النكبـــة الثانيــــة

النكبـــة الثانيــــة


التاريخ يعيد نفسه. تقف أمامي امرأة فلسطينية متوسطة العمر، تعلق في عنقها مفتاح بيتها المهدوم. هُجرت من بيتها في النكبة الأولى في العام 1948 ، لكي تعيش النكبة الثانية، نكبة العام 2009، نكبة أكثر دماراً وأكثر موتاً من الأولى.

  مخيم كمال عدوان، قطاع غزة (تصوير وكالة وفا)
بغية الوصول إلى مدينة الخيام في جباليا، سلكنا طريقا مليئة بالخراب، بيوت وجوامع وبنايات وأفران ومخازن مُهدمة. أردتُ مشاهدة مدينة الخيام في جباليا، لكي ألتقط بعض الصور والتحدث إلى الناس الذين يعيشون هناك. لقد كان هؤلاء، بدون شك، من أكثر المتضررين من العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة. كما تقلصت حياتهم، بعده، إلى خيمة بيضاء بمساحة 180 سم ×230 سم، يسكنها حوالي خمسين نفرا.

أينما نظرنا هناك، كان الدمار والخراب والأطفال. أطفال فقدوا أسقف بيوتهم من فوقهم، يقفون اليوم متأثرين بجراحهم الجسدية، ولكن أيضا بتواصل القصف الإسرائيلي على القرى الحدودية. تمشى أحد الأطفال في الطريق ذهابا وإيابا حاملا معه شظية مربوطة بحبل طويل. لقد كانت هذه هي لعبته الجديدة بعد أن فقد ألعابه القديمة تحت أنقاض ما كان بيته. ووقف الرجال من حول هذا المشهد يشربون الشاي ويتحدثون. ومن الجهة الأخرى للتلة، حيث الردم والخيم، كان هنالك رجل آخر يصلي على مُصلى. لقد أخذ الإسرائيليون منه كل ما يملك، ولكنهم لم يستطيعوا أخذ ربه منه. ولذلك يسجد الرجل في صلاته بخشوع.

يقف الفلسطينيون تحت الشمس الحارقة يوماً بعد يوم، يعيشون حياتهم بدون هدف واضح. كان العديد منهم مزارعين، وفقد غالبيتهم أفرادا من عائلاتهم. وجميعهم فقدوا بيوتهم ومزارعهم. هناك، تجلس سيدة عجوز على الرمال تطرد الذباب، فتوجهنا إليها. لقد عرفنا من سكان مدينة الخيام أنها عاشت النكبتين، النكبة الأولى في العام 1948، والنكبة الثانية في العام 2009.

ولدت هذه السيدة، واسمها صبحة يوسف محمد العبد، في العام 1945. عاشت النكبة الأولى والثانية، ففقدت في الثانية زوجها وبيتها ومزرعتها. في العام 1948، فقدت السيدة صبحة بيتها بالقرب من يافا حيثما تقع حاليا ضمن حدود "إسرائيل". وما أن حضرت القوات الصهيونية، هُجرت عائلة السيدة صبحة من قرية لأخرى خوفا من بطش المليشيات الصهيونية، إلى أن وصلت الى غزة، ومن ثم الى قرية جباليا بعد عدة أشهر. بعد النكبة الأولى، سكنت السيدة صبحة في الخيام لعدة سنوات، ولكن أوضاعها المعيشية تحسنت مع الوقت، فسكنت في غرف مبنية من الطوب والاسمنت المسلح، وصولا الى بيت كامل ومزرعة بنتهما حجرا على حجر بعرق جبينها وبعد طول عناء.

كانت السيدة صبحة في فترة النكبة الأولى في عز صباها وشبابها، ولهذا فهي تتذكر التهجير المتواصل من قرية إلى أخرى. تتذكر إطلاق النار عليها، وفقدانها لأفرادٍ من عائلتها. تتذكر حياة انعدام الاستقرار والطمأنينة، الخيام، المجاري المنسابة بينها. ولكن أكثر ما تختزنه ذاكرتها، بناء بيتها حجرا على حجر، وادخار المال الزهيد من العمل الشاق لإتمامه. في النكبة الثانية على قطاع غزة، فقدت السيدة صبحة بيتها في الأسبوع الأول من العدوان الإسرائيلي على غزة، وعادت اليوم لكي تعيش مع أبنائها في خيمة مرة أخرى.

لم تجرِّب السيدة صبحة حياة الاستقرار أبداً. لقد عايشت الحروب الإسرائيلية المستمرة، والقصف من قبل القوات الإسرائيلية والمستوطنين. ومع ذلك، فإنها لم تشهد أبداً سفك دماء غزير، وسياسة وحشية قمعية تستهدف إخوانها الفلسطينيين مثلما تجلى في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.

لقد بدأ سلاح الطيران الإسرائيلي بقصفه الجوي على جباليا في اليوم الثاني من بدء العدوان. تم تفجير البيوت، وحاول بعض الجيران الهرب، ولكن العديد منهم احتجزوا كرهائن لدى الجنود الإسرائيليين، والبعض الآخر قُتل أو أصيب بجروح خطيرة. أما من كانت إصابتهم متوسطة، فقد نزفوا حتى الموت بسبب استحالة وصول الإسعاف إليهم. لقد عجز سائقوا سيارات الإسعاف تخطي كيلومتر واحد يفصل بين مقر الهلال الأحمر الفلسطيني، والمناطق التي تتعرض للقصف.  

تحدثت السيدة صبحة عن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، فارتعشت واستشاطت غضبا. "أخبريني، أين هم المقاتلين؟" ألحت السيدة صبحة بسؤالي. "هل هؤلاء الأطفال هم مقاتلين؟" تساءلت السيدة صبحة، "هل هنالك أي إنسان يستحق أن يعيش الحياة التي نعيشها؟ هنالك خمسين شخصاً داخل خيمة واحدة لا يملكون أغطية للنوم ولا غذاء ولا ماء. أين سنقضي حاجتنا؟  لقد سلبوا منا احترامنا وكرامتنا. نحن أقل من الحيوانات في نظرهم. حتى الحيوانات لديها حقوق أكثر منا". بالنسبة الى السيدة صبحة، فإن العدوان الإسرائيلي لا يمكن توصيفه بأقل من "إبادة جماعية". "إن الصهاينة هربوا من المحرقة وأنتجوا واحدة أخرى. أرادوا أرض بلا شعب" قالت ببساطة. بالنسبة لها، لم تكن تلك الحرب مع حركة حماس، وإنما هي مذبحة، هدفها الوحيد القضاء على الفلسطينيين، ومسحهم من الوجود.

لقد أخبرتنا السيدة صبحة كيف اجتاح الجنود الإسرائيليون قريتها في وضح النهار، ففصلوا الرجال عن النساء. كانت وجوه الجنود مصبوغة بالأسود، وكانوا يضربون الرجال على أقدامهم. وعندما شاهدت السيدة صبحة الجنود يأخذون أولادها كرهائن، تركت زوجها العجوز ومزرعتها وذهبت لتختبئ في بيت قريب من تواجد الرهائن. أما النساء الأخريات، فأجبرن على السير على الأقدام إلى مركز المدينة تحت القصف الجوي والمدفعي المتواصل. كان كل من يحاول المقاومة أو يستدير إلى الخلف يُقتل في الحال رميا بالرصاص. كانت جثث الموتى والجرحى منتشرة على طول الشوارع والطرقات. وكانت روائح الفسفور والجثث الهامدة منتشرة في المنطقة.

وفي الوقت الذي اختبأت فيه السيدة صبحة في مكان سري لبضعة أيام، تم إجبار زوجها على هجر مزرعته، ومن ثم تدميرها. لقد جرفت الجرافات المزرعة، وجدرانها، وحتى الماعز، والأغنام، والصيصان والجمال لم تسلم وقضت. في هذه الأثناء، وقف زوج السيدة صبحة على الشارع المقابل، وشاهد بأم العين مزرعته وبيته يدمران. وبعد دقائق، قتل جراء إصابته بقذيفة إٍسرائيلية، ثم انهار أحد جدران مزرعته على جثته الهامدة لبضعة أيام.

وفيما كنا نستمع لحديث السيدة صبحة معنا، تجمع حولنا أهل القرية بكاملها. حتى الأطفال، الذين أحاطونا بدائرة، حاولوا منح إضافتهم إلى رواية السيدة صبحة. طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها، سحبتني من يدي وهي تقول لي: "كان بيتي هناك"، مشيرة بيدها إلى أنقاض بيت. كانت هذه الطفلة في مدرستها عندما بدأ القصف على غزة. لقد خافت أن تصيبها القذائف، كانت خائفة جدا الى درجة الارتباك، وهو ما أدى الى إغمائها. في هذا العدوان، فقدت أخاها، بالإضافة إلى العديد من أفراد عائلتها الممتدة.

لم تكن السيدة صبحة وحيدة في غضبها. يمكنني القول أنني لم التق شخصا واحدا في غزة لم يُصب بأذى أو لم يكن غاضباً من الوحشية الإسرائيلية. بعد توجيه مقابلة مع أحد الوفود، تحدث اليّ المخرج أشرف مشرقاوي من القناة البريطانية الرابعة، عن ابن عمه، أحمد، البالغ من العمر 16 عاما، والذي تمزّق من النصف، لما يعتقد أنه نتيجة قذيفة "دايم". وتنتج قذيفة الدايم (Dense Inert Metal Explosives) انفجارا هائلا وغير اعتياديا ضمن منطقة صغيرة، وتؤدى الى تأثيرات بيولوجية جسيمة. لا يؤدي إنفجار "الدايم" الى نزيف دموي، ولكنه يمزِّق ويقطِّع الجسم بسلاسة كعملية استئصال. ورغم أن إسرائيل لم تؤكد استعمالها "للدايم" بصورة رسمية، إلا ان خبراء أسلحة وأطباء زاروا غزة أكدوا استخدام هذه النوع من السلاح بصورة غير رسمية.

كان أحمد يلعب مع محمد، إبن الحادية عشرة، وهو شقيق المخرج أشرف على سطح البيت عندما أصابهما صاروخ. قتل الاثنان على الفور، وانقسم جسد أحمد الى نصفين. بعد عدة أيام، كان النصف السفلي لجثة أحمد قد انوجد على بعد كيلومترات من مكان السقف الذي لعبا عليه احمد ومحمد. كما استأصلت أرجل أحمد وأحد ذراعيه بشكل مشابه عن جسده، حيث وجدها اقاربه على السطح.

أنا أعترف أن رؤية صور الاستئصالات التي تؤديها قنابل الدايم، هي من أكثر المشاهد المريعة التي يمكن أن تتخيلها. لقد أطلعني أحد الأطباء في مستشفى العودة على مقطع فيديو مسجل على جهازه الخليوي، يعرض جسد طفلة انقسم الى نصفين. كان نصفها العلوي أسودا من الإنفجار، أما نصفها السفلي فقد انقسم من عند الخاصرة، وكشفت أمعاؤها وتدلت الى الخارج، ألم يشاهد العالم أجمع هذا المنظر المروع والفظيع!!.

لقد شاهدت الفيديو من خلال جهاز الطبيب الخليوي، ولكني لا أستطيع وصف منظر الفتاة. حتى الآن، وأنا أكتب هذه السطور عنها، ما زلت أشعر بالدوار والاشمئزاز. حتى الطبيب الذي شاهد نماذج مختلفة للموتى بدون شك، وحين توجه لكي يرى جثمان الطفلة لأول مرة، وقع على الأرض وبدأ بالنحيب. لم توافق أية قناة إخبارية، ومن ضمنها قناة الجزيرة على تصوير جثمان الطفلة. وبعد أن رأيت الفيديو، أستطيع أن أفهم ذلك.

ستجري الانتخابات في إسرائيل، والسؤال الذي يدور في ذهن الفلسطينيين، ليس من سيحل مكان إيهود أولمرت، ولكن متى سيبدأ العدوان الإسرائيلي القادم، كم سيُقتل من الفلسطينيين؟ ومتى ستحل الإبادة الجماعية القادمة التي ستحاول محو ذاكرة الفلسطينيين جميعا من الوجود؟

قبل مغادرتي لمدينة الخيام في جباليا، أخبرت السيدة صبحة: "إنشاء الله، سأرجع لزيارتك في أيام  أحسن وأسعد". فضحكت ومسكت يدي وقالت: "عندما تعودين، ستكونين محظوظة لرؤية جميع الفلسطينيين قد غادروا. الأفضل لنا ان نُقتل، لأن حياتنا صعبة ومؤلمة. كل ما  تمنيته في حياتي هو  السلام والاستقرار، إلا أنني فقدت الأمل الآن. لأنني عشتُ عدة حروب، ولكنني لم أر في حياتي حربا كهذه الحرب من قبل. الآن، عرفت لماذا تريد إسرائيل محونا عن الأرض، لقد فشلت بإبعادنا، ولكنها لن تفشل في المرة القادمة. هذا ما قصدته عندما قلت أنك عندما تعودين في المرة القادمة، فلن تجدي احداً. الحمد لله، هذا ما استطيع قوله، الحمد لله".  

----------------

 ريم صلاحي: محامية في الاتحاد الأمريكي للحقوق والحريات العامة/جنوب كاليفورنيا. ناشطة قانونية وحقوقية، شاركت في عضوية وفد نقابة المحامين الأمريكيين الذي زار قطاع غزة مؤخرا. وهذا المقال هو احد المقالات التي عملت ولا زالت نعمل على نشرها عن القطاع.