أفكار عملية حول عودة اللاجئين الفلسطينيين

جانب من فعاليات إحياء الذكرى ال 62 للنكبة، رام الله 2010 جانب من فعاليات إحياء الذكرى ال 62 للنكبة، رام الله 2010

بقلم: نورما موسي، وايتان برونشتاين

مقدمة

كإسرائيليين(1) يعيشون هنا، كان حق العودة للاجئين الفلسطينيين دائما بالنسبة لنا(2) احد أكبر المحرمات (التابوهات). فقد حمل حق العودة في داخله التهديد الديموغرافي (النمو السكاني)، ومقولة: "إما نحن وإما هم"، والمخاوف(3) الحقيقية من العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص، المصحوبة بمقولة: "سيرمون بنا في البحر" وما شابه.

للحصول على نسخة أسهل للقراءة، الرجاء تحميل الملف على شكل pdf

 

 

الحق في العودة هو حق كل من طرد في عام 48 وهو حق خلفه/نسله أيضا: إنه حق شخصي/ فردي(4) وجماعي في نفس الوقت. حق العودة يعني إمكانية كل لاجئ، لاجئة وأولادهم وأحفادهم في الاختيار بين بدائل مختلفة: العودة بشكل فعلي إلى مكان سكنهم الأصلي (أو بالقرب منه، إذا لم يكن موجودا الآن)، الحصول على تعويضات، أو السكن مجددا مكان السكن الحالي أو في مكان آخر. وفقا لهذا فإن تطبيق حق العودة، لا يعني بالضرورة العودة(5) بشكل فعلي كما يعتقد الكثيرون خطأ. كثيرا ما يطرح السؤال: إلى متى سيتم اعتبار أحفاد اللاجئين الفلسطينيين لاجئين أيضا؟ كم جيلا من اللاجئين سيولد بعد؟ يبدو لنا أن الجواب على هذا السؤال هو: حتى تعطى الإمكانية للاجئين وأحفادهم في اختيار العودة، أي حتى تتم ممارسة الحق. إن الاختيار الحر حول مكان السكن ومع من - من خلال الحصول على مواطنة كاملة ومتساوية- يمكنه فك القيد والتحرر من اللقب المضني "لاجئ".

حق العودة مثبت في القانون الدولي ومدعوم من بقرار الأمم المتحدة 194، والذي يتم تجديد إقراره في كل عام من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة. لهذا، وبما أنه من ناحيتنا لا جدال حول الحق، اخترنا أن نتحدث عن العودة ذاتها.(6) وحيث أن هذا الحق، مثل سائر الحقوق، يطبق عن طريق المفاوضات: على سبيل المثال جميعنا نتمتع بحق الحرية، ولكن حرياتنا الفردية تقيدها حرية الآخرين أو المصالح مختلفة، فإنه يبدو لنا التفكير بعودة اللاجئين الفعلية أمر في غاية الأهمية. كما أننا نعرف من تجربتنا الشخصية، بأن التفكير المحسوس بالعودة - حيث يكون لكل لاجئ وجه واسم، ويكون لهم قرى ومدن نعرف أسماءها ومواقعها وتاريخها - يطرد الخوف من عودة اللاجئين، حيث انه يحول هذه الصيرورة إلى أمر يمكننا تصوره، وفي نفس الوقت يمكننا من البدء بمواجهة الأسئلة المحددة التي يتوجب علينا الإجابة عليها عندما يتقرر ممارسة العودة.

إن النقاش حول "حق العودة" كما نعرفه يتطرق في معظم الحالات إلى الكلمتين على أنهما مصطلح واحد مطبق الإحكام: بينما نحاول نحن تفكيك الكلمتين ونقترح التحدث ليس عن الحق إنما عن العودة. اخترنا التحدث عن العودة وليس عن "الحق"؛ لأن النقاش عن "الحق" يأخذ في معظم الأحيان منحى الجدل حول العدل والإنصاف. من يدعمون "حق العودة" يقيمون حجتهم على أساس تحقيق العدل للاجئين وإزالة اللا عدالة الناشئة عما اقترفته الصهيونية، بينما من يعارض "حق العودة" يقيمون حجتهم باعتبار أن العدالة تتحقق بإسناد مع الصهاينة وليس الفلسطينيين. هنا تنتهي حدود الجدال- عدل مقابل عدل آخر. نحاول نحن اختيار سبيل مغاير، يمكن أن نراه كعملية مسبقة أو متأخرة للنقاش حول الحق، ومقدمة للتفكير حول ماهية هذه العودة التي نادرا ما يتم الحديث عنها. برأينا، إذا أجدنا فهم ما يدور عنه الحديث هنا ربما لن تكون هناك حاجة لنزاعات الحق الصارخة، أو يمكن على الأقل تعريف مجالات النقاش بشكل أدق. إذا فهمنا على سبيل المثال أننا لسنا في معادلة "إما نحن وإما هم"، ربما أمكن التفكير في إمكانية عودة اللاجئين الفلسطينيين دون طرح تهديد كبير على السكان اليهود الذي يعيشون في البلاد.

بدأنا قبل بضعة سنوات تشغيل مجموعة في إطار جمعية "ذاكرات" كان هدفها دراسة العودة من وجهة نظر عملية، وخططنا، مع الانتهاء من عمل المجموعة، أن نكتب ورقة ترسم خطة عامة، أو عدد من الخطط الممكنة للعودة. وقد شارك في نفس المجموعة أناس من أجيال وخلفيات مختلفة: ناشطون اجتماعيون وصحفيون وأكاديميون وتربويون. في العام الأول تعلمنا بكل معنى الكلمة: التقينا بمختصين عرضوا علينا قضايا من القانون الدولي، أسئلة عن الأرض، الماء والممتلكات، ووصفوا حالات عودة مختلفة في أماكن أخرى من العالم. عملت مجموعة "ذاكرات" بموازاة مجموعة أخرى في مركز بديل، وهي جمعية فلسطينية تتخذ من بيت لحم مركزا لها وتعمل من أجل حقوق اللاجئين الفلسطينيين. وبين الحين والآخر أجرينا لقاءات متبادلة ومشتركة.(7)

في المرحلة الأولى من عمل المجموعة في "ذاكرات"، مرحلة التعلم، كانت المشاركة فعالة نسبيا. لكن عندما بدأت المرحلة الثانية، والتي كان يفترض أن نبدأ فيها بالتفكير الذاتي والكتابة، بدأ نشاط المجموعة بالتراجع. يمكن تفسير الأمر بأمور تتعلق بمسيرة التفاعل في المجموعة أو الدوافع الشخصية لانخفاض مستوى حماس المجموعة، لكن يمكن أن نرى أيضا بتراجع الحماس هذا دليلا على شح مقدرتنا على تخيل واقع آخر- واقع يمكن للعودة أن تتحقق فيه. أو أن الفرق بين الواقع المتخيل والواقع القائم كبير لدرجة أن مجرد التفكير بالأمر يثير السخرية. ربما أيضا تنقصنا اللغة التي يمكن من خلالها التفكير بواقع آخر. ضمن هذا السياق، تشكل هذه الورقة استمرارا لعمل تلك المجموعة، ومحاولة أولى من ناحيتنا لمجابهة التحدي وكتابة ما سيبدو أحيانا كتفاهمات، وأحيانا كمعايير، وأحيانا أخرى كأسئلة لا نملك أجوبة عليها بالنسبة لإمكانيات عودة اللاجئين الفلسطينيين.

نتقدم بالشكر لكافة المشاركين والمشاركات في المجموعة وإلى أعضاء "ذاكرات" حيث بمساعدتهم/ن بدأنا التفكير بصوت مرتفع.

من أجل تسهيل الكتابة قمنا بتوزيع النص إلى مراحل على محور زمني: قبل العودة، العودة ذاتها، وبعد العودة. حاولنا أن نصيغ في كل مرحلة الوضع كما نتخيله نحن، وأن نصف الشروط المطلوبة لتحقيقه. جدير بالذكر بأنه إذا تم نسب بند معين إلى مرحلة معينة، فليس بالضرورة أن يبدأ أو ينتهي هذا البند بنفس المرحلة - إنما هو ضروري ومطلوب لتحقيقها. خلال الكتابة كانت هناك لحظات حاولنا فيها أن نفكر من منظور الوضع الآني وأن نتخيل الخطوات التالية، وفي لحظات أخرى تخيلنا الوضع بعد العودة، ومن ذلك المنظور حاولنا أن نعود بتفكيرنا إلى "الوراء". يمكن وفقا لذلك قراءة النص كما يبدو هنا، من البداية حتى النهاية- لكن أيضا بالاتجاه المعاكس، من النهاية وحتى البداية.(8)


المرحلة الأولى: قبل العودة


توقف العنف

احد الأسئلة التي غالبا ما تطرح عندما يدور النقاش حول العودة، بالأخص بين اليهود، هو سؤال العنف:(9) كيف يمكن التعامل مع العنف الذي سيندلع تجاهنا عندما يعود الفلسطينيون؟ هذا السؤال، ينبغي أن نأخذه على محمل الجد، ففيه تكمن فرضيات تستحق التبيان:
1. الآن لا يوجد عنف.
2. إذا عاد الفلسطينيون، سيفعلون بنا ما فعلناه بهم.(10)
3. الطريق الوحيد للحفاظ على أنفسنا هي فقط من خلال ممارسة العنف.

يحتاج العنف، كما تقول حنة ارندات، إلى أدوات - وعندما تتوفر الأدوات فإنها تبدأ بالعمل. مستوى العنف اليوم مرتفع جدا، وهو موجه بالأخص تجاه الفلسطينيين. لقد تحول العنف ليصبح اللغة الرسمية هنا، ومن أجل إحداث التغيير بشكل ملموس يجب أن نبدأ بالبحث عن لغة أخرى. من الواضح أن أي نقاش يحاول الدفع قدما بمسألة المصالحة بين الشعبين لا يمكن أن يتجاهل العنف الشديد الذي أنتجه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.(11) الخطوة الأولى إذن، يجب أن تكون وقف إطلاق النار،(12) وقف الهجمات، وقف الاعتقالات وما إلى ذلك. إسرائيل، الطرف القوي والمحتل، ملزمة بإيقاف العنف تجاه الفلسطينيين(13) وملزمة بأن تزيل الحواجز الداخلية بين أجزاء الضفة، وتلك بين الضفة والقطاع. الفلسطينيون من ناحيتهم ملزمون بالتوقف عن أي مس بالإسرائيليين(14) من الجنود، والمستوطنين، ومواطنين آخرين.

التعلم(15)
إحدى الخطوات الأولى التي يجب القيام بها هي البدء بالتعلم: التعلم عن النكبة الفلسطينية، عن القرى التي دمرت، المدن التي هجرت من ساكنيها، عن الحضارة الفلسطينية التي ازدهرت هنا قبل النكبة، وبالطبع التعرف على الحضارة الفلسطينية التي تطورت هنا منذ ذلك الوقت. من أجل التعلم عن كل هذا فإننا لسنا بحاجة للكثير، لا يتطلب منا الأمر تغييرا ثوريا(16) أو استثمار موارد ضخمة. يمكن أن نفتح الكتب، أن نخرج في جولات أو أن نصغي لشهادات أناس؛ ولكن بالأخص يجب أن نرغب بمواجهة مسألة التعلم وما سينبع منها. يبدو أن ليس من باب الصدفة أن معظم اليهود الإسرائيليين الذين تربوا وعاشوا هنا لا يعرفون إلا النزر القليل عن الحضارة الفلسطينية وعن النكبة. في التعلم نوع من التحدي الذي يقوض الأسس التي تربينا(17) عليها، ويحتوي في داخله أيضا على عنصر المفاجأة: من يدري ماذا سنكتشف إن بدأنا بالحفر؟(18)

إن الواقع غير المتماثل الذي نعيش في داخله يفرض أيضا انعدام التماثل في المعرفة: من يجب أن يتعلم ومن يجب ألا يتعلم، وعن ماذا يتعلم؟ الفلسطينيون الذين يعيشون تحت حكم إسرائيل، على سبيل المثال، يعرفون عن الصهيونية وعن الثقافة الإسرائيلية المسيطرة أكثر بكثير مما يعرفه اليهود في البلاد عن الثقافة الفلسطينية.(19) مع هذا، يبدو أنه من أجل بناء مجتمع مختلف هنا، فانه من المهم أن يتعلم الفلسطينيون أيضا عن جوانب غير مهيمنة(20) في التاريخ والدين اليهودي، وكذلك بالنسبة للثقافة الإسرائيلية التي تطورت هنا في السنوات الأخيرة. التعلم عن كارثة المحرقة من خلال النص اليهودي مثلا (ليس الصهيوني، كما يتم هنا في كثير من الأحيان)، عن طرد اليهود من الدول العربية، أو عن معاناة يهود إثيوبيا في طريقهم إلى البلاد، يعطي الإمكانية لليهود لرسم تاريخ آخر لأنفسهم، ويعطي الفلسطينيين إمكانية فهم النص الاجتماعي والتاريخي الذي يعيش في داخله اليهود. مثل هذا التعلم المشترك من كل طرف عن تاريخ وحضارة الطرف الآخر يبدو إلزاميا من أجل بناء علاقات احترام متبادل، ويمكن، كما قلنا، أن يبدأ الآن. مثل هذا التعلم لن ينتهي مع بداية مرحلة العودة إنما سيزداد عمقا. من خلال التعلم، يمكن إيجاد العلاقات بين الثقافات وربما يمكننا هذا من صياغتها من جديد.

ترسيم وهيكلة الخريطة(21)

أحد الادعاءات التي تسمع في كثير من الأحيان ضد إمكانية العودة، حتى لو كان مطلب الفلسطينيين في العودة مطلبا عادلا، ليس هناك مكان كاف: البلاد صغيرة ومكتظة، ولا يوجد مكان لسكان آخرين، هذه حقيقة- أنظروا إلى الخريطة، انظروا إلى المخططات. لكن التمعن في الخريطة، كما نعرف، لا يصف الواقع فقط إنما يخلقه أيضا. فإذا كنا نرغب بواقع آخر، فنحن بحاجة إلى مسح آخر يظهر فئات أخرى، يتطرق إلى أبعاد أخرى، ويجيب عن أسئلة أخرى. نحتاج لمسح خرائطي يفحص على سبيل المثال، أين يمكن أن نقيم من جديد قرى تم تدميرها؟ في أي المناطق يمكن ترميم بقايا قرى؟ (لفتا؟ كفر برعم؟)، وفي أي منها يمكن إقامة قرى من جديد؟ (مسحة؟ صفورية؟)، أين يمكن أن نقيم مجددا قرى بجوار الأراضي الأصلية أو على جزء منها؟ (بيت جبرين؟ زكريا؟)، وأين لا يمكننا ذلك مطلقا؟ (صمويل؟ الشيخ مؤنس؟). سنحتاج أيضا أن نفحص أين توجد بيوت بقيت كما كانت تماما في الـ48، المقصود هنا بيوت فلسطينية موجودة اليوم بأيدي يهودية (أو فلسطينية أخرى) كما هو الحال في يافا، أو في عين كارم. كم هو عدد المباني الفلسطينية العمومية التي ما زالت قائمة؟ وكم منها ما زال يستعمل اليوم لنفس الهدف (انطلاقا من فرضية بان تبديل استعمال مبنى عمومي من مجموعة سكانية إلى أخرى أسهل من نقل سكان من بيوت إلى بيوت أخرى)؟

إن عملية المسح هذه مهمة، ليس فقط كي نفهم الوضع الجغرافي، إنما أيضا لنقف على الوضع الاجتماعي في كل مكان- وهكذا يمكن أن نتعرف على الأفراد والمجموعات التي ستتفاوض على طبيعة المكان المستقبلية. على المسح أن يشمل الوضع الافتراضي للأرض في البلاد اليوم كما يظهر في البرامج والخطط المختلفة. الأراضي التي تمت مصادرتها من الفلسطينيين على مدار السنوات بوسائل مختلفة، وبرامج الاعمار العديدة التي خططت لها. هذا لا يعني، بالطبع، انه لا يمكن تغيير الخطط المستقبلية للأرض أو برامج الاعمار القائمة، لكن من المهم أن نأخذها في الحسبان في كل تخطيط مستقبلي لبناء قرى وبلدات.

على عكس فرضية "لا يوجد مكان"، يظهر البحث الذي أجراه سلمان أبو ستة بان معظم المراكز المبنية للقرى التي كانت موجودة حتى النكبة بقيت فارغة. من خلال جولات مجموعة "ذاكرات" نرى مرة تلو الأخرى أنه بالفعل معظم القرى بقيت فارغة، مقابل الأراضي الزراعية والعامة التي تم تخصيص معظمها للبلدات اليهودية وهي مستعملة الآن. هذا الوضع ينقض الادعاء بأن مساحات القرى بأكملها يستعملها اليهود.

سيساعدنا(22) المسح أيضا على فهم الوضع الميداني بشكل مسؤول، وأيضا، وبنفس المقدار من الأهمية، سيساعدنا على التدرب على رؤية البلاد بشكل مختلف - نظرة لا تترتب وفقا لقسيمة ملكية أو سياج، إنما نظرة إلى كافة الأراضي الموجودة بين البحر والنهر كمكان يسكن فيه أناس لهم مصلحة مشتركة،(23) يرغبون بالعيش معا حياة جيدة كريمة لهم الحق في ممارستها. (24)

استطلاعات رأي

في سياق الحديث والتفكير حول عودة اللاجئين الفلسطينيين، يظهر مصطلح "استطلاعات رأي" مصطلحا فظاً، إذ أن العديد من استطلاعات الرأي كانت تخدم مصلحة من أرادوا أن يثبتوا بان اللاجئين لا يرغبون بالعودة(25) إذا ما أعطوا الإمكانية لذلك، وسيفضلون الحصول على تعويض يمكنهم من البقاء في المكان الذي يتواجدون فيه الآن.

تم إجراء الكثير من استطلاعات الرأي، بين الفلسطينيين وبين اليهود أيضا. قسم تشجعوا من نتائج الاستطلاعات وقسم أصابهم الذعر. عندما سئل اللاجئون الفلسطينيون على سبيل المثال إذا ما كانوا يرغبون بالعودة إلى إسرائيل، كان الافتراض بان إسرائيل كدولة يهودية هو نوع الوضع النهائي الوحيد في البلاد، ولذلك أجاب العديد من اللاجئين بالنفي. نحن، بالمقابل، نقترح استعمال استطلاعات رأي بين مجموعتي السكان بناءً على فرضية تحقيق العودة والحياة المشتركة بمساواة مدنية كاملة. السؤال الذي يطرح إذن كيف نبني مثل استطلاعات الرأي هذه.

احد الأسئلة التي سيكون من المهم طرحها على اليهود يلزم أن يفحص كم من أصحاب البيوت اليهود سيكونون مستعدين للتنازل عن البيوت التي يسكنون فيها وإرجاعها لأصحابها الأصليين،(26) أو كم من يهود الشتات يرون أنفسهم قادمين للعيش هنا. في الأسئلة الموجهة للفلسطينيين يجب ان نسأل عن: كم عدد الذين يرغبون بالعودة؟، إلى أين؟ بأي تركيبة اجتماعية وبأي مجال سيرغبون بالعمل؟ أو هل سيرغبون بتغيير مهنهم؟ كم من الممتلكات كان لديهم قبل النكبة؟ والمزيد من الأسئلة. سنحتاج أيضا، ضمن هذا الإطار، أن نفهم كيف يمكن إعادة ممتلكات كانت بحوزتهم أو كيف نعوض من لم يكن يملك شيئا، إذ يجب أيضا أن نأخذ بعين الاعتبار الفلاحين الذين فلحوا الأرض التي كانت ملكا للأفندية والأغنياء: ماذا سيحل بهؤلاء الناس؟(27) كيف نعوضهم؟(28) أسئلة أخرى يجب أن يتم التفكير بها مثلا- كيف نمنع خلق مجتمع فيه هوة اقتصادية عميقة؟ أي القرى الفلسطينية التي دمرت لديها اليوم ما يكفي من السكان لإعادة اعمارها؟ وهل سيرغب اللاجئون وأبناؤهم التابعون إلى بلدة معينة بان يقيموا بلدة منفردة، أو بالتعاون مع من خرج من بلدات أخرى؟ هل سترغب مجموعات كاملة من المُهجرين (مثل مخيمات اللاجئين في لبنان التي يعيش فيه لاجئون من عدة قرى والذين يشكلون بأنفسهم مجتمعا واحدا) البقاء سوية؟

الدستور

إن سن دستور كامل ومتفق عليه لن يتحقق طبعا في المرحلة الأولى، حيث يتوجب وضع الدستور سوية مع اللاجئين الفلسطينيين والذين ليسوا موجودين حاليا في البلاد. هذا الأمر يخلق صعوبات تقنية وإيديولوجية تذكرنا بالنقاش حول دستور دولة إسرائيل: احد الادعاءات التي تبرر الامتناع عن سن دستور حتى الآن هو إدعاء انتظار قدوم كل اليهود من كل العالم إلى البلاد ليتم سن الدستور.

نقترح أن نتعلم الدرس وأن نسرع في سن الدستور، أو على الأقل وضع "دستور حد أدنى" يعبر عن التوافقات الأساسية التي من خلالها يمكن أن يتطور الدستور الكامل. نحن نؤمن بأن "دستور الحد الأدنى" يمكن أن يجيب على مخاوف ستظهر (بالأخص عند اليهود) مع عودة اللاجئين الفلسطينيين. سنحاول أن نعرض هنا إطارا أوليا لتلك التوافقات وأن نشير إلى عدد من المعايير التي يجب أخذها بالحسبان: (29)

- يجب أن يكون الدستور مبنيا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة.
- يمنح الدستور مواطنة متساوية لكافة سكان الدولة.
- قوانين الهجرة إلى الدولة: إحدى الخطوات الأولى ستكون طبعا إلغاء قانون العودة الإسرائيلي كما هو اليوم، والتأكيد على حق العودة للاجئين الفلسطينيين. خلال فترة طويلة تحدد مسبقا تقوم الدولة بترتيب قوانين الهجرة الأخرى التي من خلالها يتم تفضيل هجرة اليهود والفلسطينيين، لكن أيضا هذه الهجرات تكون محددة بقيود معينة.
- الفصل بين الدين والدولة.
- إصلاح الجهاز القضائي كي لا يكون مبنيا على تفضيل حقوق اليهود.
- ضمن المفاوضات على الدستور، سنحتاج إلى الاتفاق على إصلاحات زراعية يقوم من خلالها اليهود الذين حصلوا على أراضي من الدولة (كيبوتسات، موشافيم) بإعادة هذه الأراضي ليتم توزيع الأراضي من جديد.
- يمكن لكل مواطن أن يعيش في أي مكان في الدولة.
- لا يرغم أي شخص على إخلاء البيت الذي يسكنه. (30)

برامج البناء

في هذه المرحلة يجب أن نحضر برامج بناء جديدة.(31) ما هي القرى الجديدة التي سيتم بناؤها؟ أي قرى قائمة سيتم توسيعها لتستوعب العائدين؟ يجب أن نحضر خطط بناء قطرية تأخذ بعين الاعتبار أمورا مختلفة، مع الاعتماد على المسح واستطلاعات الرأي التي تشكل أساسا لتلك البرامج والخطط، أي على برامج البناء أن تعكس النقاش والمفاوضات بين اللاجئين العائدين وبين من يسكن في البلاد الآن.


المرحلة الثانية: العودة
 

يجب تحضير الأرض عشية العودة الفعلية. تخطر على بالنا أربع مركبات يمكن أن تدعم مرحلة العودة: جولات تعريف بالموطن الأصل، تجهيز مراكز استيعاب، تأهيل المجتمع المستوعِب، تأهيل المجتمع العائد.
- تعريف بالموطن الأصل: صيغة جولات "تغليت" التي تقوم بها الوكالة اليهودية للشبان والشابات اليهود من الشتات للتعرف على البلاد، يمكن أن تساعدنا(32) لتكون مرحلة تحضيرية لإعادة اللاجئين الفلسطينيين. بعد مرور ما يزيد عن ستة عقود على النكبة تغيرت البلاد بدرجة كبيرة؛ فاللاجئون الذين لم تطأ أقدام معظمهم البلاد منذ ذلك الوقت، يجب أن يعرفوا المكان الذي سيعودون إليه. القرية المرسومة في الذاكرة لم تعد موجودة، وأحيانا لم يعد لها أي أثر في المشهد الطبيعي. من المهم إذن إجراء جولات للمجموعات التي ترغب بالعودة (أو لمندوبيهم على الأقل) ليروا الوضع على حاله الآن، وليعرفوا من سيكونون جيرانهم الجدد، وأحيانا ليعرفوا من يسكن في البيوت التي سكن فيها آباؤهم وأمهاتهم في الماضي.
- مراكز الاستيعاب الموجودة اليوم(33) يمكن أن يستعملها الفلسطينيون العائدون. يمكن القول بأن الفلسطينيين لن يتمكنوا من العودة مباشرة إلى قراهم التي كانوا يسكنون فيها، ولذلك من المهم استيعابهم في مراكز استيعاب. حيث سيتمكنون في مثل هذه المراكز من الحصول على معلومات وتأهيل قبيل اندماجهم في حياة البلاد، وكذلك ليتمكنوا من إسماع صوتهم.
- المجتمع الذي سيستوعب عودة اللاجئين يجب أن يتحضر لذلك أيضا. ان نجاح استيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين يحتاج إلى مجهود كبير من جهة المجتمع المُستقبل. في هذه المسألة يمكن أن يلعب الفلسطينيون الذي يعيشون اليوم في البلاد دورا مهما. يمكنهم بشكل "طبيعي" أن يساعدوا أخوتهم العائدين إلى مناطق إسرائيل اليوم، وهي المناطق الأساسية التي نتحدث عنها في سياق العودة. يحتمل أن يكون هناك لاجئون يفضلون السكن في منطقة الضفة أو قطاع غزة، لكن هذا لا يحتاج إلى الكثير من التحضير المسبق.(34) الفلسطينيون من مواطني إسرائيل يعرفون المجتمع اليهودي والفلسطيني، لذا سيكون من السهل عليهم نقل تجربة العيش مع اليهود إلى فلسطينيين آخرين. التغييرات العديدة التي ستمر فيها البلاد من ناحية اجتماعية، ديموغرافية، اقتصادية وغيرها تحتم تأهيل السكان اليهود في إسرائيل، حيث يجب تحضيرهم قبيل استيعاب اللاجئين.(35)
- المجتمع العائد أيضا، أي اللاجئون الفلسطينيون، يجب أن يمروا بتحضير مسبق. يجب أن يكون للمجتمع المدني دور مركزي في مثل هذا التحضير. يجب أن يبدأ التحضير في نشاطات التوعية والتربية في بلاد اللجوء، وأن يستمر في مراكز الاستيعاب في البلاد، مثلا على غرار التأهيل الذي كان يتم في الماضي قبل البدء بالعيش الفعلي في الكيبوتسات في إسرائيل.(36)
يجب أن تتم عودة اللاجئين بشكل فعلي على مراحل، تدريجيا، وبالنظر إلى قدرة الاستيعاب. العودة الفعلية، حتى عندما تكون حلم حياة اللاجئ الفلسطيني، هي هجرة - وكل هجرة هي نوع من الاقتلاع من مكان إلى آخر، في الحالة الفلسطينية، كافة اللاجئين الذين سيختارون العودة عاشوا جل حياتهم في مكان آخر، في غربة معينة. يعيشون معظم حياتهم في مكان لا يرغبون بالعيش فيه، ومع ذلك ما زالوا يشعرون بأن هذا هو مكانهم: لقد اعتادوا عليه ويعرفونه ولقد تحول مع مرور الأيام إلى نوع من الموطن بالنسبة إليهم.
ستشكل العودة بالنسبة لهم اقتلاع (طوعي) من مكان سكنهم. يتطلب تحقيق العودة بأفضل الأحوال تحضير اللاجئين أنفسهم، المجموعات المستوعِبة للاجئين العائدين، واعداد نظام الاستيعاب. لذلك، لا يمكن للعودة أن تكون عملية تلقائية(37) تتعلق بشكل حصري برغبة اللاجئ بالعودة.
عملية العودة منوطة أيضا بقرارات مؤسساتية مختلفة، والتي ستحد من عدد اللاجئين بشكل طبيعي وفقا للقدرة على استيعابهم. نحن إذن بحاجة إلى معايير لتفضيل لاجئين عن لاجئين آخرين. نحاول هنا عرض بعض المعايير:

1. السن: ستعطى أفضلية للاجئين المتقدمين في السن الذين عانوا من التهجير الفعلي ويريدون العودة. لا حاجة لأن نشرح لماذا ينبغي أن نسمح لمسن يرغب بالعودة وأن نفضله على حساب أبناء الجيل الثاني أو الثالث للنكبة. هؤلاء المسنون سيعودون طبعا مع أبناء عائلاتهم الذين سيرغبون بذلك. من هنا تنبع قضية أخرى وهي حدود العائلة التي ستحصل على التفضيل، ويبدو أن هذه المسألة تفوق قدرتنا على الحل في المرحلة الآنية.
2. العودة من لبنان:(38) معيار التفضيل الثاني هو اللاجئون الذي يسكنون في لبنان، إذ أنهم يعانون من وضع اجتماعي ومعيشي هو الأصعب عموما.(39) الوضع المعيشي للسكان في مخيمات اللاجئين في لبنان هو الأسوأ، لكن أيضا حتى الذين خرجوا من المخيمات لا يتمتعون بحقوق المواطنة وهم ممنوعين من ممارسة عشرات الأنواع من الأعمال أو المهن، وهم تحت ضغوطات عديدة من قبل السلطات والسكان في لبنان.
3. المحافظة على تركيبة الجماعات:(40) يمكن للعودة أن تنجح بشكل أفضل كلما تمت المحافظة على تركيبة مجموعات اللاجئين العائدين. يمكن أن نفكر بنوعين من الجماعات: الجماعة الأصلية، من البلدات الأصلية التي هُجّر اللاجئون منها، والجماعات التي يعيشون فيها اليوم، مثلا كما في مخيم يجمع لاجئين من بلدات مختلفة. كلا الجماعتين يمكن أن تكونا لهما مصلحة بالحفاظ على نفسيهما كجماعة من خلال العودة سوية مع رفاقهم. وقد اتبع نفس المنطق عندما تم تهجير سكان "غوش قطيف"، حيث كانت هناك محاولة للحفاظ على المجموعات السكانية في مكان السكن الجديد. على سبيل المثال؛ ان الفترة التي عاشها لاجئو مخيم عين الحلوة في لبنان سوية هي فترة زمنية أطول من الفترة التي عاشوها في القرى التي هجروا منها في فلسطين. لذلك، يحتمل أن يختاروا أن يعيشوا سوية بعد العودة، ربما مع المحافظة على ذكريات جماعية لكل بلدة هجروا منها، كما يحدث في أماكن عديدة منذ النكبة. مع ذلك يحتمل أن تكون هناك مجموعات أصلية ترغب بأن تعيش سوية، ويجب أن يؤخذ هذا بالحسبان.
إن مسألة تدريج العودة يجب أن تنعكس أيضا على العدد الكلي للاجئين العائدين في كل عام. يجب تحديد عدد أقصى للعائدين الذين يمكن استيعابهم، وذلك لسببين: الأول والواضح له علاقة بالقدرة على الاستيعاب.(41) السبب الثاني هو خوف اليهود من دمار/ فقدان عالمهم بعودة اللاجئين بعد مرور سنين عديدة من الصراع والاحتلال. يجب أن نضمن أن لا يتم إخراج اليهود من بيوتهم بالقوة، كذلك الأمر بالنسبة للفلسطينيين المهجرين الذين يسكنون في بيوت لاجئين فلسطينيين. حيث يلزم ان تعطى لهم الإمكانية للمغادرة مقابل تعويض ملائم، وفي كل الأحوال لن يكون هناك إخلاء بالقوة.(42)
في هذه النقطة تبرز عدة أسئلة يجب الإجابة عليها: ماذا سيحدث عندما يكون هناك بيت فلسطيني، يطالب أصحابه بملكيته ويسكن فيه يهود أو غيرهم غير مستعدين لإخلاء البيت؟ ما الذي سيحدث عندما يكون سكان المنزل قد اشتروا هذا البيت من الدولة أو من ساكنيه اليهود السابقين؟ وماذا سيحدث في حال كان صاحب البيت متوفيا وأولاده هم الذين يطالبون باسترداد ملكيته؟
يبدو أن الإجابات التي يقدمها القانون الدولي في هذا الشأن ما زالت ناقصة وغير كافية. مثلا، وفقا للقانون الدولي، عندما يبقى البيت بوضع مشابه نسبيا لما كان عليه قبل ال-48 تعتبر المطالبة به من قبل أصحابه الفلسطينيين أقوى، ولكن عندما يتغير البيت ويتم ترميمه تكون ملكية الساكنين فيه هي الأقوى. حسب رأينا (غير القانوني) قوة ملكية السكان الحاليين تزيد كلما مر وقت أطول.(43) فعندما يقوم الورثة من الجيل الثاني أو الثالث أو الرابع بالمطالبة باسترداد الملكية بعد عشرات السنوات من سكان اشتروا العقار بحسن نية، يكون موقفهم اضعف من صاحب العقار الذي يطالب باسترجاع ملكيته التي سلبت منه منذ وقت قصير. (44) مع هذا، في وضع العودة والسعي نحو المصالحة، يفضل تقديم محفزات لكلا الطرفين للقيام "بتنازلات مؤلمة". مثلا، سيحظى اليهود الذين يتنازلون عن ممتلكاتهم لصالح لاجئين عائدين بتعويضات مناسبة وبتقدير جماهيري،(45) وكذلك الأمر بالنسبة للفلسطيني الذي يتنازل عن استرجاع عقاراته وممتلكاته لصالح الساكنين الموجودين فيها حاليا.

المُهجّرون داخليا أولا

من الممكن أن تتم إعادة المهجرين الفلسطينيين في الداخل، مواطني إسرائيل، قبل(46) إعادة اللاجئين من بلاد اللجوء - حيث أن جزءا من التحديات التي تقف أمام العائدين من بلاد اللجوء غير موجودة بالنسبة للمهجرين الداخليين. البعد الجغرافي، القرب ومعرفة الوضع على الأرض هي أفضليات كبيرة ستساعد هذه المجموعة من السكان على التخطيط للعودة المستقبلية.(47) مثلا، مجموعة مهجري صفورية سكنت غالبيتها العظمى في حارة الصفافرة في الناصرة ويمكنها بسهولة نسبية أن تقرر إذا كانت معنية بالعودة إلى بلدها، على بعد كيلومترات معدودة من مكان سكنها الحالي. بعد قرار كهذا يمكنهم أن يخططوا بلدتهم، سوية مع مؤسسات البناء والتخطيط الرسمية وغير الرسمية، لملاءمتها للاحتياجات الآنية. جيرانهم اليهود سكان بلدة تسيبوري وغيرهم، عليهم أن يكونوا جزءا من تخطيط مستقبلي كهذا. البدء بعودة كافة المهجرين الداخليين ستسهل على المهجرين داخليا أنفسهم تأهيل العائدين من بلاد اللجوء قبل هجرتهم والمساعدة في استيعابهم فعليا على ارض الواقع. تجربة العودة بالنسبة لهم ستعلمهم ما هي التحديات التي تقف أمام العائدين وما هي الاستراتيجيات التي ساعدتهم في التعامل مع صعوبات عملية الاستيعاب.
حسب رأينا، يمكن لليهود في إسرائيل أن يكونوا أكثر انفتاحا على العودة وإعادة إسكان جيرانهم المهجرين الداخليين وهكذا سيقبلون تدريجيا فكرة تطبيق العودة.

الدفن والزيارات

هناك مركبان إضافيان ومكملان بالنسبة لعودة اللاجئين: الدفن وزيارة البلاد. يحفظ حق الدفن للاجئين الفلسطينيين (ولليهود في خارج البلاد أيضا) في البلاد دوما. العديد من اللاجئين لن يرغبوا ربما بالهجرة مجددا إلى فلسطين لكن يمكن أن يطلبوا الدفن فيها بعد موتهم. مثل هذا النوع من العودة لا يحتاج إلى تسخير موارد عديدة لكن أهميته الرمزية والفعلية كبيرة جدا. وعلى نفس الغرار يجب أن يحفظ حق زيارة البلاد(48) دوما بدون تقييد.(49)

إلى أين سيعودون؟

إلى أين سيعود اللاجئون؟ سؤال مركزي بداهة. هناك إمكانيات متعددة: إلى البلدات/ القرى التي هجروا منها: قرب هذه البلدات، بلدات أخرى، بلدات جديدة مشتركة لمجموعات لاجئين مختلطة أو لبلدات مشتركة مع مجموعات يهودية.

1. العودة إلى البلدات التي هجروا منها تبدو الإمكانية الأكثر طبيعية،(50) وبالفعل في حالات معينة يمكن أن تتحقق هذه الإمكانية. ولكن بغية تحقيق ذلك هناك بعض الشروط. أولا، أن تكون مجموعة سكنية كبيرة بما يكفي ومعنية بإقامة بلدة مجددا، وثانيا أن يكون مركز القرية التي دمرت ما زال خاليا، في معظمه على الأقل، وثالثا أن يكون في محيطها أراضي يمكن أن تخصص للبلدة.(51) ثالثا، يجب التفكير في أبعاد التخطيط المتنوعة مثل المحافظة على البيئة، البنية التحتية والخ.
2. في حال أن البلدة لم تعد موجودة، أو يعيش فيها أناس آخرون، أو أن المنطقة قد تحولت إلى منطقة صناعية، يمكن إقامة البلدة من جديد على مقربة من الموقع الأصلي. مثل هذا الحل يحافظ على القرب من المكان الجغرافي الأصلي من ناحية، ويأخذ بعين الاعتبار الواقع الذي تغير منذ ذلك الوقت، من ناحية أخرى. مثال على ذلك القرى التي كانت في منطقة مدينة تل- أبيب. سكان صمويل لا يمكنهم العودة إلى قريتهم في المنطقة التي كانت فيها لأنه باستثناء مباني معدودة لم يتبق شيء من القرية؛ وأراضيها الزراعية هي اليوم مركز مدينة تل- أبيب.(52) لكن توجد إمكانية بان يتم تخصيص شقق في أبراج متوقع أن تبنى في مساحة قريتهم قريبا. يمكنهم السكن في هذه الشقق، أو عوضا عن ذلك يمكنهم تأجيرها أو حتى بيعها. يمكن أيضا إقامة قرية بالقرب من تل- أبيب لكافة لاجئي القرى الذين يرغبون بالعودة. هناك إمكانية أخرى هي إقامة بلدة فلسطينية إضافية قريبة من بلدة يهودية قائمة. بلدة كيرم بن زمرا على سبيل المثال موجودة مكان قرية الراس الاحمر، وكذلك كيرم مهرال مكان اجزم. يمكن على سبيل المثال توسيع كيرم بن زمرا وكيرم مهرال وإضافة أحياء جديدة عليها مخصصة للاجئين الفلسطينيين.(53)
3. يمكن للمجموعات السكانية المهجرة من بلدات مختلفة أن تسكن سوية. كما ذكر أعلاه، في حال أن مجموعة لاجئين أصلها من قرى متفرقة ترغب بالعيش سوية كما كان الوضع في المخيم، حيث يتم بناء بلدات في المناطق المجاورة للقرى التي هجروا منها. عادة تكون هذه المجموعات مركبة من لاجئين من بلدات مجاورة، كما في الجليل مثلا.
4. هناك أيضا إمكانية للعودة إلى مكان آخر مختلف كليا. يمكن للاجئين السكن في أي منطقة في البلاد، لذلك لا يوجد حظر لإمكانية أن يسكن لاجئين من حيفا مثلا، في الناصرة أو في تل- أبيب.(54)


المرحلة الثالثة: بعد العودة

 

شكل الدولة(55)

في هذه المرحلة سنحاول أن نصيغ نقاط توجيهيه تؤسس عليها الدولة التي ستقوم بعد عودة اللاجئين، حيث تشكل عودة اللاجئين بالنسبة لنا فرصة لخلط جميع الأوراق وبناء لعبة جديدة ومحاولة اقتراح نظام آخر. نقترح التفكير بدولة بمعزل عن القومية كما هي معروفة لنا اليوم - دولة لا تحتاج إلى تعريف نفسها مقابل عدو خارجي يجب أن تحمي نفسها منه، إنما من خلال المجموعات السكانية التي تتركب منها الدولة.

الدولة التي نفكر فيها هي "دولة ضعيفة"،(56) بمعنى أنها دولة بسلطات محدودة، ولكن ذات دستور قوي، وتكون مبنية، كما قلنا سابقا، على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما وتكون علمانية أيضا. يشكل دستور الدولة إطارا محدودا وصارما يسمح بوجود مجموعات "قوية" داخل الدولة، وكل منها يعيش بنوع من الحكم الذاتي الاجتماعي والثقافي خاص به (طبعا ضمن إطار قوانين الدولة). تكون الوحدة مجتمعية مماثلة لدولة؛ بمعنى أنه يمكنها أن تقيم علاقات ثقافية واجتماعية خاصة بها. نحن لا نقترح النموذج اليوناني لدولة البوليس المدينة – الدولة، بل نقترح التفكير بمجموعة الوحدة المجتمعية – الدولة. احد أهم أهداف هذه الدولة سيكون الاهتمام بتعدد الثقافات في داخلها وبإطار يسمح بحياة كريمة لكل مواطن فيها. ضمن هذا الإطار تكون الدولة مسؤولة مثلا عن تنظيم شبكة المواصلات، وعن المحافظة على عدم هيمنة فئة على السوق، وعن منع قيام سيطرة مجموعة معينة على سائر المجموعات. بكلمات أخرى، ستكون السيطرة العليا للدولة ضمن حدود الدستور، وذات طبيعة رسمية وتنظيمية بالأساس.(57)

تكون المواطنة في الوحدة المجتمعية- الدولة بمعزل عن المكان الجغرافي لمواطنيها؛ حيث يمكن أن يعيش في نفس المكان أو المساحة الجغرافية عدد من الوحدات المجتمعية- الدول سوية، وكل واحدة منها تقيم في داخلها نظاما تربويا خاصا، وتتحدث بلغتها، وتمارس عاداتها وتقاليدها الخاصة. يحتمل وجود مدارس تعلم اللغات العربية، العبرية، الأمهارية، الروسية أو أي لغة أخرى، وتحدد برامج التعليم في كل من هذه المدارس من قبل الوحدة المجتمعية- الدولة التي تشغلها.(58) للدولة السلطة بأن تمنع برنامج تعليمي (إن كان عنصريا مثلا) لكن ليس لها بان تصادق على كل المناهج.

خلق مكان للتعددية الثقافية في الدولة لا يسمح فقط بإقامة حكم ذاتي من الناحية الثقافية لمجموعات يهودية وعربية كما نعرفها اليوم - بل أيضا يمكن من بأن تفكيك الوحدة الزائفة(59) القائمة اليوم، والمتمثلة في وحدة المواجهة بين الوحدة المجتمعية اليهودية، كدولة قومية، والوحدة المجتمعية الفلسطينية، كأمة/شعب بلا دولة قومية. في الوضع القائم تتوارى الفروق في داخل كل وحدة، الأمر الذي يترتب عليه عدم تمكن كل وحدة مجتمعية من التعبير عن ذاتها بشكل متساوي مع الوحدات المجتمعية المحيطة. المجموعة المسيطرة (في حالة القومية اليهودية- المجموعة الغربية الاشكنازية) تطغى على سائر المجموعات الأخرى باللون الأبيض، والمجموعات الأخرى مثل الأثيوبيين أو مهاجري العمل لا مكان لهم- لا مكان في الدولة كما نعرفها اليوم. وعليه، فان فصل المواطنة عن القومية بواسطة فكرة الوحدة المجتمعية- الدولة متعددة تسمح بخلق مجموعات أخرى،(60) لن تُعرّف من خلال المعايير القومية. يمكن مثلا أن تقوم فكرة الوحدة المجتمعية- الدولة بين المزارعين أو الفنانين. بطبيعة الحال ستكون وحدات مجتمعية-دول تربطها بعضها ببعض علاقات قوية أو ضعيفة،(61) وهذا سيفرض عليهم إعادة تشكيل وصياغة علاقاتهم الداخلية باستمرار.(62)

المصالحة

كي يكون هناك نمط آخر من الحياة نحن بحاجة إلى اتفاق سياسي جديد، وإلى إقامة علاقات جديدة تعتمد على الثقة بين السكان- الناس الذي يعيشون هنا والذين سيصلون لاحقا إلى هنا. من أجل بناء مجتمع سليم يجب معالجة الجروح التي حدثت وتعمقت مع السنين أو خلال الستين سنة الأخيرة. يجب توفير حيز عام للتحدث عن الألم والإصغاء إلى قصص الضحايا ومرتكبي الانتهاكات والجرائم.(63)
احد النماذج المثير للاهتمام والتي نحتاج إلى المزيد من التفكير فيه لنلائمه مع واقعنا هنا في المنطقة، هو نموذج لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، والتي تم الاستعانة بها كمحاولة أولى للتمييز بين الحقيقة، وما يوجب تحمل المسؤولية، وماهية العقوبة اللازمة. من ناحية، يمكن أن نقول بالنسبة لحرب عام 48، أو 67 أو حتى إلى القصف الأخير على غزة بأنه نتيجة لمشاعر المجتمع في ذلك الوقت وانه مسؤولية أناس أفراد، وبأنه لا يمكن اتهام قائد أو وزير معين، لأنهم بأنفسهم عملوا وفقا لثقة الجمهور التي منحت لهم. مع هذا، إذا قلنا بأننا جميعا مذنبون، فكأننا نقول بأنه لا يوجد مذنبون فعليا، وأشد من هذا، بأنه لا يمكن تحميل المسؤولية لأحد. لهذا السبب، يبدو لنا نموذج جنوب أفريقيا مثيرا للاهتمام. من خلال لجان الحقيقة والمصالحة، تكون الحقيقة أمر ضروري، حيث يتحدث الضحايا عن قصصهم، وعلى مرتكبي الانتهاكات والجرائم أيضا أن يروّا قصتهم بصورة علنية، حيث أن مسألة العلنية هنا نوع من العلاج،(64) ليس فقط لمن يصرحون بها، إنما أيضا بالنسبة للمجتمع ككل.(65)

ما جدوى هذا الأمر؟

مع الانتهاء من عرض الأفكار الأولية حول إمكانية العودة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، وبدلا من كتابة تلخيص، يهمنا أن نجيب على سؤال لماذا نعتقد أن العودة هي أمر مُجدي. للإجابة نبدأ بالإشارة إلى التنازلات التي تتطلبها عودة اللاجئين الفلسطينيين من كل طرف.

يتنازل اليهود عن السيادة،(66) إدامة السيطرة/الهيمنة الحصرية على البلاد وعن سياسة ضمان تحقيق الأغلبية اليهودية. بعد مرور أكثر من مئة سنة على سيطرة الفكر الصهيوني على نشأة اليهود في البلاد، وعلى بلورة نظامهم الاجتماعي، فإن الأمر يحتاج إلى مجهود وجرأة غير بسيطين. في حال عودة اللاجئين، سيتحول اليهود إلى أقلية في البلاد. ستتغير إسرائيل كدولة يهودية(67) بشكل تام حتى أن تعريفها الحالي لن يكون له اي معنى في المستقبل. لن يتمكن اليهود من تحديد مستقبلهم ومستقبل الفلسطينيين بشكل حصري. وكأقلية في دولة ديمقراطية سيحظون بحقوق- لكن بقيود عديدة أيضا.

إذن ما جدوى هذا الأمر؟ برأينا، هذا الوضع، الذي يسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم سيمكن اليهود، لأول مرة منذ بداية الصهيونية، أن يعيشوا في البلاد ويستقرون فيها ليس باعتبارهم أصحاب السيطرة الحصريين، أو كمحتلين أو كمن يحلمون بعودة صهيون الأسطورية.

باختفاء مقولة "ارض إسرائيل" كأسطورة(68) وتحولها إلى كيان سياسي، تنشأ فرصة اليهود الحقيقية – وهذه هي المفارقة- "للوصول" إلى البلاد، بمعنى أن يحطوا فيها، أن يتعرفوا على تاريخها عن قرب، ويعرفوا طبيعتها الجغرافية، ويدركوا التركيب السكاني الخاص بها. فقط عندما يعترف اليهود بالفلسطينيين الذين يسكنون هنا، وبالذين طردوا من هنا، كبشر يفضل العيش معهم، يمكن عندها أن نأمل بحياة عادلة في البلاد. حياة اليهود كأقلية في البلاد تسمح لهم بالاستمرار والعيش في حياتهم بشكل طبيعي كما كانوا معتادين، ولا يفترض أن يتغير مجرى الحياة في البلدات اليهودية بشكل جذري، وحتى لو حدث هذا، فان هذا التغيير سيكون تدريجيا وبالموافقة. ضمن هذا الفهم، يمكن لليهود أن يستمروا بالعيش، والإنتاج، والعمل، والتحدث باللغة العبرية، وأن يتعلموا تاريخهم وأن ينموا ثقافة عبرية يهودية.

الفلسطينيون من ناحيتهم ملزمون بالتخلي عن تحقيق حلم الجنة الضائعة.(69) فلسطين الأسطورية التي فيها كل شيء رائع لن تعود إلى الحياة مجددا، وستبقى في عالم الذكريات والشوق فقط. الحياة المشتركة في البلاد بالنسبة للفلسطينيين معناها العيش مع المحتل، مع من طردوا معظم أبناء شعبهم. هذا تحدي عظيم للذي تم احتلاله،(70) والذي يفضل بكل بساطة أن يختفي من احتله. وهذا لن يحدث. يحتمل أن يكون هناك يهود، بالأخص من أصل أوروبي الذين لن يتمكنوا من التأقلم مع الوضع الجديد غير الصهيوني، وسيفضلون استغلال جوازات السفر التي يحملونها للانتقال إلى مكان آخر، لكن مع هذا سيبقى الكثيرون غيرهم- منهم من ليس له وجهة يقصدها، أو ليس لديه القدرة على القيام بذلك. حسب رأينا، ثمن رغبة تحقيق الجنة في عالم الواقع أكبر بكثير من ثمن التنازل عنها.(71) حقا، في عالم الواقع يجب الأخذ بعين الاعتبار تغييرات كبيرة حصلت في البلاد منذ النكبة، لكن هذه التغييرات ليس تغييرات للأسوأ فقط.

--------------------------------------

1 تعليق منار زعبي: تحدثتم وكتبتم تقولون: "كإسرائيليين". إن اختيار الانتماء الهوية هنا من قبل كاتبي المقال، ذكرني بحديث دار بيني وبين امرأة التقيتها في ﭭينا، وهي نمساوية، وقد عرفت المرأة بنفسها على أنها يهودية تعارض أن تكون إسرائيل كدولة الممثل الوحيد والحصري لكل يهود العالم. ألا يشكل اختيار الهوية من خلال استخدام التعبير "كإسرائيليين" تجسيدا و/أو تعزيزا للواقع الإسرائيلي المبني على مسح وإخفاء ثقافة وتاريخ شعب آخر بأكمله؟ (لن أخوض هنا بنفس التجربة في داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه من مسح لثقافات مختلفة). لماذا لم تستعملوا جملة "نحن كيهود ولدنا هنا"؟ الحل المقترح هنا هو حل عملي ويسمح بوجود دولة ذات رؤيا واسعة وذات حدود أكبر مما هي اليوم- من الناحية الجغرافية ومن الناحية الجوهرية أيضا.
2  تعليق تومر غوردي: "بالنسبة لنا"، "نحن"، "كلنا"- الضمير الحاضر بصيغة الجمع يظهر كثيرا وبأشكال متعددة في النص، ربما أكثر مما ينبغي في نص يحاول أن يناقض الوحدة الجماعية، في حالات عديدة في النص ليس واضحا من هم مجموعة "نحن"، تماما كما هو الحال هنا في هذه الفقرة على سبيل المثال. من كان يعتبر موضوع العودة من المحرمات "التابوهات"؟ ايتان ونورما؟ أو مجموعة أكبر؟ ومن يشمل؟ ومن لا يشمل؟ من هو القسم الموجود خارج مجموعة "نحن" الخاصة بكم؟
3  تعليق كرمة نابلسي: إن محاولة تأنيس السود كانت المهمة الأصعب بالنسبة للسكان البيض في جنوب أفريقيا، لم تكتمل هذه المهمة. الخوف من السكان الأصليين هو شعور عميق ودفين بين كل مجموعة مستوطنين. لذلك حرصت حركة مناهضة حكم الأبريتهايد في جنوب أفريقيا على معالجة هذا الخوف. مثل اليهود الإسرائيليين الذين يخافون من المواطنين العرب، نظر البيض في جنوب أفريقيا إلى تقوية مكانة السود في الدولة كأمر مرعب. كما هو حال الإسرائيليين، كان هذا السيناريو يعني نهاية العالم بالنسبة لبيض جنوب أفريقيا وما سهل ذلك كان نزع الصورة البشرية للآخر وزرع الجهل حول هويته.
إنهاء حكم التفرقة العنصرية أصبح ممكنا فقط من خلال تشجيع البيض في جنوب أفريقيا على تخيل ديمقراطية ليست عنصرية. كيف ستكون مثل هذه الديمقراطية؟ وكيف سيشعرون في دولة كهذه؟ هناك أهمية عظمى لمثل هذه المبادرة في نضالنا من اجل الديمقراطية والحرية، وبالأخص بكل ما يتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم والحصول على تعويضات عما أصابهم. ضمن هذا الإطار يجب أيضا أن نفهم أهمية مبادرة مجموعة "ذاكرات" لفهم، وتخيل وتأنيس معنى عودة اللاجئين الفلسطينيين.
يبدأ النقاش حول الخطوات التي يجب اتخاذها قبل العودة من خلال الخوف الإسرائيلي من العنف المتوقع. ولكن يغيب عن النقاش ضرورة كشف أمر غير معقول في الفكرة وهو أنه يمكن للاجئين الفلسطينيون أن يشكلوا تهديدا على دولة قوية مثل دولة إسرائيل. هنا أيضا ترتبط الحاجة في التعلم، وكذلك الحاجة للتربية. لا يكفي بالنسبة للإسرائيليين أن يتعلموا عن النكبة وعن تاريخ الشعب الفلسطيني. من المهم بنفس المقدار أن يتعلموا عن وضع اللاجئين الفلسطينيين الآن، في الحاضر، والربط بين وضعهم وبين ماضيهم، إذ أن التحدي الحقيقي هو تأنيس اللاجئين الفلسطينيين اليوم، وكسر الآراء المسب