النظام ضد المحكومين: نحو تهيئة الفضاء السياسي

من فعاليات المهجرين لإحياء الذكرى ال 62 للنكبة، سخنين 2008 )المصدر: ع 48 رب( من فعاليات المهجرين لإحياء الذكرى ال 62 للنكبة، سخنين 2008 )المصدر: ع 48 رب(

أريئيلا أزولاي*


لا يناقش هذا المؤتمر، كما أقره منظموه، حق العودة وإنما يضعه سلفا كأساس للنقاش. يرتكز النقاش في هذا المؤتمر بجله، وكما هو واضح من عنوانه، على الاستعدادات "تمهيدا لعودة لاجئين فلسطينيين" وبلورة "الاستراتيجيات والممارسات والرؤى". ومن خلال التمعن في قائمة المتحدثين والمتحدثات، وبالجمهور الحاضر هنا، ندرك بأننا لا نتحدث عن نقاش بين ممثلين رسميين للطرفين بهدف التوصل إلى اتفاق لتطبيق حق العودة، وإنما نقاش مدني. وبالرغم من معالجته لأمور عملية، بيد أنه يتطلب رسم أفق يوتوبي (تصوري)، أفق يخترق حدود النقاش السياسي التي تفرزه الدولة القومية بوجه عام، ودولة إسرائيل بوجه خاص. يكمن الشرط الأساس لهذا النقاش في خلق الفضاء الذي تسمع فيه مطالب الفلسطينيين بتحقيق حق العودة،

كحق يقره القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة (بما فيها تلك القرارات التي وقعت عليها إسرائيل)؛ فضاءٌ يُسمع فيه حق العودة علانية، بالعربية وبالعبرية، وخصوصا داخل دولة إسرائيل. فضاء يسمح للتفكير في العودة بالعبرية، حيث يخلق لها مكانا بالعبرية التي أخذت قسطا في الطرد، وأبقت على رفضها المستمر في مناقشة العودة. إنها بداية مفاوضات حول طرق تحقيق هذا الحق؛ والأكثر من ذلك، إنها مفاوضات على حدود الخيال السياسي للمدنيين والمواطنين الذين يطالبون بنيل قسط من مناقشة الحياة السياسية المشتركة لهم.

إنني أوضّح، بأن استخدام مصطلح "مواطنين" لا يُنسب إلى الأفراد الذين يتبعون لدولة ما، وإنما إلى عامة الأفراد الذين يشكلون الهيئة السياسية ذات الصلة لمناقشة النظام الذي سيقوم عليهم.
إن إثارة إشكالية "مشكلة اللاجئين" على هذا النحو ستساعدني في التفكير من جديد في طبيعة الهيئة السياسية ذات الصلة لمناقشة النظام بين النهر والبحر.

 

سأبدأ بطرح عدد من الأسئلة:

هل يتوجب علينا هنا مناقشة ما تسمى بـ "مشكلة اللاجئين"، أم أنها أثر ما يجب مناقشته حقا؟
هل يعتبر الإطار النظري لمفهوم حق العودة حلا لـ "مشكلة اللاجئين" وإن كان كذلك، فهل هو كاف؟
هل "مشكلة اللاجئين" هي مشكلة للاجئين ونسلهم وحدهم، هل هي مشكلة فلسطينية فقط؟ وهل من الممكن إتاحة العودة لفلسطينيين بدون تغيير النظام؟

إن "مشكلة اللاجئين" نتاج لإقامة الدولة القومية اليهودية على جزء من الأراضي التي أقامت عليها حينئذ أقلية يهودية (600 ألف شخص) وأغلبية عربية (900 ألف شخص)، في ظل الانتداب البريطاني. وتعتبر هذه العبارة، على الأقل لمن ينسب لدولة إسرائيل المسؤولة عن خلق "مشكلة اللاجئين"، فرضية أساسية في العمل. بيد أن "مشكلة اللاجئين" قد بدأت منذ العام 1947، أي قبل إقامة دولة إسرائيل، ولهذا ثمة دافع للتحفظ منها بغية الحؤول دون تكرار القفزة غير المحسوسة في تحليل نشوء اللجوء الفلسطيني بإخراجه من السياق الكولونيالي الى السياق الإثني القومي، والمتمثل بادعاء أن اللاجئين الفلسطينيين هم نتيجة ضرورية لإقامة الدولة اليهودية.

ومنذ أن قامت دولة إسرائيل، رسمت هذه القفزة حدود العبرية، إنها قفزة تسمح بحفظ حدود النقاش السياسي في إسرائيل في إطار التاريخ بشكل غائي (teleologically)، وهو ما يحول إقامة الدولة القومية لليهود لأمر بديهي مفهوم ضمنا.

لهذا يتوجب إذن، وصف "مشكلة اللاجئين" في سياقها الكولونيالي: والتي شملت سيطرة الحركة الصهيونية على المناطق التي سكنها الفلسطينيون، وتغليب الرواية الإثنية- قومية على مجمل العلاقات التي حدثت هنا بين اليهود والعرب. ولكن هذا الوصف يقبل الطعن قليلا، خصوصا وأن الكولونيالية هي حقا السياق الذي نشأت فيه مسألة اللاجئين، ولكن الأخيرة هي نتيجة استعدادات نظام معين ولآلية اكتساب الشرعية العاملة فيه: فقد اقتصرت الشرعية التي أراد النظام الجديد نيلها من السكان اليهود، أما بقية أهالي البلاد فلم يؤخذوا بالاعتبار أو الحسبان. بل إن مجرد تواجدهم، كان قد لفت أنظار عملاء النظام للمشكلة حتى قبل أن يبدأ النظام باستعداداته، وقبل أن يصبحوا لاجئين. إن وجود الفلسطينيين في كل أنحاء البلاد - أو ما سمته القيادة الصهيونية "مشكلة الأقلية العربية"، كانت المشكلة التي أقلقت الصهيونية كحركة قومية كولونيالية من أساسها. لقد كان تحويل الفلسطينيين إلى لاجئين، إذن، الحل للمشكلة هذه، ولم تكن المشكلة ذاتها. ويعكس حديث موشيه شيرتوك [شاريت، لاحقا] الذي قاله خلال حرب 48 في خضم النقاشات على "الترحيل بأثر رجعي" يعكس المشكلة بإيجاز، وما أُعتبر كـ "فرصة" تاريخية لحلها:

"إن الفرصة التي يتيحها لنا الوضع الراهن لحل المشكلة الأكثر مضايقة للدولة اليهودية [أي، مشكلة الأقلية العربية] مرة وللأبد وبشكل أساسي، لا تقف عند حد كل ما توقعناه [...] علينا استغلال الاحتمال الذي منحنا إياه التاريخ، بحده الأقصى بشكل سريع وغير متوقع لهذا الحد". [موريس يُسمي في هوامشه سكان البلاد العرب "أقلية"، على الرغم من أنهم لم يكونوا كذلك حينئذ].**

لقد كان "الحل" الذي تحدث عنه شيرتوك وآخرون، إذن، إبعاد سكان البلاد العرب إلى خارج حدود الدولة التي طلبوا إقامتها، لحين يتداخل الكيان السياسي للمحكومين المحتملين والذي عملت القيادة الصهيونية على إقامته على الأرض، وبين السكان المقيمين في البلاد. إن انعدام مثل هذا التداخل هو من وقف في طريقهم الرامية إلى تحقيق رؤية إقامة الدولة اليهودية. لقد ظهرت حركة ترحيل الفلسطينيين المُبادر إليها والقسرية إلى ما وراء حدود الدولة كـ "فرصة" والتي مكنت من تحقيق النتائج التالية:

1. تشكيل حكم غير منتخب من كل عامة السكان، حيث أن هذا الحكم لا يمثل قطاعات مختلفة من المجتمع، ولكنه انتخب من الكيان السياسي للمحكومين، كما فرض الحكم حدوده بنفسه، وبطرق عنيفة.
2. خلق الشرعية للحكم من قبل بين أوساط دعاة الديمقراطية في الداخل والخارج، وهو، أي الحكم، لا يمثل مجمل السكان في المناطق التي قام عليها، بل أنه طرد قسم كبير منهم من أجل أن يقوم.
3. إبعاد السكان الذين ما كانوا ليشاركوا في منح الشرعية لنظام إثني انفصالي، وفي المصادقة عليه.
4. تنصل الدولة الجديدة من مسؤوليتها تجاه السكان المحليين، والسكان التي قامت بإبعادهم من أرضهم من أجل تحقيق رؤية سياسية، حيث جعلتهم "مشكلة".
5. بلورة رواية تاريخية لصراع إثني قومي بين طرفين متعاديين، بأثر رجعي. بررت هذه الرواية تحول السكان الأصليين إلى غير ذوي صلة بالحياة السياسية التي فرض حدودها من أصبحوا الآن أغلبية (اليهود).

لقد مكّن تحويل اللاجئين إلى "مشكلة" منعزلة من فصل وجود اللاجئين الفلسطينيين عن الظروف التي حوّلتهم إلى لاجئين: التأهب العنيف لفرض النظام الجديد، والذي نفى أكثر من 50 % من السكان الذين وقفوا في طريق حظيه بالشرعية. وعندما نعيد موضعة مشكلة اللاجئين من جديد في سياق هذا النظام، يتضح أن العزل الأول الذي تأهب له النظام في العام 1948 كان بالعزل بين المحكومين وغير المحكومين الذين أبعدوا قسرا من مناطق سيادته. لقد حوّل هذا العزل اليهود إلى أغلبية والفلسطينيين إلى أقلية، كما مكن ليس فقط من إقامة الدولة اليهودية، ولكن أيضا في إعداد نظام ديمقراطي لكل محكوميه من المواطنين. لقد حل النظام معضلة عدم رضا قلة المحكومين من غير اليهود، والذين لم يتم إبعادهم، بفرض طابع النظام الجديد من خلال حكم عسكري وتشريعات ذات صلة. فقد ورد في "مرسوم نظم الحكم والقضاء" (المادة 1 أ) الذي صدر في العام 1948، مع نفاذ سريان الانتداب البريطاني وإقامة دولة إسرائيل، ما يلي: "إن مجلس الدولة المؤقت يتألف من الأشخاص المذكورين بأسمائهم في ملحق هذا المرسوم. ممثلو العرب من سكان الدولة الذين يعترفون بدولة إسرائيل سيتم إشراكهم في مجلس الدولة المؤقت حسب قرار المجلس؛ وعدم إشراكهم لا ينقص من سلطته". هكذا، من البداية، قرر الحكم الجديد شكل النظام الساري في إسرائيل- كنظام ليس بحاجة لموافقة عامة المحكومين، وبأن تبادل السلطة يتم على يد جزء منهم فقط. كما ناسبت أعداد الفلسطينيين المتبقين النظرة إلى العرب كـ "أقلية".

من أجل التغلب على عدم شرعية النظام الذي ماثل بينه وبين الدولة، وعمل باسمها في نضال أيديولوجي عنيف، كان على النظام مواجهة ثلاث جبهات في آن:

1. ضد تجمعات غير المواطنين من غير المحكومين (سكان مخيمات اللاجئين خارج حدود إسرائيل) وضد غير المواطنين من المحكومين (منذ العام 1967 تحت نظام الاحتلال). لقد أدارت الدولة ولا زالت تديرصراعا عنيفا، متوحشا لا هوادة فيه لمقاومة مقاومة غير المواطنين العنيفة وغير العنيفة لواقع النظام الذي يتحمل مسؤولية تحويلهم إلى لاجئين. لقد سمت الدولة مقاومتهم أعمالا عدائية/تخريبية (بلغة عقد الخمسينيات) ثم أعمالا إرهابية (بلغة الحاضر) ونظرت إليها كتهديد أمني على الدولة. هكذا يصنف النظام كذبا تهديد استمرار النظام كتهديد لبقاء الدولة واستمرارها. منذ العام 1967، يتحد نضال اللاجئين تحت الاحتلال الإسرائيلي والمحكومين من قبل دولة إسرائيل، مع نضال سكان المناطق من غير اللاجئين بالضرورة. كما أن قمع الدولة لمقاومتهم لنظام الاحتلال الجديد لا يميز أصلا بين لاجئين وغير لاجئين.
2. ضد تجمعات المواطنين من غير اليهود، حيث تقود الدولة صراعا أيديولوجيا في أصله والذي يجمع بين استخدام القوة المعتدلة، المنضبطة والحذرة نسبيا بشكل دوري. وعلى مدار عقدين من الحكم العسكري تقريبا، نشط النظام في قمع احتمالات نشوء التنظيمات السياسية للفلسطينيين المتبقين، وفي قمع ذاكرة النكبة التي يتشاركون فيها مع اللاجئين عموما.
3. ضد تجمعات المواطنين من اليهود، يقود النظام صراعا أيديولوجيا في أساسه لتجنيد المواطنين لواقع النظام، يفيد بأن كل من ليس جزءا من الكيان السياسي الذي يبرر النظام لا يؤخذ بعين الاعتبار أو الحسبان. يشمل هذا الصراع تأميما جارفا لنظم الدولة المختلفة (الأيديولوجية منها والقمعية) على هذه الجبهة أيضا. ويهدف هذا التأميم إلى تجنيد الحد الأقصى من السكان اليهود بغية تعزيز النظام. وعليه، يستمر النظام في تكرار خطأ تأهبه على قاعدة إبعاد معارضيه (رفض حق العودة للاجئين، السيطرة على المحكومين من غير المواطنين، وإبعاد المواطنين غير اليهود من الشراكة في الحكم).

من أجل إقامة النظام لمدى بعيد، يتوجب على عملائه استدامة "النضال" على الجبهات الثلاثة، وهذا ما حصل فعلا على مدار أكثر من ستين عاما، منذ إقامة الدولة. وقف الصراع يعني وضع حد لهذا النظام. إن التجمعات السكانية التي تدفع الثمن المباشر والأكبر، هي تجمعات غير المواطنين من المحكومين وغير المحكومين بوجه لا يقبل المقارنة بالتجمعين الآخرين. بيد أن نضال هذه التجمعات، عنيفا أيا كان، لم يكن لينجح لو لم يستمر النضال على الجبهتين الأخريين. إنه نضال على استمرارية بقاء النظام غير الشرعي، الذي صبغ بألوان صراع إثني- قومي ويشارك فيه المواطنون اليهود ضمن نضال قومي. وطالما أن النظام مصر على رفضه فتح أبوابه أمام سكان البلاد الذين حولهم إلى غير محكومين، وأمام من يحكمهم بدون تجنيسهم، وأمام مواطنيه الذين يبعدهم عن الحكم، فإن فقدانه للشرعية يوجب عليه الاستمرار في الدعاية والتضليل، أو، "النضال" لمواجهتهم.

بشكل متناقض، يبرز "النضال" الدائر على الجبهة الثالثة، ضد المواطنين اليهود الذين يدفعون الثمن الأقل، من بين الجبهات الثلاث، على الأرجح في سياق رفض الدولة التعامل مع مشكلة اللاجئين. كما ينعكس التضليل بشأن عدم شرعية النظام في الماضي والحاضر من خلال عرضه كتحقيق رؤية المشروع القومي الشرعي - "إقامة بيت يهودي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل". ويتم التضليل هذا من خلال عملية التلقين السياسي (الادلجة) (Political Indoctrination) والتي تسمح بعرض المواطنة كديمقراطية متاحة في مجمل مناحي الحياة قادرة على تجنيد المواطنين لأن يكونوا عملاء النظام منذ جيل مبكر تحت غطاء الدعم للدولة وللعامة. إن صبغ النضال من أجل حفظ نظام لا شرعي بألوان قومية، وتوليفه ضمن إطار صراع إثني-قومي، تحول المواطنين المجندين لممثلين للنظام بإرادتهم. إنه نضال أيديولوجي دائر منذ عدة عقود يتداخل في مختلف مجالات الحياة تقريبا، وقد نجح في خلق تماثل ما بين النظام والدولة بأعين المواطنين اليهود، وتماثل المناخ السياسي ذي العيوب في عيون الذين يحيون فيه مع المناخ السياسي بشكل عام. ولولا النضال الدائر على هذه الجبهة، لظهر أمام العلن عري هذا النظام وفقدانه للشرعية، خصوصا وأنه يقوم بدون إرادة محكوميه، وسط استمرار ارتكابه للجرائم من أجل ضمان بقائه. كما سيظهر للمواطنين عنف هذا النظام ليست كذاكرة مُرّة من الماضي، وإنما كسلوك يومي يقوم من أجل حاجة وجودية.

وعليه، يتطلب من النظام من أجل تعزيز ذاته والدولة التي يحكمها عدم التوافق أي قاعدة إقصاء جزء كبير من السكان الذين يخضعون لسلطتها؛ يتطلب ذلك تأميم الفضاء المدني. فكان لا بد من إلغاء أحد أهم مركبات الأخير باعتباره فضاء مفتوحا ينشط فيه المواطنون والمواطنات ضمن حياة سياسية تشمل حق التعبير في التخاطب، النظر، العمل طالما لم يكن العمل مستثمرا لأغراض خارجية. ضمن الفضاء المدني المفتوح غير المؤمم، لا ينضم المواطنون للحفاظ على نظام يقاومهم عن طريق إبعاد كل من يقف في طريقه، ويفرض السيطرة على أناس يفتقدون لحقوق المواطنة ويقصي غير اليهود عن الحكم.

يقف واقع النظام هذا وراء الرفض العنيد لدولة إسرائيل في الاعتراف بمشكلة اللاجئين كمشكلة خاصة بها؛ ووراء رفضها فتح الباب أمام مشاركة المحكومين الذين تحكمهم منذ أربعين عاما، والجزء الكبير من اللاجئين ونسلهم في الكيان السياسي للدولة. أما المرات القليلة التي تجرأ فيها رجال النظام على الالتفات للاجئين، فكان من اجل تصفيتهم وتصفية المشكلة التي يمثلونها فقط. إن مسألة اللاجئين غير موجودة على الأجندة السياسية، لأن طرد اللاجئين يخلف وابلا من الخوف والتهديد لوجود دولة إسرائيل. إن أحد أبرز مواطن قوة اللاجئين في مواجهة دولة بالغة القوة العسكرية يكمن بأنهم، فيزيائيا/جسديا، يجسدون حدود الديمقراطية الإسرائيلية: فقد كان إبعادهم عن بلادهم، ولا زال، يشكل الشرط الأساس لتشكيل النظام.

خلال الحرب، بين سنوات 1947-1949، تمت ملاحقة الفلسطينيين على يد المؤسسات التي ستتحول عاجلا إلى مؤسسات الدولة، وسط فرض تهديد ملموس عليهم، مما دفع بالكثير منهم للمغادرة، بإرادتهم أو قسرا، وذلك بسبب الخوف على حياتهم وأصبحوا لاجئين.

ولكن وبعد انتهاء الحرب، لم يعد هنالك خوف على حياتهم، ولكنهم أجبروا على البقاء خارج ديارهم، بفعل رفض النظام الجديد السماح لهم بالعودة. هذا الرفض غير مرتبط بأسئلة عملية للممتلكات الحقيقية، واتفاقات التعويض، إنه رفض مبدأي بالاعتراف باللاجئين الذين أبعدوا عن الكيان السياسي للمحكومين، والذي يعني في المقابل الإصرار على إبقائهم كمشكلة منعزلة غير واردة على الأجندة السياسية للدولة التي لا تعترف بالمسؤولية عن حدوثها. إن الاعتراف باللاجئين الذين أبعدوا عن الكيان السياسي للمحكومين يمكن من رؤية ثلاثة أمور:

1. اللاجئين كما هم- منفيين سياسيا
2. النظام الإسرائيلي كما هو- نظام لا شرعي. إنه نظام لا يملك طريقة أخرى للوجود، إلا من خلال مقاومته لكل من كانوا سيشكلون الكيان السياسي للمحكومين في أي نظام ديمقراطي (بما يشمل هؤلاء الذين حولهم إلى غير محكومين).
3. المواطنين الإسرائيليين كما هم- مواطنين مجندين. هؤلاء هم المواطنون الذين تنازلوا عن الفضاء السياسي كفضاء حرية، ليشكلوا بداية جديدة يتضامنون فيها مع محكومين آخرين يطاردهم النظام ويعتبر وجودهم كمنفيين سياسيين هو أحد أهم أعراض النظام الذين يعيشون في ظله.

ولكن، إذا نجح النظام في "نضاله" ضد المواطنين الإسرائيليين، ليجندهم ليكونوا ممثليه وعملائه، فإن التهديد المتمثل في صفة "المنفيين السياسيين" لن تكون أكبر من تلك المتمثلة في "اللاجئين". وهنا يتضح ما هو الأمر الذي يصبح تهديدا حقيقيا لهذا النظام: عندما ينضم مواطنون ومواطنات إسرائيليون إلى مطالب غير المحتسبين من معارضي النظام؛ وسويا يطالبون بتفكيك هذا النظام الذي يتصف بأن مبدأ الحماية الذاتية له تأتي من خلال نضاله الإيديولوجي الدائم والعنيف في الكيان السياسي ضد المحكومين. وتبدو مقاومة محاولات دفن حلم العودة اليوم كإحدى الحالات الفريدة للحلم بواقع آخر، وبفضاء سياسي آخر، وبحياة أخرى، وبشراكة أخرى، وبمستقبل آخر. ولكن لن يتحقق ذلك بدون التحام الإسرائيليين والفلسطينيين سويا ضد النظام الذي يقمع تحقيق هذه الإمكانية، حيث يقدمون مبدأ التضامن المدني على واجب حفظ النظام.

يظهر في فيلم ل ياعيل برنتنا وميري كوشمري، مثقف يساري بولندي يلتفت إلى الكاميرا، متوجها إلى اليهود طالبا منهم العودة إلى بلاده، بلادهم قائلا: "إننا بحاجة إليكم". لقد لاحقني هذا الخطاب لأيام كثيرة. فيا أيها الفلسطينيون والفلسطينيات، إنني أنتظر منذ ذلك الوقت الفرصة للتوجه إليكم. والقول بصوت عال: "أيها الفلسطينيون- لا أخاطبكم كاسم مُجرد، وكمشكلة، إنما هو توجه مدنية يهودية تعيش في مركز المدينة، إسرائيلية وتسألكم: ايها الفلسطينيون، هل تقبلون العمل معنا بشراكة سياسية؟ هل تقبلون الحياة معنا؟ هل ستسمحون لنا بالعيش إلى جانبكم؟ هل توافقون على مساعدتنا في التكفير عن جرائمنا؟ هل توافقون بأن تسمحوا لنا بالعيش حياة سياسية في بلادنا، بلادكم؟

فبدون موافقتكم وعودتكم، وما لم تصبحوا جزءا من الحياة السياسية هنا، لن تكون هنا حياة مدنية. أي نوع من الحياة تلك إذا حكم علينا بالكذب على أولادنا إن ذكر طرد اللاجئين، أو على العكس من ذلك، أن نقص عليهم ما حدث لنزرع فيهم الكراهية لمجتمع يكذب عليهم؟!

ارجعوا. ارجعوا، لنعيش معا. نحن بحاجة لكم! أنتم ونسلكم! لأنكم، أنتم وأبناءكم قادرون على تغيير حياتنا، نحن، هنا.
--------------------------------------------------
* أريئيلا أزولاي: مدرسة الثقافة المرئية والفلسفة السياسية في جامعة بار ايلان

**موريس، بيني (1991). ليدتا شل بعيات هبليطيم هفلسطينيم 1947-1949 [ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين 1947-1949]. تل أبيب: عام عوبيد. ص 194.