى تستوعب كل السكان الذين يريدون العيش فيها بالإضافة إلى أحفادهم؟ في المناطق السكنية الجديدة، يشمل هكذا تطوير على الحاجة إلى مصادرات وفرض قيود على التخطيط، وهو ما تقرره عادة السلطة المحلية، ولكن في الغابسية ليس هنالك سلطة محلية، ولا حتى دولة تساعد على مثل هذا التطوير. ولأن عملية التخطيط لم تشمل هذه المرحلة، فليس هنالك إجابات على هذه الأسئلة حتى الآن. تشرح بنا، أنه وبحسب توجه المركز العربي للتخطيط البديل "لا يمكن إجبار السكان على شيء، هم على علم بأنه من أجل دفع تخطيط القرية إلى الأمام هناك حاجة لتخصيص جزء من المساحة الشخصية لصالح الكل".

يعتقد العاملون في المركز بأن تعاون السكان هو الذي سيؤدي لاتخاذ القرارات الصحيحة: "في الغابسية"، تقول بنا، "لن يكون الأمر أصعب من الوضع القائم في قرى النقب. إننا بحاجة لأن نخطو الخطوة القادمة إلى الأمام حتى لا يكون هذا مجرد خيال".

في هذه الأوقات، لن ينقطع السكان عن التأمل. الحاج خليل حلف الله صديق بدر وجاره في الشيخ دنون يحلم: "لو كان ممكنا لآخذ منذ الغد خيمة وأقيم على اطلال بيتي". في جولة بين بقايا البيوت يمشي على مهل ويتحدث عن السكان، فجأة يقف ويشير بيديه باتجاه الأرض ويقول: "هنا. هذا بيتي. أريد العودة إلى هنا".

[إقتباس سامي شالوم شطريت]

العنف حسبما تفهمونه وحسبما لا تفهمه حنا أرندت (كامرأة بيضاء) أبدا، هو وجود اليهود الأوروبيين على أرض فلسطين. ما كان ليكون ولن يكون أي كيان صهيوني أوروبي بفلسطين لولا القوة والعنف. وقف القوة والعنف معناه تفريق الاستعمار الأوروبي. لهذا، مع كل الاحترام- فإن المشروع المركزي هو نزع الكولونيالية عن فلسطين، ومن المحتمل أن يكون الثمن هجرة السكان الأوروبيين برضا أو بخوف مثل أحداث أخرى في التاريخ.

سامي شالوم شطريت، يرد على نورما مويسى وإيتان برونشطاين


كفر برعم- نموذج للإصلاح

الأسبوعان اللذان وعدت بهم السلطة، منذ طرد سكان القرية وحتى العودة إليها طالا كثيرا إلى أن وصلت اليوم إلى ستين عاما. وعلى الرغم من السنوات العديدة؛ إلا أن سكان كفر برعم المتنامين لم يفقدوا الأمل في العودة إلى بيوتهم. إنهم لا يتوقفون عن العمل من أجل بلوغ هذا الهدف. هذا النموذج هو اقتراح أساسي لإمكانية حاضر آخر.

مرحلة أ- نموذج لتطوير مساحة القرية القديمة التي هدمت عام 1953، لتصبح مركزا عاما لصالح سكان القرية وسكان المنطقة.
مرحلة ب- نموذج لتطوير قرية جديدة كإطار مطوق ونسيج حي لبنى تحتية، أماكن سكن، مصانع، وزراعة وبمركزهم القرية القديمة المُرممة.

------------------------------

* يوآف شتيرن: صحفي في جريدة هآريتس.