هذا وقت العمل و ليس الكلام

هذا وقت العمل و ليس الكلام


ما المطلوب تضامن أم مقاومة؟
                                               
حتى نتمكن من النظر في قضايا التصدي أو التضامن الدولي، لا بد من النظر اولا في معنى هذه المصطلحات. وفقا لقاموس اوكسفورد، تعرف كلمة التضامن على انها التوحد في النضال بمعني المشاركة/التشارك، الناجم عن المصالح او المشاعر او التعاطف المشترك.  وبالتالي، فان التضامن والمشاركة بهذا المعني تعدان نقطة انطلاق هامة للعمل من اجل القضية الفلسطينية، أو غيرها من قضايا النضال، وهما أي التضامن والمشاركة، تعتبران نقطة انطلاق ووسيلة وليست الهدف النهائي.
وعلى النقيض من ذلك يعرف المصدر ذاته الفعل "يقاوم"  على انه: "محاولة المنع  من خلال الفعل او الحجة".
بعد هذه التعاريف المقبولة لغويا،  يعرف "التضامن"  على انه  بناء  الوحدة بمعنى المشاركة، في حين تعرف المقاومة على أنها محاولة لإحداث تغيير ملموس. وهنا لابد من توضيح هذا الاختلاف لأهميته  البالغة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. صحيح انه ليس الآن  هو الوقت المناسب لسؤال الناس في أنحاء العالم ان فيما اذا هم يتعاطفون أو يدعمون الفلسطينيين، ولكن الأهم هو الاتفاق أن "الآن" هو الوقت المناسب، (وللحقيقة فقد كان الوقت مناسبا منذ وقت طويل) للعمل لتحقيق تأثير ملموس.ضمن سياق التضامن العالمي مع فلسطين، لا يعد التغيير الفعلي المحدث ذا أهمية بالغة فحسب؛ بل إن منهجية تحقيقه تحظى بذات الأهمية كذلك. فمثلا  إن صانعي القرارات السياسية الدولية والنشطاء  والبشر في جميع انحاء العالم لا يملكون الحق لتحديد هذا الاتجاه او ذاك للفلسطينيين.  وعليه، فان التغيير المنشود، والدرب الطويل المتبع أو منهجية التضامن، لا بد أن تأتي حسب الخطوط التي يحددها الفلسطينيون أنفسهم. وهنا يظهر المعنى الشامل للتضامن والذي يكون في دعم جميع حقوق الفلسطينيين التي تبدأ بحق العودة الكامل لجميع اللاجئين الفلسطينيين والمهجرين داخليا. فحقوق الفلسطينيين لا يجب أن تخضع  للمساومة، بل  هي غير قابلة  للتصرف لأنها تشكل العمود الفقري الثابت الذي يستمد منه التقدم في مسيرة التضامن.

 ممن يتوجب على النشطاء تلقي التوجيه في زمن الصراع السياسي الداخلي؟

من العدل القول ان احد الآثار طويلة الامد لاستمرار الاستيطان،  واستمرار احتلال فلسطين،  وعدم التقدم باتجاه تحقيق حقوق الفلسطينيين، هو الدرجة العالية من التشرذم السياسي الداخلي وغير الوضوح داخل فلسطين نفسها. فكيف يعرف النشطاء ممن يتلقون التوجيه؟

تبدو القيادة الساسية الفلسطينية على خلاف مع ذاتها في الوقت الراهن. فمن جهة تتفاوض السلطة الفلسطينية مع اسرائيل، في حين تتبع بعض الفصائل الاخرى سبيل المقاومة  وليس التفاوض. أما النشطاء، ولأنهم مدنيون  في الاساس وليسوا سياسيين،  فانه يتوجب عليهم الاستماع الى الارادة الشعبية الفلسطينية. إن الإصغاء إلى المجتمع المدني الفلسطيني الذي يعبر عن إرادة  الشعب بشكل اكثر وضوحا من  التصريحات المتضاربة  من السياسيين المتخاصمين، سيكون اسلم، وان إتباع هذا المسار يؤدي إلى دعم الحقوق الفلسطينية التي لا يمكن التنازل عنها.

ومن الأمثلة الواضحة والصريحة على هذا هو الدعوة التي تم أصدرتها في تموز 2005 قوى واطر المجتمع المدني الفلسطيني والتي تمثلت في الدعوة الى مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها والتي حظيت بتأييد عالمي- شعبي واسع رغم ان هذا التأييد يظهر في بعض البلدان بشكل اقوى مما هو عليه في بلدان أخرى مثل المملكة المتحدة.

الحرب على غزة

 شهد 27 كانون الاول\ ديسمبر تصعيد اسرائيل لهجماتها مرة أخرى على فلسطين والشعب الفلسطيني. لن ادعو هذه الحرب " بالحرب على غزة" كما تصفها العديد من وسائل الاعلام  لعدة اسباب:
1- يدل مصطلح "الحرب" على قتال بين جيشين على عكس واقع ال 22 يوم التي شهدت  تصعيد خامس اقوي جيش في العالم وأكثرها عتادا، وذلك  بقصفه السكان المدنيين. وهذا امر ضروري وذلك لتوصيف المقاومة المسلحة في فلسطين توصيفا صحيحا، حيث انها تعد نوعا من المقاومة المدنية التي لا تلتزم اخلاقيا فحسب تجاه الشعب الذي عانى اكثر من 60 عاما من  الاستعمار والعيش في ظل الاحتلال العسكري المستمر، بل تعد ايضا حقا مشروعا وفق اتفاقية جنيف الرابعة.

2-  لقد كانت هذه الهجمات موجهة ضد فلسطين كلها ذاتها وضد الشعب الفلسطيني بأسره. أما وصف هذه الاعتداءات بأنها كانت موجهة ضد قطاع غزة، فانه مجرد تعزيز  للفصل بين المتبقي من فلسطين الى كيانين منفصلين: الضفة الغربية وقطاع غزة. ان هذا الفصل الحاصل ماديا/جغرافيا يجب وضعه ضمن سياقه الصحيح؛ اي ان المنطقتين غير مرتبطتين بشكل فعلي نتيجة للاستعمار الاحلالي والاحتلال المخالف لإرادة للشعب الفلسطيني.

3- استخدام مصطلح الحرب على غزة يلمح الى ان  الحياة قبل 27 كانون  الاول وكأنها كانت حرة وطبيعية في جزء من فلسطين بعكس واقع وحقيق ال 60 عاما من انعدام الحرية ومن تواصل الاعتداءات الإسرائيلية  والاستعمار الاحلالي  والاحتلال المستمر  بما في ذلك السيطرة على الحدود البرية و الجوية و البحرية.

ان ما بدء به  في 27 كانون الاول في المنطقة الفلسطينية المعروفة باسم قطاع غزة يعد اشد  انواع القصف والمجازر  والمذابح المرتكبة ضد الفلسطينين  خلال 60 عاما، لكن لا يمكن التعامل ما جرى في غزة، وكأنها كيان مستقل، عن سابقاتها من السنين،.بل يمكن اعتبارها آخر  فصول الإستراتيجية الصهيونية  التي اتخذت في السنوات الماضية شكل " فرق تسد". إن الفصل المادي بين الضفة الغربية و قطاع غزة ونقاط التفتيش التي لا تعد ولا تحصى  والجدار، والمعازل هي نتيجة واضحة لهذه الإستراتيجية، التي فشلت  في قهر وإخضاع الفلسطينيين  والتي ستفشل لأن صمود الشعب الفلسطيني اكبر بكثير من جميع الذخائرعلى وجه الارض.


 ما هو رد فعل الناس في المملكة المتحدة على هذه الهجمات؟

لقد تم توثيق الحشود البريطانية المشاركة في المظاهرات التي بلغت ذروتها في لندن  بشكل جيد وحصلت على تغطية وسائل الاعلام في الشرق الاوسط. لكن هل من الصواب  تسمية مثل هذا التحرك والحشد بالمقاومة  استنادا الى التعاريف المذكورة آنفا؟ ام ان الوصف الأكثر دقة هو أن توصف هذه الأعمال بالتضامن؟

 في النهاية، هذه المظاهرات الضخمة الآنية (والتي كانت ذروتها  في العام 2003 عندما قام 2 مليون شخص بالتظاهر ضد  الاحتلال  الوشيك للعراق بقيادة الولايات المتحدة الامريكية  والمملكة المتحدة والتي انتهت بلا جدوى فعلية)، تقرها أو تصرح بها الدولة " المملكة المتحدة"،  والتي من الواضح أن زعمائها يدعمون الافعال التي يتظاهر هؤلاء الناس ضدها. وعليه فإن تلك المظاهرات ليست من اعمال " العصيان المدني" بل هي مظهر من مظاهر "الطاعة المدنية". فالمتظاهرون يتبعون طرقا متفقا عليها مع الدولة عوضا عن الخيارات المستقلة للشعب نفسه.  ورغم ان الإجراءات تصل في كثير من الاحيان الى حد حجز الآلاف من المتظاهرين  داخل حواجز على طول الطريق، ومنعهم جسديا من قبل آلاف رجال الشرطة  من تحدى هذه الأوامر، إلا أنها تبقى ضمن دائرة تصريح الدولة.

وبعيدا عن هذه التعبئة الضخمة (المظاهرات)، يجدر التساؤل عما يمكن أن يحدث أيضا بالفعل أو ما زال يحدث على مستوى القاعدة الشعبية في المملكة المتحدة  ومن شانه أن يبرهن على نهج اكثر استراتيجية؟

احتلال الطلاب للحرم الجامعية: صحوة طال انتظارها

في 13 يناير بدأت مجموعة من الطلاب في كلية الدراسات الشرقية والافريقية  باحتلال مباني الجامعة دام 24 ساعة احتجاجا على الاجراءات التي تتخذها اسرائيل. وقد انتشرت أعمال العصيان المدني هذه الى " كلية لندن للاقتصاد"،  واسيكس، وبيرمنغهام،  ونوتنغهام،  وغيرها من المؤسسات التعليمية. و حتى اللحظة، فقد شهدت اكثر من 20 جامعة بريطانية مثل هذه "الاحتلالات"  المتمثلة في تقديم لائحة مطالب الى مستشاري الجامعة  والتي تتضمن مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها ووقف تجارة السلاح العالمية معها،  وتوفير منح دراسية للطلاب الفلسطينيين،  والتعهد بإرسال كتب وأجهزة كمبيوتر غير مستعملة الى فلسطين، وإدانة المؤسسة  للاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة. تمت الموافقة من قبل الجامعات على تحقيق بعض هذه المطالب على الاقل في معظم الحالات. على سبيل المثال،  في أوائل شباط  فبراير احتفل الطلبة في جامعة غلاسغو بالنصر وانهوا 55 ساعة من احتلال الحرم الجامعة بعد موافقة رئيس الجامعة السيد "موير راسل" على تنظيم حملة تبرعات لصالح لجنة الاغاثة العاجلة من الكوارث،  والإعلان عن منح دراسية للطلاب الفلسطينيين،  وإيجاد السبل لدعم الجامعة الاسلامية في غزة التي تعرضت للقصف. كما نجح طلاب من جامعة ستراثكلايد في تأمين مطالب مماثلة  بالاضافة الى إلغاء عقد شركة "ينابيع عدن" الإسرائيلية لتوفير المياه  و المنتجات ذات العلاقة بالجامعة. وتعد شركة " ينابيع عدن" شركة اسرائيلية تنتهك القانون الدولي عن طريق الاستخدام غير المشروع لموارد المياه في مرتفعات الجولان  المحتلة. هذا النجاح يؤيد الدعوة الى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها التي أطلقها المجتمع المدني الفلسطيني. و يعد هذا الامر نجاحا استراتيجيا؛  إذ يحدث بالفعل تغييرا قسريا، وبالتالي ينبغي اعتباره فعل مقاومة  وليس مجرد تضامن. ان هذ ه الاحداث الجارية في المملكة المتحدة  تعد أول الأعمال النشاطية الطلابية الجدية واسعة النطاق التي تشهدها المملكة المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي.

في حين كان الطلاب يتصرفون بكرامة خالصة، كانت تصرفات بعض المؤسسات مثل هيئة الاذاعة البريطانية مهينة للغاية، إذ رفضت الإذاعة بث نداء لجمع التبرعات  لصالح ضحايا الهجمات الاسرائيلية الاخيرة. ووفقا ل آرك طومسون (المدير العام لهيئة الاذاعة البريطانية) فان بث مثل هذا النداء قد يشكل خطرا على  مصداقية الهيئة  لدى  الجمهور وحيادها.  و قد قوبل هذا القرار بالادانة واسعة الانتشار في جميع انحاء المملكة المتحدة. وأثيرت بالفعل  تساؤلات أعمق لدى الجمهور تجاه حياد هيئة الاذاعة البريطانية في قضية اسرائيل وفلسطين. ما ستحق القول هنا أن اشتمال لائحة المطالب التي قدمها الطلاب على تلبية النداء لجمع التبرعات لصالح ضحايا الهجمات الاسرائيلية الاخيرة على غزة، ومواصلة فعلهم، لم تبرز حقيقة هيئة الإذاعة البريطانية فحسب  بل بينت ما يمكن إحداثه عن طريق العصيان المدني والعمل المباشر لإحداث التغيير.

فرغم ان فعاليات الطلاب ضمت أعدادا صغيرة فقط من المشاركين مقارنة بنحو 100,000 شخص قاموا بالتظاهر في لندن تضامنا مع قطاع غزة، إلا أنهم عملوا من اجل احداث نتائج ملموسة  وبالفعل يمكن وصفها مشاركة فعلية في المقاومة وليست مجرد تضامن.


 الطريق إلى الإمام

يتوجب على الناس الراغبين بأحداث تغيير ايجابي في فلسطين اتخاذ العبرة من افعال هؤلاء الطلاب، وإدراك  أن التضامن وحده لا يكفي. إن هذه الاقتحامات الطلابية  لم تحقق مطالبها في جميع الحالات و في بعض الأحيان كان بإمكانها الذهاب إلى ابعد من ذلك لتحقيق هذه المطالب. على الرغم من ان  هذه الافعال  وحدها لن تحقق العدالة في فلسطين، إلا أنها برهنت انه في حالة وجود استعداد لدى الناس للعمل وفق " الصحيح"  عوضا عن القيام " بالمسموح" (من قبل الدولة). وعليه، يمكن إحداث التغيير بقيادة القاعدة الشعبية  وليس من قبل السياسيين الفاسدين اللااخلاقيين المتبعين اهوائهم الشخصية.  دعونا نحن شعوب العالم نأتي بقواعدنا الخاصة  " بدلا من القواعد التي تفرضها علينا الحكومة"؛ قواعدنا التي تدعم الحقوق الفلسطينية التي لا يمكن التنازل عنها  وتتبع توجيهات المجتمع المدني الفلسطيني، ودعونا نقف إلى جانبهم" بأي وسيلة ضرورية......."،[1]  كما قال احد النشطاء في  معمعة نضال آخر.

--------------

 ريتش كين: كاتب ومصور وناشط  بريطاني

[1] عبارة " بأي وسيلة ضرورية" مقتبسة عن كلمة  السيد مالكوم اكس،  وزير مسلم أمريكي من أصل أفريقي وناشط في مجال حقوق الإنسان، وكان أحد قادة "أمة الإسلام" لما يقارب 12 عام.  هذا الاقتباس من كلمة القاها عام 1964 قبل اقل من سنة واحدة من اغتياله. "إننا نعلن اليوم حقنا في هذه الأرض، كرجال وبشر يجب أن نحترم حقوقنا الإنسانية وأن نتمتع بها في هذا المجتمع وعلى هذه الأرض، وإننا عازمون على تحقيقها بأي وسيلة ضرورية."