أبعاد اقتصادية لعودة اللاجئين الفلسطينيين - أفكار أوليّة

مخيم البقعة، الأردن. )تصوير، آن باك – بديل، آذار 2008 ( مخيم البقعة، الأردن. )تصوير، آن باك – بديل، آذار 2008 (

بقلم: شير حيبر*

عودة اللاجئين الفلسطينيين كموضوع للبحث الاقتصادي

من المقبول اليوم في الدورات الاقتصادية التفكير بإمكانية بحث أي شيء من وجهة نظر اقتصادية. ومع ذلك، يتوجب توخي الحذر في تقليص الأمور السياسية، العاطفية والإنسانية إلى جوانب اقتصادية فقط.

لم يتم بحث عودة اللاجئين الفلسطينيين في الأدبيات الاقتصادية، ولهذا بقيت العديد من الأسئلة المرتبطة بقضية اللاجئين مفتوحة - كم سيكون الثمن الاقتصادي لاستيعاب اللاجئين؟ ما هو حجم التعويض الذي يجب دفعه لمن سلبت منهم أملاكهم قبل ستين عاما؟ كيف ستؤثر إعادة اللاجئين على الاقتصاد الإقليمي (خاصة على دولة الرفاه، وعلى سوقي الإسكان والعمل؟)

إنها أسئلة لاذعة يتوجب بحثها والإجابة عليها، ولكن يجب الحذر من الاستنتاجات المستخلصة من نتائج مثل هذا البحث. فحق العودة غير متعلق بحسابات اقتصادية، كما أنه ليس بمنتج يجب "بيعه" للجمهور وإقناعه بأن فائدته تبرر ثمنه. إننا نتحدث عن حق يرتكز على مواثيق القانون الدولي، ويستند إلى أساس أخلاقي.

وعليه، فإن الهدف السياسي وراء بحث الأبعاد الاقتصادية للعودة (وهو محور هذا المقال) هو بدء النقاش في التفاصيل اليومية ومن ثم تحويل فكرة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فكرة موضوعية. من المهم أن نحوّل نقاش العودة من حنين مُجرّد (من جانب المؤيدين له) في مواجهة خوف غير معروف (من جانب المعارضين) إلى نقاش يفصّل عودة اللاجئين إلى أبعاد عملية: سياسية وأخلاقية.

يطمح هذا المقال إلى التطرق إلى الأبعاد الاقتصادية المتعلقة بالعودة، ولكن النقاش الاقتصادي لا يملك القدرة على منح التبريرات لإبقاء هذا الحق أو إلغائه.

لحق العودة للاجئين الفلسطينيين أبعاد اقتصادية مختلفة - تتعلق بالتعويضات الممنوحة للاجئين (قد تكون تعويضات مضاعفة للاجئين الذين يختارون عدم العودة إلى المناطق التي طردوا منها)، وبالانعكاسات الاقتصادية الكبيرة على الدول المضيفة للعديد من مخيمات اللاجئين (الأردن، لبنان وسوريا) وأيضا بتأثير استيعاب اللاجئين على اقتصاد الدول التي ستقوم بذلك.

من الممكن تحقيق عودة اللاجئين بسيناريوهات مختلفة، وسيكون الكيان الذي سيستوعب اللاجئين العائدين مختلفا كثيرا عن دولة إسرائيل اليوم، وبأي حال من الأحوال، سيكون الكيان تعدديا، بمعنى أنه لن يصنف ككيان تابع لمجموعة عرقية واحدة. مع ذلك، هنا أفترض أن اللاجئين سيدخلون إلى الاقتصاد الإسرائيلي، في المناطق داخل الخط الأخضر وبوضع مماثل لما هو عليه اليوم. إنها ليست الفرضية المناسبة بالضرورة، ولكنها الأبسط، ولذلك من الممكن أن نبدأ النقاش بها. سأطلق على هذه المناطق اسم "إسرائيل"، وهو اسمها اليوم، مع أن الحدود السياسية، والتعريفات العرقية وحتى الأسماء قابلة للتغيير. فالاسم "فلسطين" يشير أيضا إلى الأراضي التي احتلت في عام 1967 ومن المحتمل أن تفسّر كاسم لدولة مستقبلية ومنفردة عن دولة إسرائيل، ولهذا، لن أستخدم هذا الاسم في هذا السياق. وللتنويه، يجب النظر إلى هذا المقال كجزء أولي من نقاش يجب أن يتسع أكثر، ويكون مدعما بأبحاث أكثر شمولية.

عودة ونمو

هاجر العديد من السكان من وإلى دولة إسرائيل خلال الستين عاما على قيام الدولة. لقد توازنت هجرة اللاجئين القسرية في عام 1948، بل وجمدت (من حيث تعداد السكان) بسبب الهجرات المتكررة إلى الدولة من قبل مهاجرين قد هاجروا إلى إسرائيل بموجب قانون العودة ولأسباب مختلفة ومن أماكن متعددة، حاملين معهم كميات مختلفة من الأملاك بالإضافة إلى مستويات مختلفة من الثقافات والمهارات.

لقد رافقت هجرات السكان هذه صعوبات في تأقلم المهاجرين؛ فقد تطلب الأمر منهم جهودا كبيرة من أجل الاندماج اقتصاديا، وإيجاد أماكن عمل والتأقلم، وذلك لوجود مشكلة بطالة في دولة إسرائيل، وهي مشكلة طويلة الأمد تنهك تدريجيا دولة الرفاه والخدمات العامة. وعليه، يؤدي النقاش الاقتصادي، أحيانا، إلى "لعبة المجموع صفر"، وكأن المجموعة المهاجرة إلى إسرائيل تتنافس مع السكان القدماء على أماكن العمل، مصادر الدخل، أماكن السكن وما شابه ذلك.

تتزايد التخوفات اقتصاديا مع وجود مجموعات مهاجرين ذوي قوة، أو كان الحديث يدور عن مجموعات ضعيفة اقتصاديا، لأن هذه المجموعات تكون مستعدة للعمل بأجر منخفض أكثر، ويكون لديها القدرة على توفير المال بسرعة (بسبب اكتفائها بمستوى معيشي زهيد)، وهكذا فإنها تعرقل أرجل السكان القدامى. مع ذلك، فإن المعطيات الاقتصادية حول دولة إسرائيل تقدم صورة عكسية. فحسب هذه الصورة، فقد ترافقت فترات الهجرات اليهودية إلى إسرائيل بنمو اقتصادي. والحديث هنا ليس عن النمو الاقتصادي المنشود بالنسبة للزيادة السكانية (أي، زيادة الطلب في السوق، وفي القوى العاملة)، وإنما النمو في نصيب الفرد من مجمل الناتج المحلي الإجمالي أيضا، أي بالقوة الاقتصادية للمواطن العادي.

اتضح من الفحص الذي اجري على إحصائيات الأعوام ما بين 1950-2006 (عينة لـ 56 عاما) أنه في الأعوام التي ازداد عدد السكان بوتيرة أعلى من المعدل (3% سنويا إذا ما شملنا موجات الهجرة)، فإن النمو في الناتج المحلي الإجمالي للفرد كان أعلى من المعدل بشكل عام، حيث وصل إلى ما يقارب 3% سنويا. فيما بلغت النسبة الإضطرادية الايجابية بين ازدياد عدد السكان وارتفاع وتيرة النمو ما يقارب 0.06، وهو يعني أن موجات الهجرة إلى إسرائيل قد ترافقت وزيادة معدل دخل الإسرائيليين القدماء. وبعملية حسابية، يمكننا التقدير بأن كل هجرة إلى إسرائيل تشمل مليون لاجئ ستؤدي إلى زيادة 1% (أو ما يقارب ال 1000 شيكل) سنويا في معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد في إسرائيل.

أحد التفسيرات المحتملة للعلاقة الاضطرادية الايجابية بين النمو الاقتصادي والهجرة ينبع من كون الهجرة تزيد من حجم المهارات المتنوعة بين أوساط قوى العمل، كما تزيد من الطلب على المنتجات (ولهذا، فهي تزيد من الإنتاج وبالتالي من فرص العمل) ومن الطلب على الإسكان، والمواصلات والخدمات الأخرى. كما تدخل إلى السوق مختلف الخصائص التي جلبها المهاجرون معهم.

 

سوق العمل

إذن، النمو هو مقياس غير ناجح بالضرورة لفحص التأثير المتوقع لهجرة اللاجئين إلى إسرائيل. أولا، العيّنة التي تم فحصها كانت صغيرة نسبيا (56 عاما فقط). ثانيا، للعديد من السكان هنالك اختلاف في الخصائص التعليمية، نقطة الانطلاق، والملائمة مع سوق العمل المحلي، وكلها اعتبارات ذات أهمية كبيرة على كيفية تأثير الهجرة على النمو. ثالثا، والأهم من ذلك - أن النمو هو ليس المقياس الجيد لازدهار الاقتصاد. فالناتج للفرد يقيس سرعة حركة التدفقات النقدية في القطاع الاقتصادي، وقد كتب الكثيرون عن فشل هذا المقياس بتقييم مستوى حياة السكان. فالنمو، في حده الأقصى، يشكل تقييم قاس لمراحل الازدهار والتدني.

يشكل سوق العمل مقياسا أكثر دقة لتقييم الوضع الاقتصادي. إننا نسمع أصوات العمال في كل دولة تستعد لاستقبال هجرة كبيرة؛ حيث يخافون من فقدان أماكن عملهم لصالح المهاجرين الجدد. ويزداد هذا الخوف عندما يصل المهاجرون من دول ذات دخل منخفض نسبيا، حيث يكونون على استعداد للعمل بأجر منخفض أكثر، مما يؤدي إلى تبديلهم بالعمال المحليين.

وهنا أيضا، يظهر الفحص التجريبي لتاريخ البطالة في إسرائيل نتائج مهمة. إجمالا، يتجه معدل البطالة في إسرائيل باتجاه تصاعدي منذ سنوات الخمسينات، ولكن هنالك ثلاث فترات انخفضت فيها البطالة: الانخفاض الأول في سنوات 1968-1976. الثاني في سنوات 1994-1998 والثالث في سنوات 2004-2008.

لا يشمل هذا النقاش فترة البطالة الثالثة، لأن الانخفاض في المعدل الرسمي للعاطلين عن العمل جاء نتيجة إلغاء مخصصات عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل، وليس نتيجة للارتفاع في عرض فرص العمل. وتدل معطيات مؤسسة التأمين الوطني ودائرة الإحصاء المركزية بأن العديد من العاطلين عن العمل يعملون بوظائف جزئية وآخرون قد استنفذوا حقهم بتلقي مخصصات البطالة، وسُجلوا كمتلقين لمخصصات ضمان الدخل فقط، الأمر الذي أدى إلى شطبهم من قائمة قوى العمل، ومن ثم تم تقليص المعدل الرسمي للبطالة.

من جهة أخرى، تتميز الفترتان الأوليتان بانخفاض في معدل البطالة، بسبب دخول العديد من الأيدي العاملة إلى سوق العمل الإسرائيلي. وتشير الفترة الأولى إلى دخول الفلسطينيين من المناطق المحتلة عام 1967 إلى سوق العمل الإسرائيلي. فيما تشير الفترة الثانية إلى الهجرة الكبيرة من الاتحاد السوفييتي سابقا، وفي المقابل، فتح الحدود أمام مهاجري العمل. في هذه الفترات التي دخل فيها العمال إلى سوق العمل الإسرائيلي انخفض معدل البطالة بسبب استيعاب العمال الجدد، وإقامة شركات جديدة، إضافة إلى قوتهم الشرائية وازدياد الطلب التي حسّنت من وضعية التشغيل في إسرائيل. هنا أيضا، لا يوجد ضمان بأن تشكل هجرة اللاجئين الفلسطينيين عاملا مشابها في انخفاض البطالة، ولكن يمكن أن نستشهد بالأمثلة التاريخية المذكورة التي تدل على أن الخوف من الهجرة سيسبب قلة في أماكن العمل هو أمرٌ غير مدعوم بالحقائق على الأرض.

ضعف دولة الرفاه في اسرائيل

ثمة أمر إضافي ذو أهمية قاطعة للسؤال عن التأثير الاقتصادي لعودة اللاجئين وهو التكلفة العامة المطلوبة لاستيعاب اللاجئين في المجتمع الإسرائيلي (أي، للأشخاص الذين يقيمون داخل الخط الأخضر).

تحول الحكومة الميزانيات لمواطنيها على شكل استثمار في التعليم، الصحة والرفاه بواسطة دفعات معينة (مخصصات البطالة، مخصصات الأطفال، ضمان الدخل وما شابه)، وبواسطة استثمار في البنى التحتية (شوارع، كهرباء، مياه، مجاري وما شابه) وبواسطة خدمات عامة أخرى (شرطة، إطفاء، محاكم، وسجون وغيرها).

وتمول الحكومة هذه الاستثمارات من الضرائب المدفوعة من قبل المواطنين، ولكن بخصوص مجموعة سكانية كبيرة من اللاجئين فإن الأمر سيتطلب فترة تأقلم معينة لحين يكونون قادرين على إعادة التكلفة العامة المتعلقة باستيعابهم.

إن تقسيم فوائد دولة الرفاه الإسرائيلية التي ترى بنفسها دولة غربية تحمل نفس المعايير المتبعة في العالم الأول على مجموعة سكانية أكبر من المجموعة السكانية الحالية هو مشروع واسع النطاق، ويتطلب جهودا كثيرة من قبل الحكومة.

من شأن هذا المشروع أن يزيد من الدّين العام بشكل ملحوظ ومن المتوقع أن يسبب أضرارا مؤقتة في الخدمات العامة التي يتمتع بها السكان القدماء. ومع ذلك، فإننا نرى اليوم بأن تنفيذ هذا المشروع هو أسهل مقارنة مع ما كان عليه قبل عشر أو عشرين عاما. وذلك لأن حكومات إسرائيل تقوم في السنوات الأخيرة بتقليصات بدولة الرفاه. فالسياسة الاقتصادية التي تبنتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ترمي إلى تقليص التدخل الحكومي بالاقتصاد وإبطال تدريجي لدولة الرفاه والدفع نحو الخصخصة. لقد تعرضت هذه السياسية للكثير من النقد، وبحق، لأنها تزيد من الفوارق الاقتصادية في إسرائيل وتساعد مجموعة رؤوس الأموال على كسب الأرباح على حساب بقية المجموعة السكانية. ولكن هذه السياسة تحمل عوارض مرافقة وغير متوقعة، فالاستثمار المنخفض في الفرد يسهل على لدولة استيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين دفعة واحدة. ولكن يبقى معدل الفوارق الاقتصادية بين المواطن الإسرائيلي وبين اللاجئ الفلسطيني في المناطق المختلفة ما زال كبيرا. أما الفارق بين الميزانيات التي تستثمرها الحكومات في البلاد التي يقيم فيها اللاجئون (أو الاستثمار للاجئ من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين) وبين الاستثمار للفرد في إسرائيل آخذ بالتقلص، الأمر الذي سيقلل من صعوبات تأقلم المهاجرين، على الرغم من أن الصعوبات الناتجة من تفكيك دولة الرفاه تبقى كما هي.

تعزيز العلاقات الاقليمية

إننا نفترض أنه عندما سيتاح للاجئين الفلسطينيين العودة، فلن يختار جميعهم فعل ذلك فورا. ومن المتوقع أن تتفرق مجموعات اللاجئين، خصوصا إذا ما اختار بعضهم العودة في حين أختار آخرون الاستقرار في بلاد أخرى، ولكن من الواضح بأنهم سيحافظون على العلاقة بينهم.

ولهذا الأمر أهمية اقتصادية بعيدة المدى؛ فزيارات الفلسطينيين من مختلف أنحاء العالم لإسرائيل بهدف لقاء عائلاتهم والتجول في الأماكن التي طردوا منها في العام 48 سيشكل نوعا جديدا من السياحة وتحفيز الجوانب الاقتصادية في هذا المجال. كما يمكن لعائلات فلسطينية متفرقة بين الدول على استغلال علاقاتها مع دول أخرى من أجل إقامة الشركات التجارية، ومن ثم تعزيز العلاقات التجارية بين إسرائيل والدول المجاورة لها.

سيدعم تعزيز العلاقات الإقليمية أكثر، بالطبع، عن طريق إزالة العراقيل أمام اندماج إسرائيل في المنطقة من خلال رفضها تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بعودة اللاجئين. وسيكون اللاجئون العائدون في نقطة انطلاق أقوى لاستغلال فائدة توسيع التجارة الإقليمية. جزء من أرباح هذه التجارة سيحول، بطبيعة الحال، للاقتصاد الإسرائيلي.

فوارق اجتماعية - اقتصادية

من الجدير بالذكر، بأن هدف هذا المقال ليس تسويق عودة اللاجئين الفلسطينيين كسياسة اقتصادية. فإلى جانب الايجابيات الاقتصادية التي يمكن أن تنتج عن عودة اللاجئين، إلا انه من المتوقع أيضا حصول صعوبات كثيرة وفترة تأقلم طويلة. إن عدم المساواة الموجودة اليوم في السوق الإسرائيلية هي الأكبر منذ إقامة الدولة، وهو بخلاف ما كانت عليه إسرائيل عند استيعابها لكل موجات الهجرة السابقة منذ إقامتها. ومن المتوقع أن تسبب هجرة المجموعات السكانية القادمة من دول ذات مستوى دخل منخفض بالمقارنة بالمستوى الموجود في إسرائيل إلى حدوث فوارق اقتصادية في قطاع العمل. كما تضيف ظاهرة ازدياد الفوارق الاقتصادية ثمنا اجتماعيا باهظا مثل ارتفاع نسبة الجريمة، تدني مستوى التكافل الاجتماعي، انتهاك حقوق العمال والإرث الديمقراطي.

إن الهجرة بالنسبة للاجئين الذين سيعودون إلى أرضهم وبالنسبة إلى المجموعة السكانية القديمة التي ستستوعبهم هي ليست نهاية مشروع العودة وإنما منتصفه فقط. فبعد العودة، يجب مساعدة اللاجئين على الانخراط والاندماج في الاقتصاد، والعمل على تقليص الفوارق بين اللاجئين والسكان القدماء. وهنالك اليوم في دولة إسرائيل أجهزة جيدة جدا لاستيعاب المجموعات السكانية المهاجرة مثل شبكة الاستيعاب بالإضافة إلى المنظمات التي تساعد على استيعاب هذه المجموعات المهاجرة وذلك عن طريق إيجاد أماكن للسكن والعمل وتلقي التعليم. يمكن لهذه الأجهزة أن تكون قاعدة أساسية لأجهزة جديدة يتم توسيعها من أجل استيعاب مجموعات سكانية غير يهودية.

بالطبع فإن الوعظ بالقيم الصهيونية والتي أصبحت جزءا لا يتجزأ من جهاز الاستيعاب في إسرائيل ليس بالأمر المفيد لاستيعاب اللاجئين ويجب تبديله ببرامج لتعليم قيم التعددية.

يتطلب من نظم الحكم في إسرائيل بذل جهد كبير من أجل استيعاب اللاجئين، وهو منوط بزيادة النفقات العامة، وإعداد أشخاص في مجال خدمات الجمهور من أجل مرافقة اللاجئين خلال فترة تأقلمهم، إلى جانب الاستثمارات الكبيرة في إقامة الوحدات السكنية، وإيجاد أماكن عمل وتوسيع الخدمات الصحية والتعليمية. تتطلب هذه الجهود تغييرا في اتجاه السياسة الاقتصادية بشكل حاد: وتشمل الكف عن سياسة التقليصات والخصخصة، وبلورة سياسة اجتماعية مسؤولة، وتدخل حكومي في الاقتصاد من أجل الحفاظ على حق مواطني الدولة بالعيش الكريم.

إذا نجح هذا التغيير، فمن المفترض أن يستخدم ليس كأداة لاستيعاب اللاجئين فقط، وإنما لمواجهة مشاكل الفوارق الاقتصادية، والبطالة والفقر الموجودة في إسرائيل اليوم. ولكن من جهة أخرى، إذا نفذت عملية استيعاب اللاجئين بدون هذا التغيير، فإن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها إسرائيل ستزداد، وستؤذي اللاجئين العائدين والسكان القدماء بشكل كبير.

حل سياسي لمشكلة اقتصادية

تتصادم عودة اللاجئين الفلسطينيين مع الطموح الصهيوني الذي يشكل مركبا مركزيا في تعريف دولة إسرائيل كدولة يهودية، ومن ثم الطموح اليهودي بإرساء الفوقية الديموغرافية في الدولة. يزيد هذا التصادم بين حق العودة المعترف به من قبل المجتمع الدولي وبين السياسة الإسرائيلية من صعوبة النقاش الموضوعي لأسئلة اقتصادية متعلقة بعودة اللاجئين. في النطاق السياسي الحالي، ليس هنالك من سبب لكي يصدق اللاجئون بأن دولة إسرائيل ستهتم بما هو مفيد لهم خلال المفاوضات مع القيادة الفلسطينية، وليس هنالك من سبب لإسرائيل لأن تدفع فاتورة عودة اللاجئين قدما، لأن المجتمع الدولي لا يجبرها على فعل ذلك. وطالما بقي الحال على ما هو عليه، سيكون من الصعب التصديق بأن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين سيتحقق في الأفق القريب.

من أجل إيجاد التوازن الصحيح بين الحاجة لتحقيق حق العودة وبين الحاجة إلى خطة اقتصادية تدريجية تهدف إلى مساعدة القطاع الاقتصادي في مواجهة عودة اللاجئين ودفعات التعويضات الكبيرة، هنالك حاجة إلى حل سياسي لكيان ديمقراطي يمثل فيه اللاجئون والسكان القدماء على السواء، ومن خلاله يتم إيجاد الطريق الأمثل للتوفيق بين القيود الاقتصادية وبين الحل العادل المنشود.

------------------------------------------------------
* شير حيبر: خبير اقتصادي، مركز المعلومات البديلة

هوامش:

1. ז'יז'ק, סלבוי (1995). "רפובליקת הגלעד של מזרח אירופה", תיאוריה וביקורת 6.
2. ספורטא, יצחק (2001). "איך טעו הכלכלנים 2", תיאוריה וביקורת 19.
3. Silver, B.J. and Arrighi, G. (2001). “Workers North and South”, Socialist Register 37, pp. 53-76
4. التأمين الوطني، www.btl.gov.il; دائرة الاحصاء المركزية، www1.cbs.gov.il/reader.