حركة التضامن الفلسطينية في أمريكا اللاتينية

حركة التضامن الفلسطينية في أمريكا اللاتينية


في الوقت الذي يسود فيه الشعور بوجود حركة التضامن الفلسطينية في أنحاء أمريكا اللاتينية؛ هذه القارة المتعاطفة مع كفاح الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الامبريالية والاستعمار ومن أجل تقرير المصير، يجدر الملاحظة أن درجة التعبئة وفعالية هذه الحركة تختلف من دولة إلى أخرى من دول أمريكا اللاتينية. فقد شهدت كل من الأرجنتين والبرازيل وشيلي وجود حركة تضامن فلسطينية هامة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ثم تراجعت هذه الحركة في التسعينيات، واستعادت قوتها الآن، وأصبحت في غاية النشاط، وبخاصة خلال فترات العدوان الإسرائيلي واسع النطاق على لبنان وغزة منذ عام 2006 وحتى الآن. من جهة ثانية، يلاحظ أن الاتحادات الفلسطينية في البيرو وكولومبيا لم تعد قائمة، أما تلك القائمة في كل من هندوراس، غواتيمالا، وبنما؛ فهي موجودة من الناحية الرسمية، ولكن لا يعرف عن نشاط لها منذ التسعينيات وحتى اليوم.[1]
أما بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى التي لا يوجد فيها جالية فلسطينية، أو لم يوجد فيها حركات تضامن فلسطينية في السابق؛ فقد جاءت النشاطات التضامنية من قبل الحكومات نفسها. وهذه هي الحال بالنسبة لبوليفيا وفنزويلا، التي قامت في كانون ثاني 2009 بطرد سفراء إسرائيل وقطع العلاقات الدبلوماسية معها. ومن جهتها ظلت كوبا رائدة من بين دول القارة الأمريكية الجنوبية، حيث أنها كانت الدولة الأولى التي لم تقم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وذلك لأسباب سياسية منذ انتصار الثورة الكوبية عام 1958. ويوجد في باراغواي والإكوادور حكومات تقدمية منتخبة حديثا، أظهرت في مناسبات مختلفة استعدادها لدعم الحقوق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني.

في كانون ثاني 2009، نظمت المسيرات والمظاهرات في جميع أنحاء شبه القارة اللاتينية، مع مشاركة جماهيرية واسعة لإدانة الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة. ومن الجدير ذكره، أنه، وللمرة الأولى خلال العقود الماضية، برز تحسن هام في التغطية الإعلامية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ وبالتالي تزايد الفرص المواتية لتعبئة وحشد الرأي العام بما يسمح بالتقدم خطوة أخرى للأمام. ولأول مرة، يجمع الرأي العام على فكرة حملة مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)؛ حيث يتم تبنيها فعليا من قبل عدد متنامي من الحركات الاجتماعية والمنظمات في المنطقة.


يجري في عدد من بلدان أمريكيا اللاتينية التحضير لليوم العالمي للعمل،  من أجل مقاطعة إسرائيل، هذا اليوم المقرر في 30 آذار؛ قفي هذا اليوم ستعلن الفدرالية الفلسطينية في شيلي عن الانطلاقة الرسمية لحملة المقاطعة، سحب الاستثمارات والعقوبات ضد إسرائيل في البلاد، علما أن الجالية الفلسطينية في شيلي تقدر بحوالي 350,000 نسمة. أما في ساو باولو في البرازيل؛ فيجري التحضير ليوم العمل العالمي في الثلاثين من آذار من قبل جبهة التضامن مع فلسطين، التي تشكلت من حوالي 200 منظمة، ومن ضمنها الحركات الاجتماعية الرئيسية في البرازيل. وتماما، ومثلما شهدت ساو باولو في 18 تموز 2005 الاستجابة الأولى لنداء المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة دولة إسرائيل حتى تمتثل للقانون الدولي، أي بعد أسبوع واحد من صدور النداء الفلسطيني للمقاطعة، وخلال انعقاد المؤتمر الخمسين للاتحاد الوطني لمعلمي الجامعات في البرازيل (CONAD، ANDES)؛ فقد قامت جبهة التضامن مع فلسطين بتشكيل لجان وهيئات تجتمع بشكل دوري من أجل تنفيذ النشاطات وإدارة الحملات: لجنة الإعلام والاتصالات، لجنة الحملة ضد اتفاقية "سوق الجنوب الحرة" مع إسرائيل، اللجنة القانونية ولجنة التعبئة. ويتركز نشاط الجبهة الرئيسي هذه الأيام في الحملة ضد اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل.

وقد تأسس تكتل "السوق التجارية الحرة للجنوب" في عام 1991؛ ويضم كل من الأرجنتين، البرازيل، باراغواي وأورغواي. والإجراءات العملية جارية لكي تصبح فنزويلا عضوا كامل العضوية في هذا التكتل. أما الأعضاء المراقبون فهم شيلي، بوليفيا. وفي الأمس القريب، أصبحت كل من كولومبيا والإكوادور أعضاء مراقبين أيضا. ويمثل هذا التكتل التجاري (بدون الأعضاء المراقبين) 1.2 تريليون دولار و240 مليون نسمة، واتفاقية التجارة الحرة هي الاتفاقية التجارية الأولى التي تم توقيعها من قبل هذا التكتل مع إسرائيل.

وبدون تطبيق الاتفاق التجاري الجديد بين دول التكتل وإسرائيل؛ كان إجمالي التجارة الخارجية بين هذا التكتل وإسرائيل 1.1 بليون دولار، ودولة البرازيل هي الأكبر من حيث المساحة وعدد السكان ولديها الاقتصاد الرئيسي بين دول التكتل؛ حيث بلغت صادراتها إلى إسرائيل عام 2006 حوالي 261 مليون دولار، وبلغت وارداتها من إسرائيل 458 مليون دولار. والبرازيل هي الآن الشريك التجاري الثاني لإسرائيل في القارة الأمريكية، حيث ارتفعت أرقام التجارة الثنائية من 449 مليون دولار عام 2002 إلى 746 مليون دولار عام 2006.[2]  وخلال الشهور الثلاثة الأولى من عام 2007؛ كان ما نسبته 53% من الواردات الإسرائيلية من البرازيل هي منتجات زراعية وغذاء، و13% منها خامات معدنية. وخلال نفس الفترة؛ كان ما نسبته 64% من واردات البرازيل من المنتجات الإسرائيلية عبارة عن كيماويات، و23% منها آلات وتكنولوجيا متقدمة.[3]

يوجد في البرازيل حوالي 200 شركة إسرائيلية تنتج معدات تكنولوجية متقدمة، و42 شركة إسرائيلية تنتج أنظمة ومعدات أمنية، و17 شركة تنتج معدات وأجهزة طبية.[4] ومنذ العام 2000، أصبحت التكنولوجيا المتقدمة هي المنتج الإسرائيلي الرئيسي المعد للتصدير.[5]  بينما تستورد البرازيل منتجات التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة؛ أجهزة الاتصالات والمعدات والأجهزة الأمنية؛ تقوم من جهتها بتصدير المنتجات الزراعية والخامات المعدنية لإسرائيل.

ولا حاجة للقول أن إسرائيل ستحقق المزيد من الفائدة من الاتفاقية التجارية مع تكتل سوق الجنوب الحرة، وستستفيد أكثر من البرازيل أو أي من الدول الأعضاء في هذا التكتل. ولكن ما هو مهم ويجب التأكيد عليه هو أننا نستورد من إسرائيل نفس التكنولوجيا المتقدمة والأجهزة والمعدات الأمنية التي تقوم إسرائيل بتطويرها لتغذية صناعة الحرب ضد الشعب الفلسطيني. وقبل منح الحرية لتجارة رأس المال وبورصة السلع التجارية – كما تذكر اتفاقية تأسيس السوق الجنوبية الحرة نفسها- لا بد من وجود وتوفر الحرية وحقوق الإنسان للشعوب.

ومع ذلك، توجد فرص ملموسة لتعطيل تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة بين هذا التكتل اللاتيني وإسرائيل، فعلى الرغم من توقيع الاتفاق من قبل ممثلي حكومات دول التكتل الأربعة في 18 كانون أول 2007؛ فإن الاتفاقية تصبح قيد التطبيق فقط بعد المصادقة عليها من البرلمانات الوطنية في الدول الأعضاء في التكتل. وبرلمان أورغواي هو الوحيد الذي صادق على الاتفاقية حتى الآن، وشكلت كل من البرازيل والأرجنتين لجان برلمانية لدراسة الاتفاقية. ومن الواضح أن الحلقة الأضعف في التكتل هي باراغواي؛ حيث تم مؤخرا انتخاب رئيس جديد لهذه الدولة، هو بايشوب فرناندو لوغو، وليس فقط لكون الحكومة الجديدة هي حكومة تقدمية، ولكن كما قيل، هي ليست نفس الحكومة التي وقعت الاتفاق خلال المناقشة الأولى، ولذلك يوجد فرص كبيرة للتعبئة والضغط من قبل الحركات الاجتماعية على الحكومة الجديدة  في باراغواي من أجل أن تعارض الاتفاقية، وإذا تم ذلك، فهو يعني حقيقة إبطال كامل اتفاقية التجارة الحرة بين تكتل "السوق الجنوبية" وإسرائيل.
__________________
د. آرلين ي. كليميشا هي مؤرخ، وأستاذ الثقافة العربية، في برنامج اللغة العربية والآداب والثقافة، قسم اللغات الشرقية في جامعة ساو باولو، البرازيل.

[1] اتقدم بالشكر للسيد دانيال جادو من قيادة الفدرالية الفلسطينية في شيلي على المعلومات المتعلقة بالاتحادات الفلسطينية في أمريكيا اللاتبنية؛ تيلدا رابي، رئيس الجالية الفلسطينية في الأرجنتين. وبيردو بريغر (الصحفي في محطة التلفزيون الوطني الأرجنتيني)ن دوريه مسلم (الأستاذ في UNAM) وفريد كحات (الأستاذ في الجامعة الكاثوليكية في ليما)، ولورد سيرفانت (OSPAAL، كوبا)، والزابيث سابل (منسقة الأمم المتحدة السابقة مع المنظمات غير الحكومية). وجميعهم حافظوا على دوام الاتصال لتبادل المعلومات وتنظيم نشاطات في أمريكا الجنوبية والكاريبي.

[2] في الحقيقة  تنامت العلاقات التجارية بشكل مضطرد خلال السنوات الخمس الماضية بين إسرائيل والبرازبل، وتستورد البرازيل اليوم حوالي 2% من إجمالي الصادرات الخارجية، وتعزز هذا النمو من خلال الاتفاقيات الثنائية بين البرازيل وإسرائيل، ومنها اتفاقية التعاون في المجال الزراعي، والاتفاقية الثنائية للتعاون لتطوير الأبحاث والصناعة في القطاع الخاص (التي وقعت في شباط 2007  وتستهدف أيضا زيادة عدد الطلبة البرازيليين الذين يدرسون في مراكز البحث الإسرائيلية).

[3] http://brasilia.mfa.gov.il/mfm/web/main/document.asp?SubjectID=18367

[4] من بين الشركات الإسرائيلية العاملة في البرازيل: GVT وبي كونتاكت (اتصالات)، البيت (طيران)، وتيفا (صيدلة)، نيتافام Netafim، نان دان Naan Dan، بلاسترو Plastro، بيرامد آمياد Beramd e Amiad (تكنولوجيا زراعية وري)، اسكار Iscar (أدوات)، شتراوس عيليت Straus Elite (قهوة). ناهيك عن خدمات الهاغناة الأمنية الخاصة.

[5] أنظر/ي: http://www.lexuniversal.com/pt/news/2008