دعونا نقرر ما نريد!

  دعونا نقرر ما نريد!

بقلم:عمر البرغوثي
في الرد على إدعاءات مجموعات التضامن مع فلسطين التي تعارِض مقاطعة إسرائيل
ثمة ظاهرة غريبة واجهتنا منذ إطلاق الحملة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل قبل بضع سنوات، تتطلب تعليقا مستعجلا. فقد عارضت العديد من المنظمات المعروفة منذ سنوات – وعقود في بعض الأحيان- بعملها التضامني الذي لا يكل مع الشعب الفلسطيني، عارضت بشدة نداء المجتمع المدني الفلسطيني في 9 تموز 2005 والداعي الى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها حتى تنصاع للقانون الدولي، معللة ذلك بأسباب مختلفة. فادعى البعض أن مثل هذه التكتيكات تضر بالنضال الفلسطيني، فيما حذر آخرون من أن مثل هذا الأمر من شأنه تقويض ما يسمى بـ "حركة السلام الاسرائيلية". وتذرع بعض آخر بأن رفع شعار مقاطعة إسرائيل من شأنه جلب اتهامات لرافعيه بمعاداة السامية وخيانة ضحايا الهولوكست (المحرقة)، مما سيؤدي الى تراجع جذري في مستوى العمل التضامني مع فلسطين.

لقد تم نشر العديد من جدالات وسجالات وحجج أخرى حول هذا الموضوع في آلاف المقالات على مدار السنين الماضية، بيد أن مضامينها كانت أقل شأنا وأثرا، وعليه سأتطرق في معرض هذا المقال الى الحجج الثلاث سالفة الذكر، إذ أنها الأهم، برأيي.

هل تأتـي المقاطعــة بنتائــج عكسيــة؟

إن نداءً موقعا من قبل 170 هيئة فلسطينية، تشمل ائتلاف القوى الوطنية والإسلامية (أي أهم الأحزاب على الساحة الفلسطينية)، وأهم النقابات العمالية، ومنظمات غير حكومية وائتلافات وشبكات عمل تمثل مختلف ألوان طيف المجتمع المدني الفلسطيني القابع تحت الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وداخل مناطق 48 وفي الشتات والمنافي، لا يمكنه أن يكون غير مثمر إلا إذا كان الفلسطينيون جميعا غير عقلانيين أو ليسو على درجة كافية من الذكاء ليحددوا ما هو في مصلحتهم. إن هذا الطرح ينم عن نفس متعالٍ، كونه إمتداداً للمواقف الاستعمارية التي ظننا (أو املنا) ان تكون قد انقرضت في اوروبا "الليبرالية".

حتى لو تجاهلنا هذا النفس الاستعلائي بامتياز، فمن الناحية العملية، أثبتت حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، أي ما اصطلح على اختصاره بالإنجليزية بالأحرف BDS، أنها من أنجع أشكال المقاومة الفلسطينية اللا عنفية تجاه الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ونظام الأبارتهايد. إن عمق وسعة التأييد الشعبي الذي حظي به هذا النداء من خلال الاتحادات التجارية والمؤسسات الأكاديمية والجماعات الكنسية والعديد من المنظمات الأساسية في جنوب افريقيا  والمملكة المتحدة  وايرلندا وكندا والنرويج و السويد وحتى في الولايات المتحدة الامريكية يشهدان على مدى تأثير المقاطعة وقدرتها الهائلة في مقاومة الاضطهاد الإسرائيلي.

للمرة الأولى، ومنذ عقود، اكتشفت العديد من الحركات في أوروبا المطالبة بتحقيق السلام والعدل في فلسطين من خلال المظاهرات والاحتجاجات العامة، وبدرجة اقل عن طريق الإعلام، وسيلة فعالة تمكنها من المساهمة بشكل فعال في النضال، ومبشرة بنتائج واعدة وحاسمة، كما أثبتت تجربة النضال ضد الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. وبناء على النتائج المرحلية، ووفقا لما يقوله لنا رفاقنا في جنوب افريقيا مرارا وتكرارا، فإن حملة مقاطعة إسرائيل تسير بنهج اسرع مما كانت عليه حملتهم يوما.

هل تُقوِّض حملة المقاطعة "حركة السلام الإسرائيلية"؟

دعنا نتساءل أولا: عن أي حركة سلام إسرائيلية يتحدثون؟ وهل هي موجودة أصلا؟! إن الجماعات الإسرائيلية التي تسمى بـ "حركات السلام" تكرس وتديم بشكل كبير القمع والاضطهاد الإسرائيلي الحاصل بحق الفلسطينيين، عوضا عن الحد منه. فهذه الحركات تعمل، بالأساس، بهدف ضمان مستقبل دولة إسرائيل كدولة يهودية حصرية. إن اكثر حركات "اليسار" الصهيوني تطرفا لا تزال صهيونية القلب والقالب، ملتزمة بمبادئها، تنظر بدونية للفلسطينيين وكأنهم بشر فقط بالمعنى النسبي، معتبرة مجرد وجودهم على أرضهم تهديدا ديمغرافيا لا بد من التخلص منه. إن هذه الحركات لا تزال تعارض حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم وتعويضهم عن الخسائر والاضرار التي لحقت بهم، وهي حقوق اقرتها الأمم المتحدة منذ حصول أكبر موجة للتطهير العرقي في فلسطين في العام 1948. كما تعارض حركات "السلام" هذه إنهاء سياسة التمييز العنصري السائدة في إسرائيل، والمشرعنة في قانونها منذ عقود طويلة، بحيث تتعامل مع "غير اليهود" على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، لا يحق لهم التمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها المواطنون اليهود. فإذا كانت هذه هي حال "حركة السلام الاسرائيلية"  فلا يجب على أي شخص واع أن يشعر بالأسف لتقويضها.

أما اولئك الذين يدعون أن معظم الإسرائيليين لا يملكون أدنى فكرة عن جرائم الاحتلال ولذا فلا بد من التحدث معهم، لا مقاطعتهم، فهؤلاء، في الحقيقة، لا يفترضون مقدمات خاطئة فحسب بل يتوصلون إلى نتائج مغلوطة كذلك. فمعظم الإسرائيليين يخدمون طوعا في جيش الاحتلال، دون وخز ضمير أو غصة أخلاقية، كجزء من خدمة الاحتياط الإجبارية، وبذلك فهم أول وأكثر من يعرف بجرائم الاحتلال، إما عن طريق المشاركة فيها بشكل مباشر او بمشاهدة ارتكابها بصمت. أضف على ذلك، أن حملة المقاطعة العالمية ضد إسرائيل لم تطالب يوماً المجتمع المدني الدولي لمقاطعة شاملة للمواطنين الإسرائيليين "الأفراد"، بل لجميع مؤسسات الدولة، الأكاديمية والثقافية والاقتصادية والسياسية، بسبب كونهاا مشتركة في جريمة الحفاظ على الاحتلال والاستعمار والأبارتهايد الذين يمارسون  ضد الشعب الفلسطيني.

وأخيرا، فإن سياسة الحوار مع الإسرائيليين، التي تناشد بها مجموعات الحوار العاملة في صناعة السلام المزدهرة لم تكن مُضللة فحسب بل ومؤذية جدا للنضال من أجل الحرية والعدالة في فلسطين بسبب ما خلفته من انطباع خاطئ مراده احتمال تحقيق التعايش السلمي على الرغم من بقاء الاضطهاد الصهيوني الحاصل. بل أنها، أكثر من ذلك، فشلت فشلا ذريعا في إحداث أي تغيير ايجابي على الرأي العام الإسرائيلي نحو دعم العدالة كشرط أساسي لتحقيق السلام. فالأوساط اليهودية الإسرائيلية تسير بخطى ثابتة وأغلبية متعاظمة باتجاه الحلول الفاشية مثل التطهير العرقي الذي يسمى "ترانسفير".

إن من شأن الحوار والنضال الفلسطيني الإسرائيلي المشترك أن يكون مجديا ومثمرا في حال وُجِّه ضد الاحتلال والأبارتهايد، بشرط أن يستند على مواثيق القانون الدولي والحقوق الإنسانية والسياسية الأساسية، وخصوصا حقنا كشعب في تقرير المصير.

بالاعتماد على ما سبق، فإن المدافعين الحقيقيين الوحيدين عن السلام العادل في اسرائيل هم اولئك الذين يدعمون حقوقنا الرئيسية الثلاثة وهي : حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وإنهاء نظام التمييز العنصري/الأبارتهايد ضد المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل، وانهاء الاحتلال والحكم الاستعماري. هؤلاء هم شركاؤنا الحقيقيون، وهم يؤيدون ويعملون من أجل المقاطعة، وبذلك، فإنه من شأن الأخيرة زيادة تأثير حركة السلام العادل الحقيقي في اسرائيل وكل مكان آخر.

أما جماعات التضامن والدعم الأوروبية التي تسمح، بوعي، "لليسار الصهيوني" لإملاء جدول أعمالها بعيدا عن التنسيق مع المجتمع المدني الفلسطيني وفهم احتياجاته الحقيقية عوضا عن الزام أنفسهم أولا وأخيرا بحقوق الانسان والقانون الدولي فهم بالكاد يستحقون اسم "جماعات التضامن".

من جهة أخرى، فإن الجماعات التي تدعم، لأسباب تكتيكية، جزءاً محدداً من أهداف الحملة او مقاطعة محدودة لمنتجات معينة او لمنظمات اسرائيلية محددة  فهم شركاؤنا بالتأكيد. إن حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها لا تعرض كحزمة واحدة، فكل مؤسسة أو هيئة تستطيع اختيارما يناسبها من آليات عمل، إلا انه على الرغم من ذلك لا بد من الاتفاق على دوافع المقاطعة  والنتائج المرجوة منها. أي أن هذه المؤسسات الانتقائية في تطبيقها للمقاطعة يجب أن تدافع بمدئية عن الحقوق الفلسطينية الأساسية الثلاثة، المذكورة أعلاه، وأن تكون متناغمة مع احتياجات ومطالب المجتمع المدني الفلسطيني.

هل تشجع حملة المقاطعة معاداة للسامية؟

عوضا عن تكرار نفسي، سأقوم بنسخ بعض مما كتبته سابقا في مقال أكبر لدحض الحجج الأساسية المعارضة للمقاطعة: كما يقول الفيلسوف الفرنسي اتيان باليبار، "لا يجوز السماح  لإسرائيل باستخدام التطهير العرقي الذي تعرض له اليهود الاوروبيون لتضع نفسها فوق قانون الأمم. علاوة على ذلك،  فإننا عندما نغض الطرف عن الاضطهاد الإسرائيلي، مثلما هي حال الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم دول أوروبا، فإن الغرب يكون قد ساهم في تكريس البؤس والمعاناة البشرية والظلم الذي تلا المحرقة.

اما بالنسبة لتهمة معاداة السامية، فمن الجلي أنها في غير مكانها وتستخدم كأداة إرهاب فكري؛  فدعوة الفلسطينيين للمقاطعة لا تستهدف اليهود، بل تستهدف إسرائيل بصفتها قوة استعمارية تنتهك الحقوق الفلسطينية والقانون الدولي. إن الدعم المتزايد وسط الأوروبيين والأمريكيين اليهود التقدميين من أجل الضغط  المُثمر على إسرائيل هو أحد الحجج المعاكسة والذي لم يتم القاء الضوء عليه بعد بشكل فعلي".

تعد حملة المقاطعة من أشكال المقاومة المدنية ضد اسرائيل بغض النظر عن الديانة التي يتبعها معظم الاسرائيليون. فالدين الذي يتبعه مضطهدوك يكاد يكون بدون اهمية، سواء اكانوا يهوداً أو مسيحيين أو مسلميين او هندوس. ما يهم هو انهم يضطهدونك بصورة غير قانونية وغير اخلاقية.

إن المشاريع الداعمة لصمود الفلسطينيين على أرضهم في ظل الاحتلال، سواء تلك الموجهة لدعم الصحة أو التعليم او الميادين الاجتماعية وحتى السياسية، فهي ضرورية ودائمة الطلب، فالعديد من الفلسطينيين، بالأخص الفئات الأكثر تهميشاً وفقراً، لا يمكنهم النجاة والاستمرار في العيش في ظل الاحتلال من دون هذه المشاريع، بعد أن دمر الاحتلال والاستيطان فرص استقلالهم الاقتصادي وفرص العمل المتاحة لهم. ونحن إذ نقدر دعم هذه المشاريع بشكل هائل، على الاقل تلك غير الفاسدة او المفسدة منها،  إلا أن هذا لا يعني أننا مقتنعون ولو للحظة أن هذه المشاريع لوحدها قادرة على تعزيز نضالنا من أجل الحرية والعدالة.

إن السبيل الوحيد لذلك هو إنهاء الاحتلال والتمييز العنصري وعودة اللاجئين. وكما تخبرنا التجربة، فإن الطريقة الأمثل هي بالتعامل مع إسرائيل كما كان الحال مع جنوب افريقيا إبان نظام التمييز العنصري فيها، أي بتطبيق العديد من الاجراءات ذات الفحوى لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.

____________________

عمر البرغوثي هو عضو مؤسس في اللجنة الوطنية العليا لحملة مقاطعة إسرائيل. بني هذا المقال على مقال كتب باللغة الإنجليزية ونشر على مواقع سياسية بالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.