القــرار 194 في الذكـرى الستيــن لإصــداره

 القــرار 194 في الذكـرى الستيــن لإصــداره

بقلم:تيري رمبل
يمثل تاريخ 11 كانون أول الذكرى الستين لاعتماد الجمعية العامة للامم المتحدة  قرار 194 (III). وفي الوقت الذي تم فيه نسيان حصة الأسد من هذا القرار، لا تزال الفقرة 11 والتي تحدد المبادئ والآليات لايجاد حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين تحتل مكانة مركزية في النقاش حول التوصل الى حل للصراع الاسرائيلي-الفلسطيني

لقد تمت صياغة القرار 194 (III) في ما يزيد قليلا عن ثلاثة أسابيع خلال الأشهر الأخيرة من عام 1948. وقد أثار النقاش القادة الفلسطينيين والعرب ضد الدولة الإسرائيلية المنشأة حديثا، كما تم تمويهه بعداوات الحرب الباردة والسياسات الداخلية في الولايات المتحدة والنقاش حول حقوق الانسان واللاجئين في الامم المتحدة.
ويمكن ان تعزى المبادئ والآليات الموجودة في الفقرة 11 من القرار الى نص الاقتراح المقدم في حزيران-يونيو 1948، الذي تمت صياغته من قبل وسيط الامم المتحدة حول فلسطين الكونت فولك برنادوت، الذي أوصى الأمم المتحدة بموجبه أن تعترف "بحق السكان الفلسطينيين الذين اجبروا على مغادرة أماكنهم الأصلية بسبب الظروف التي أوجدها الصراع في العودة الى ديارهم دون وضع قيود على استعادة ممتلكاتهم".
إن أصل التوصية يعد غريبا بعض الشيء، إذ أن مشاريع الوسيط لا تعالج أزمة اللاجئين. وقد أيدت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة التوصية كما قامتا بمتابعة عمل برنادوت عن كثب، إلا أن كلتاهما لم تكن على اتصال  مكثف مع الوسيط في الفترة المؤدية الى تقرير حزيران. ويرى البعض أن التوصية قد جاءت نتيجة مشاورات مع مسؤولين فلسطينيين في رودوس في  نهاية حزيران، لكنه اجتمع  مع المسؤولين الاسرائيلين أيضا الذين أعربوا صراحة عن معارضتهم  لعودة اللاجئين الفلسطينيين.

ولكن تجربة برنادوت كرئيس للصليب الاحمر السويدي، ودوره في تأمين الإفراج عن أسرى الحرب خلال الحرب العالمية الثانية، قد تعطي تفسيرا آخر. فقد أعرب كل من الوسيط وفريقه من المستشارين عن قلق بالغ بشأن انتهاكات القانون الانساني الدولي (قوانين لاهاي لعام 1907) خلال حرب 1948 الجارية في فلسطين. ومن الأمثلة على ذلك تحديدا، طرد الفلسطينيين من قرى المثلث الصغير بالقرب من حيفا، عين غزال واجزم وجبع والتدمير المنهجي لهذه القرى. إن مثل هذا النوع من الحوادث هو ما كان برنادوت يشير اليه في تقرير أيلول الخاص به.

ومن غير الواضح مدى علم برنادوت وتأثره/تأثيره من/على عملية صياغة الإعلان العالمي لحقوق الانسان ومعاهدة اللاجئين، ولكن يمكننا الجزم بأن نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين قد أضافت الكثير في عملية صياغة الوثيقتين الهامتين، بما في ذلك تضمين حق العودة. هذه التغييرات، تم إجرائها بعد أشهر من إصدار برنادوت لكلا تقريريه.

أما التأثير الأكثر وضوحا، فمن المرجح أن يكون نابع من ميثاق عام 1945 الصادر عن المحكمة العسكرية الدولية في نورمبورغ  الذي عرّف ترحيل المدنيين على انه جريمة حرب وجريمة ضد الانسانية على حد سواء. وفي السنة التالية، أقرت الجمعية العامة القرار رقم 12 الصادر في 8 شباط 1946، مجددا أن "المهمة الرئيسية المختصة بالنازحين هي تشجيع ومساعدة العودة الى بلدانهم الأصلية بشتى الطرق وفي أسرع وقت ممكن".

لقد تعامل برنادوت مع قضية اللاجئين بشكل مفصّل في تقرير أيلول الخاص به، والذي يشير فيه الى حق العودة بما لا يقل عن 9 مرات. وقد وفّرت خلاصة التقرير الأساس اللغوي للفقرة 11 من قرار 194 ((III. لقد أوصى برنادوت على أنه: "يجب التأكيد على حق اللاجئين العرب في العودة الى ديارهم في الأراضي التي يسيطر عليها اليهود من قبل الأمم المتحدة، كما يجب على لجنة التوثيق الخاصة بالأمم المتحدة  الإشراف والمساعدة على عودتهم الى الوطن واعادة التوطين واعادة التأهيل الاقتصادي والاجتماعي ودفع تعويضات مناسبة عن الممتلكات للذين يقررون عدم العودة".

رفضت اسرائيل التقرير علنا. لكن النقاش الدائر في الكنيست كان مبهما نوع ما. ففي البداية، أعرب وزير الخارجية موشيه شيرتوك (شاريت، فيما بعد) عن معارضة حكومته لتوصيات الوسيط حتى وصل الى حد الاعتراف بأن "الاعتراض على ما هو أساسي لا يعد لطيفا أو انسانيا. فهو ببساطة حق الفرد في العودة الى البيت الذي طرد منه بالقوة".

وفي 21 أيلول، أي بعد 4 أيام على اغتيال برنادوت في القدس، قدم الأمين العام للأمم المتحدة التقرير الى الجمعية العامة. وبدأت اللجنة الأولى للجمعية العامة المعنية بالقضايا السياسية والامنية  في استعراض التقرير في منتصف تشرين ثاني، إلا ان النقاش أجل لعدة أسابيع. ويعزى ذلك بشكل جزئي الى مخاوف الولايات المتحدة من أن مثل هذا النقاش سيغرق في خضم السياسات الداخلية الامريكية المحتدمة بفعل الانتخابات الرئاسية في تشرين ثاني. في غضون ذلك، تعاونت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على مشروع القرار.

بدأت أخيرا المناقشات الموضوعية حول القرار في منتصف تشرين ثاني بعدما قدمت بريطانيا مشروع القرار. وقد عكست الفقرة المختصة باللاجئين توصيات الوسيط عن كثب. وقد تعرضت مسودة القرار المقدمة من المملكة المتحدة لعدة تنقيحات على مدى الاسابيع التالية، كما تم إسقاط عبارة "اللاجئين العرب" مما جعل من مشروع القرار ينطبق على جميع الاشخاص الذين نزحوا خلال الحرب في فلسطين. كما شملت تعديلات الولايات المتحدة مبدأ خيار اللاجئين الذي شكل موضوعا ساخنا للنقاش بين ممثلي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة، فضلا عن  اشتراط أن يتعايش العائدون في سلام مع جيرانهم. وقد رفضت اللجنة تعديل مقدم من الولايات المتحدة من شأنه الحد من التعويضات لأولئك الذين يختارون عدم العودة. كما رفضت تعديل من غواتيمالا الذي كان من شأنه أن يربط بين عودة اللاجئين واعلان السلام بين الاطراف المتنافسة. كما وافقت اللجنة على اقتراح بريطانيا في اللحظة الاخيرة انه يجب السماح للاجئين بالعودة في اقرب وقت ممكن "عمليا" بدلا من "ممكن". وقد اشتمل تقرير الوسيط على كلا اللفظين في تقريره الخاص بشهر أيلول.

في نهاية المطاف تم سحب المسودات الاسترالية والبولندية التي تدعو أجهزة ووكالات الأمم المتحدة الى "المساعدة في وضع خطط لاعادة توطين اللاجئين والنازحين الفلسطينين وعودتهم الى الوطن على حد سواء حيثما يكون ذلك ممكن في المناطق التي اتوا منها".

قدمت سوريا اثنين من مشاريع القرارات التي تعالج قضية اللاجئين عرضيا: دعا الأول الى إنشاء لجنة دراسة واعداد لمقترحات لانشاء دولة واحدة في فلسطين. و الثانية تدعو للحصول على فتوى من محكمة العدل الدولية بشأن مشروعية التوصية الصادرة عن الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين "القرار 181". وقد رفضت اللجنة كلا مشروعي القرار، لكن الثاني تم رفضه عن طريق التصويت بنتيجة 21 مع و 21 ضد  وامتناع 4 عن التصويت.

اجتمعت اللجنة الاولى 31 مرة في الفترة الواقعة بين 15 تشرين أول و 4 كانون أول 1948.  واشتملت الفقرة 11 من مشروع القرار البريطاني المنقح على ما مجموعه 7 تغييرات رئيسية. وقد صوَّت الأعضاء على كل تعديل بشكل منفرد قبل التصويت على مشروع القرار ككل. فقد صوّتت 29 دولة لصالح الفقرة 11 برفع الايدي، فيما صوّتت ضدها 6 دول، وامتنعت 13 دولة عن التصويت. ومن ثم صوتت اللجنة لصالح مشروع القرار ككل. حيث تم اعتماد مشروع القرار بتصويت مسجل بأغلبية 25 صوت مؤيد مقابل 21 معارض وامتناع 9 اعضاء عن التصويت.

في 11 كانون أول 1948، اجتمعت الجمعية العامة لمناقشة مشروع القرار. وكان هناك قلق واضح من أن يفشل المشروع في الحصول على تأييد ثلثي أعضاء الجمعية. وقد حذر الممثل النيوزيلندي من ان "اذا لم تقم الولايات المتحدة بتمرير القرار في ذلك اليوم، سيكون ذلك كناية عن مثال آخر من عجزها".

ومن أجل الحصول على أكبر قدر ممكن من الدعم، قررت الجمعية العامة قطع كل الإشارات الى خطة التقسيم الخاصة بالامم المتحدة (القرار رقم 181) وتقرير وسيط الامم المتحدة، وتعديل  شروط تعيين لجنة التوفيق التابعة للامم المتحدة. لقد كانت الأمم المتحدة من ضمن اولئك الذين عارضوا القرار 181 وتقرير الوسيط. وقد عنى ذلك حذف الجملة الاولى من الفقرة 11 التي تقر خلاصة الوسيط عن حق العودة. وهذا يفسر لماذا لا يستخدم النص الفعلي للفقرة 11 عبارة "حق العودة"  الذي وجد في تقرير الوسيط. ومع ذلك فقد تم الاتفاق بين مقدمي القرار على أن التغيير لن يؤثر على مضمون الفقرة 11. علاوة على ذلك، فقد كانت نية الدول العربية إزالة أية إشارة من شأنها أن تشمل الاعتراف بدولة اسرائيل، وليس إسقاط حق العودة. وقد تم تبني القرار 194(III) بتصويت 35 لصالحه و 15 ضده و امتناع 8 اعضاء عن التصويت. وفي نهاية المطاف قررت الدول العربية التصويت ضد القرار وتشجيع الآخرين على فعل المثل نفسه بعدما تبين أن طلب إسرائيل لعضوية الأمم المتحدة قد وضع بين أيدي مجلس الأمن. إلا أن أي من الاصوات المدلى بها ضد القرار لم تتعلق بالفقرة 11.

قامت لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين UNCCP التي انشئت لتسهيل تنفيذ  القرار 194    بصياغة عدد من الأوراق لتسهيل هذا الامر. بيد أن اللجنة أعدت في عام 1950 ورقة شاملة عن معنى الفقرة 11. و قد توصلت اللجنة الى 6 استنتاجات رئيسية، جاءت على النحو التالي:

أولا: ينطبق مصطلح لاجئ على جميع الاشخاص الذين نزحوا خلال الحرب في فلسطين.

ثانيا: يملك اللاجئون الحق في ممارسة حرية الاختيار بشأن مستقبلهم.

ثالثا: يملك اللاجئون الحق في العودة الى ديارهم وليس فقط الى وطنهم.

رابعا: ينبغي على اللاجئين الراغبين في العودة تقديم ضمانات مُسبقة عن عزمهم العيش في سلام.  وتحتفظ اسرائيل بحق ممارسة الفيتو على الحالات الفردية على اساس ادلة من الافعال الماضية.

خامسا: تلتزم اسرائيل بحماية حقوق العائدين وتلتزم الدول العربية المضيفة بضمان تمكين اللاجئين من حرية الاختيار.

سادسا: ينبغي أن يتمكن اللاجئين من العودة الى ظروف مستقرة وان مثل هذه الظروف اوجدتها اتفاقية الهدنة لعام 1949.

ولخصت مستندات اضافية أن للاجئين حق فردي في كل من استعادة الممتلكات والتعويض، على ان ينطبق ذلك على كل من اللاجئين والعائدين واولئك الذين يختارون عدم العودة، وانه ينبغي دفع  التعويضات عن خسارة الممتلكات والاضرار اللاحقة بها.

بعد 60 عاما، لا تزال اسرائيل تنازع على اهمية القرار 194 (III) في حل قضية اللاجئين الفلسطينيين ومعنى الفقرة 11. ويوضح تاريخ نص القرار واوراق عمل لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين UNCCP واعادة النظر في القانون الدولي في عام 1948 معنى الفقرة 11 بشكل لا لبس فيه. حيث يملك جميع اللاجئين الفلسطينيين الحق في العودة الى ديارهم التي هجروا منها واستعادة ممتلكاتهم والتعويض، تكون جميعا خاضعة للخيار الطوعي الحر للاجئين أنفسهم.

تؤكد الملاحظات الحديثة لعام 2007  للجنة الختامية للامم المتحدة المعنية بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري على أهمية الفقرة 11 في حل قضية اللاجئين الفلسطينين في يومنا هذا. وقد كررت اللجنة الاعراب عن قلقها ازاء "حرمان العديد من الفلسطينيين من حقهم في العودة الى اراضيهم واستعادة ممتلكاتهم وأراضيهم في اسرائيل". كما دعت اسرائيل الى "ضمان المساواة في حق الفرد في العودة الى دياره واستعادة ممتلكاته". واخيرا أكدت على أن أهمية القرار 194(III) الفقرة 11 تكمن في انه يعيدنا الى المبادئ الأولى التي توفر الأساس للحل القائم على الحقوق والمساواة والحريات الأساسية للجميع.

______________

تيري رمبل مرشح لنيل درجة الدكتوراة في كلية العلوم السياسية في جامعة اكستر، المملكة المتحدة. رمبل هو عضو مؤسس في بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، وعمل سابقا منسقا لوحدة الأبحاث والمعلومات فيه.