جدوى التضامن العالمي وأثره على القضية الفلسطينية

جدوى التضامن العالمي وأثره على القضية الفلسطينية

 بقلم:   أحمد حسن أبو غوش*

  جدوى التضامن العالمي وأثره على أية قضية يعتمد اعتمادا كبيرا على طبيعة القضية المطروحة للتضامن، إذ هنالك قضايا يكون التضامن العالمي معها هو الأساس، وأخرى يكون للتضامن العالمي جدوى لكنها محدودة؛ لأن حل هذه القضية يعتمد إلى حد كبير على ميزان القوى المحلي؛ أي ميزان القوى بين الطرفين الرئيسيين للتناقض.  قضايا البيئة، والحفاظ على الطبيعة، وطبقة الأوزون،  وقضايا الفقر العالمي،  وتمكين الأطفال من حقوقهم، وغيرها من القضايا التي صار لها امتداد عالمي، ومطروحة على جدول أعمال التنمية العالمي،  وهي ذات بعد إنساني محض؛ كلها قضايا يعمل الناشطون فيها على تجنيد رأي ودعم عام عالمي لها، وهي لا تواجه معارضة تذكر؛ بل يمكن القول، أن قضية الفقر مثلا،  في دولة أسيوية أو أفريقية،  قد تلاقي دعما وسندا دوليا، فرديا ومؤسساتيا، أكثر مما تلاقيه ذات القضية في نفس البلد. وتجنيد رأي ومساندة عالميين لحل هذه القضية مفيد جدا، بل أساسي. المهم هنا كيف يُسانَد الفقراء، لا مجرد مساندتهم. أما إذا كانت القضية شائكة ومعقدة وذات بعد سياسي ولها علاقة بالمصالح الإستراتيجية للدول، وبالذات دول المركز الرأسمالي، وكانت ساحتها موقعا ذا أهمية جيوسياسية، فمن الصعب أن يؤثر الرأي العام العالمي والدعم والمساندة الفردية والمؤسساتية على حل هذه القضية بشكل حاسم.  فالدول ذات الثقل، المؤثرة على القرار، قد تكون لها مصلحة أكبر من حليفها المحلي في عدم حل التناقض، وإبقاء القضية قائمة. وقضيتنا مثال واضح على مثل هكذا قضايا.

فهي رغم وضوح المعتدي فيها، ورغم كل ممارساته المخلة بالاتفاقيات الدولية،  ورغم الجور،  والوضع اللإنساني الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، ورغم وقوف معظم دول العالم إلى جانب الشعب الفلسطيني (لاحظ قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة)؛ إلا أن هذه القضية لما تحل، حتى ولو بطريقة غير منصفة للشعب الفلسطيني. ونلاحظ أن الإعلام، وبالذات الإعلام الرسمي منه، يقلب الصورة لصالح قوى الظلم. فالنضال الفلسطيني هنا إرهاب، والقمع الاحتلالي والإحلالي دفاع عن النفس.

 لدراسة جدوى التضامن، لا يكفي أن نتحدث بعمومية، لأن التضامن قد يجدي في جزئيات القضية ويساهم في بناء القدرة الذاتية للشعب الفلسطيني، مما يقربه، بقدر تعزيز قدراته، والتضامن جزء من هذه القدرة، من حل القضية لصالحه.

التحليل العلمي يستدعي هنا فهم حقيقة أكدتها تجارب الشعوب التي ناضلت من أجل حريتها وهي، أن النضال من أجل التحرر ليس له شكل واحد، او أسلوب واحد، مع أن هنالك دائما أسلوب نضالي رئيس وأساليب نضال ثانوية ( ثانوية بالمقارنة مع الأسلوب الرئيسي فقط). كما لا يعني التركيز على ساحة النضال الرئيسية، أن تُنسى أساليب النضال في الساحات الأخرى، ومنها خلق حالة تعاطف ودعم وتضامن دولي بكل أشكاله المحتملة مع نضال الشعب التحرري.

فيما يتعلق بقضية اللاجئين، وهي قضية جزئية جوهرية مهمة بالنسبة للقضية الفلسطينية، قد نستطيع تجنيد دعم غير عادي لتنمية أوضاع اللاجئين غير الإنسانية، إلا أن تجنيد دعم لحق عودتهم إلى أرضهم التي طردوا منها مسألة تدخل ضمن مساحة التناقض السياسي. وقد لا نجد لها دعما كافيا، خاصة في الدول المساندة للاحتلال الصهيوني. تجنيد الدعم لتحقيق الهدف الثانوي ضروري ومهم؛ إلا أن الأهم هو تعزيز القدرة الذاتية المُمَكِّنة وحدها من حسم حل تناقض بالمستوى السياسي. ومن تجربتنا، التضامن الدولي الشعبي ثانوي من حيث تأثيره على تطور القدرة الذاتية، ورغم ذلك، يظل مهما ويجب عدم إهماله. أهميته تنبع من أنه قد يعزز بعض مكونات القدرة الذاتية، وأنه يضعف بعض مكونات قدرة الأعداء ويعزلهم دوليا.

إذا كانت الصورة لدينا واضحة بهذا القدر، يمكن تبني موقف واضح من تجنيد التضامن الدولي كأسلوب نضالي؛ إذ يجب التركيز عليه بقدر أهميته في تعزيز القدرة الذاتية الحاسمة في حل التناقض، مع عدم إعطائه أهمية أكبر من حجمه؛ لأن ذلك يعزز فقط أوهاما بحل تناقض سياسي تناحري له أبعاد عميقة في المصالح الدولية، ويدفع إلى التركيز على أشكال نضالية لن تمكن يوما من تحقيق انتصار. بالمقابل، إهمال هذا الأسلوب النضالي القائم على شرح عدالة القضية، وتجنيد الدعم لنضال شعب وقضيته الكلية أو قضية جزئية ولكن جوهرية في القضية الكلية، يعبر عن فهم ضيق لأسس حل أي صراع. والذي يحكم على صحة أسلوب نضالي أو آخر، وعلى موقعه وأولوياته بالمقارنة مع الأساليب الأخرى، هي القوانين التي يمكن استنباطها من التجارب الثورية. فالقوى التي انتصرت عملت دائما على تعزيز قدرتها الذاتية، وتعزيز تحالفها وإضعاف أعدائها أو خصومها، وفض ما أمكن من تحالفهم مع أي جهة كانت، وتحييد من يمكن تحييدهم في هذا الصراع كحد أدنى إذا كان كسب تحالفهم غير ممكن. فإذا حاولنا فهم تجنيد التضامن الدولي من هذه الزاوية، فإن أي تضامن مع قضيتنا  يعزز قدرتنا، ويضيق من قدرة أعدائنا. ولكن التضامن مهما بلغ، وطالما لن يٌمكن من المس بالقدرة الحقيقية لتحالف الأعداء أو الخصوم لن يقلب موازين القوى، ويستطيع فقط تعزيزها كميا لصالحنا.

بعيدا عن الطرح النظري، ومن خلال الواقع الملموس يمكن الاستنتاج من تجربة عقود، أن الرأي العام لم يغير يوما موقف إسرائيل، ولا أساليبها. فهي طالما ظلت قادرة على ضمان الموقف الرسمي للدول الغربية المركزية، وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل فهم موازين القوى بعد الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، لن تتأثر بأي شجب أو استنكار لأعمالها العدائية ضدنا. والموقف من الجدار- السجن الذي يقام حول مدننا وقرانا، أفضل دليل على ذلك. فبناء هذا الجدار يتناقض مع القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، ويواجه معارضة عالمية غير عادية، ولكن أي تضامن لا يزعزع موقف الولايات المتحدة من هذا الجدار، لن يغير في واقع الأمر شيئا. والثابت أن موقف الولايات المتحدة لن يتغير قبل الموقف الإسرائيلي. فهي الحليف الاستراتيجي غير العادي لها، ولن تفرض عليها موقفا معاديا لمصالحها، لأنه في النهاية يعني فرض موقف ضد مصالحها هي.

إن فهم حلقات الصراع وتداخلها وتكاملها والتناقضات الرئيسية والثانوية فيها هو الكفيل بإعطاء أي أسلوب نضالي حجمه ووزنه الحقيقي في النضال. وتبني أساليب نضال مكلفة مالا وجهدا بدون جدوى؛ كمن يحاول استثمار جهوده في أرض قاحلة لن تنتج نفس المردود في المساحات الصالحة للزراعة التي يمتلكها فعلا، إذ يصبح النضال، في هذه الحالة، مضيعة للجهد والوقت، وبلا مردود بالمقارنة مع أسلوب آخر. الجدوى من استخدام أسلوب نضالي لا تختلف كثيرا عن مفهومها في الاقتصاد. فهي تربط بين الجهد المبذول ومردوده من حيث مستوى النتائج والربح كما ونوعا في علاقتها بالزمن. فأي أسلوب يحتاج إلى جهد، ولا يحقق مردودا في نفس زمن، وكم، ونوع الجهد يجب استبداله بأساليب أخرى لها جدوى أفضل، ويجب التركيز دائما على الأساليب الأكثر جدوى، دون إهمال الأساليب الأخرى.

عودة إلى مثال استثمار الجهد في أرض تعطي مردودا، وأرض لا تعطي نفس المردود أو حتى جزءا ضئيلا منه، يمكن القول إن إهمال العمل في الأرض ذات المردود المنخفض خطأ جسيم. المسألة المهمة هنا هي أن يتركز الجهد الأساسي والمركزي على الأرض التي تعطي مردودا أكبر بالمقارنة مع نفس الجهد، واستغلال جهد إضافي في الأرض الأخرى. القاعدة هنا هي أن يتم استنفاذ الحد الأقصى من المردود في كل أرض بأولويات حسب مردودها الممكن. وفي السياسة، يمكن القول أن الصراع يتم حله بتعزيز القدرة الذاتية  للوصول إلى التوازن الاستراتيجي مع الأعداء. والتحالفات والتضامن جزء من تعزيز هذه القدرة، إلا أن الحاسم فيها هو التمكن من استخدام أساليب نضال تضعف قدرة الأعداء مباشرة وفي حلقة الصراع الرئيسية.

النضال من أجل تحقيق تضامن عالمي كأي نضال آخر، يتوجب الاستثمار فيه واستخدامه بناء على قاعدة سليمة، بما يحقق هدف النضال الوطني من أجل انتصار قضية شاملة كبرى، أو من أجل الانتصار في بعض القضايا الجزئية المكونة لها. لذلك يجب التفريق بين أنواع التضامن الممكن حشدها لقضية محددة، ومستوى التضامن الممكن من المستهدفين. فالتضامن قد يكون موقفيا، أو إيجابيا. الأول سلبي من حيث الفعل، لكنه ليس بلا فائدة، فهو على الأقل يقلل عدد داعمي الأعداء، خاصة ، إذا كان في مركز داعم لهم. أما الدعم الإيجابي، فهو مشاركة في النضال من أجل قضية، وهو نضال يقوم على المشاركة في النضال بطرق مختلفة، أهمها: الاحتجاج، والتظاهر، وإعلان المواقف ونشرها، والتحريض ضد ممارسات الأعداء،  والدعم المعنوي والمادي بطريقة مباشرة وغير مباشرة لنصرة أصحاب القضية، وصولا إلى أرقى أشكال التضامن، وهو التحالف بحده الأدنى، حيث يتعامل المتضامنون مع قضية التضامن كأنها قضيتهم.

التضامن من حيث مستواه قد يكون مع جزئيات القضية أو يصل إلى حد التضامن السياسي الذي يعني التضامن مع هذه القضية بكل جزئياتها، أي بشمولية. وهنا يجب التفريق بين دعم الفقراء من اللاجئين، وبين دعم حقهم في العودة، وبين الدعم المادي والمعنوي لأصحاب الأراضي المصادرة من قبل الاحتلال، والوقوف ضد الاستيطان نفسه، وبين دعم النتائج التي أسفر عنها بناء "جدار سجن الشعب الفلسطيني" ودعم إزالته، وبين التضامن مع الشعب الفلسطيني إنسانيا، واقتصاديا، واجتماعيا، والتضامن معه سياسيا.

إن التضامن مع الفلسطيني من أجل حقه في التعليم والتدريب والصحة والسكن والحصول على مياه صحية، والوقوف ضد الأعداء لاستخدامهم أساليب قمع شديدة، وانتقاد قتل الأطفال أو اعتقالهم وقتل  المدنيين، وإغلاق المدارس، أو غيرها من النتائج المباشرة وغير المباشرة للاحتلال والاحلال، يعتبر تضامنا مع جزئيات القضية الفلسطينية، إذا لم يصل إلى درجة التضامن السياسي بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بالتحرر وتقرير المصير فوق أرضه، وتمكينه من ممارسة العودة إلى دياره الأصلية.

فهم التضامن من حيث معناه وتأثيره على دعم قضيتنا بتحديد نوعه، ومستواه، والقدرة على تفعيله في كل حالاته ليخدم الهدف السياسي، حتى لو أراد المتضامنون عكس ذلك، يجعل له جدوى؛ أما قبول التضامن، أو الموافقة عليه رغم قصوره عن دعم الموقف السياسي، فقد يؤدي إلى أكثر من عدم جدواه، خاصة إذا أدى إلى نتائج عكسية بمساعدته على تهميش البعد السياسي للقضية، أو نفيه، أو بتركه آثارا خطرة على آفاق حل القضية جذريا. ما نطرحه هنا، لا يعني رفض الدعم للقضايا الجزئية، بل يجب السعي إلى أن يشمل التضامن كل جزئيات القضية بتفاصيلها المختلفة، بشرط أن نقوم نحن بالاستفادة من دعم جزئيات القضية بخلق عملية بنائية بنيوية، تعزز قدرتنا وتُترجم على الأرض دعما يمكن من حل التناقض على مستواه السياسي، أي حله جذريا، لا حل نتائجه السلبية واللا إنسانية فقط، مع أنها مهمة.

 

_____________________
أحمد حسن أبو غوش هو باحث وكاتب فلسطيني، وهو رئيس جمعية أهالي عمواس.