دور فلسطينيي الشتات: النشاط الفلسطيني في الولايات المتحدة الأمريكية

دور فلسطينيي الشتات: النشاط الفلسطيني في الولايات المتحدة الأمريكية


يساهم الفلسطينيون في الشتات بصورة مباشرة في العمل من أجل وطنهم فلسطين؛ ومن خلال نجاحهم في مجتمعات الدول المضيفة. وفي الحقيقة، اعتمد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ومعظم فصائلها على النشطاء الفلسطينيين في دول الشتات، وقد كتبت العديد من الكتب عن الأنشطة السياسية والمقاومة المسلحة، ونجاحات المقاومة بشقيها المدني والعسكري، التي اشتملت على انتزاع الاعتراف الدولي بحقوقنا الوطنية وحشد الدعم من أجل إحراز هذه الحقوق، وللحفاظ على التراث والثقافة الفلسطينية، وتقديم الخدمات الاجتماعية وغيرها، بل أكثر من ذلك بكثير. وبينما كان من الطبيعي أن تقع غالبية أعمال المقاومة في فلسطين؛ فإن ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في المنافي قد لعبوا دورا هاما جدا، وفي هذه المقالة الموجزة سوف نركز على نشاط الفلسطينيين في الشتات مع التركيز على نشاطهم في أمريكيا الشمالية.

الموجة الأولى من المهاجرين (والعديد منهم لاجئون) الذين وصلوا إلى أمريكا الشمالية بعد عام 1948 شرعوا على الفور بالكلام ورفع صوتهم، وبذلوا قصارى جهدهم لدعم أهلهم الذين ظلوا وراءهم في الوطن. وقد كانوا قليلي العدد وكانت هيمنة الصهاينة شبه كاملة في بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا. ومع هجرة عدد اكبر من الفلسطينيين وتكشف الأحداث المروعة لحرب عام 1967؛ حصل الفلسطينيون على قوة دفع لنشاطهم في الدول الغربية، ففي نهاية عام 1967؛ ساعد الفلسطينيون على تأسيس أول منظمة عربية عامة غير جهوية أو قطاعية في الولايات المتحدة، وهي جمعية الخريجين الجامعيين العرب-الأمريكيين (AAUG). ومن ثم تبعها تأسيس منظمات أخرى؛ ومن ضمنها الجمعية الوطنية للعرب الأمريكيين NAAA، التي تأسست عام 1972، اللجنة العربية الأمريكية ضد التمييز ADC وتأسست عام 1980؛ المعهد العربي الأمريكي AAI الذي تأسس عام 1985، ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية عام 1994. ركزت بعض المجموعات برامجها على العمل الاجتماعي والحرص على توفير الدعم لقرى وبلدات أسلافهم؛ مثل جمعيات المغتربين من رام الـله، بيت لحم، البيرة، الطيبة، ودير دبوان...الخ. هذه المنظمات وغيرها ركزت على العمل الاجتماعي والحفاظ على التراث الثقافي، العمل الإعلامي، الضغط وحشد التأييد، التعليم، وحديثا على حملة مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS).

بدأت حملة المقاطعة في  فلسطين مع بداية المشروع الصهيوني، واستمرت طوال التاريخ الفلسطيني الحديث، وامتد النشاط المكثف للحملة إلى الصعيد العالمي في السنوات العشر الماضية مع قيام إسرائيل بتعزيز نظامها للفصل العنصري، وقد انتشرت الحملة بين العديد من الكنائس العالمية، النقابات، الجامعات وغيرها من منظمات المجتمع المدني.

وقام النشطاء الفلسطينيون في الشتات بتنظيم آلاف المظاهرات والأمسيات والصلوات؛ في رد فعل على الأحداث التي تجري على الأرض (مثل الهجمة الأخيرة على غزة أو من أجل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية مثل حق العودة). ويقوم الآلاف من الفلسطينيين بالكتابة بصورة منتظمة معبرين عن آرائهم ومواقفهم، ويجرون مقابلات مع وسائل الإعلام، يؤلفون القصص، والمواد الوثائقية ويستخدمون فضاء الانترنت والوسائل التي تؤدي إلى التوسع والانتشار من أجل الوصول لأوسع القطاعات الاجتماعية. وبعض المجموعات التي يقودها الفلسطينيون والعاملة في مجال الإعلام تصدر النشرات، ومن ضمنها الانتفاضة الالكترونية ومعهد معرفة الشرق الأوسط. فيما بعض الناشطين الآخرين وجدوا في الفنون وسيلة للتعبير، ومن بينهم: رسام الكاريكاتير ناجي العلي وكارلوس لاتوف، الشاعرة سهير حماد، و والمصورون ومنتجي والأفلام المواد المرئية، مثل اميلي جاسر ومي مصري، وغيرهم.

كما تفوق بعض الفلسطينيين في مجال الأعمال، وحقق بعضهم قدرا كبيرا من الثروة، وكثير منهم من أهل الخير الذين ساهموا في تمويل مشاريع مثل المستشفيات والجامعات في فلسطين. وهناك المهنيون الآخرون الذي أحسنوا وبرزوا في حقولهم المختلفة، وكانوا دوما جاهزين لتقديم العون للأهل في الوطن. ويوجد في فلسطين قرى وبلدات تكون نصف المعونات التي تصلها واردة من الفلسطينيين في الشتات. والأكاديميون الفلسطينيون في الشتات هم الأكثر شهرة في مجالهم؛ مثل ادوارد سعيد، هشام شارابي، نصير عاروري، رشيد الخالدي، نور مصالحة، سلمى الخضراء الجيوسي، وسعد شديد؛ من بين الآلاف غيرهم.

وقد انخرط فلسطينبو الشتات في مجتمعاتهم وشاركوا فيها مشاركة كاملة، بدءا من الترشح لمجالس التعليم وحتى المنافسة على المناصب العليا في الإدارة، وهم أيضا من كبار منظمي المجتمع في العديد من المجالات؛ التي تمتد من قضايا البيئة وحقوق العمال وصولا إلى حقوق الإنسان والشؤون الخارجية. وقد أصبحنا الأفضل في الاستفادة من ثورة الانترنت؛ حيث يشارك الآلاف في غرف الدردشة، والذين أنشأوا صفحاتهم على مواقع الانترنت مثل "فيس بوك" facebook و"ماي سبيس" myspace ويشاركون في قوائم تشبيك تربط الآن بين ملايين الفلسطينيين مع عشرات الملايين من غير الفلسطينيين. وبادر مبرمج فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة إلى إنشاء الموقع الأوسع والأشمل على الانترنت والبوابة الالكترونية المباشرة للمعلومات والاتصال من أجل الشعب الفلسطيني: http://www.PalestineRemembered.com.

تعرض العديد من النشطاء الفلسطينيين في الشتات للملاحقة والاضطهاد بسبب نشاطهم، وقدموا بذلك حالات لفحص مدى الديمقراطية في الدول التي يقيمون فيها (مثال على ذلك: قضية مازن النجار وسامي العريان). والمئات غيرهم عانوا بدرجة أو أخرى من (تلقي الإهانات، التشهير، فقدان عملهم، حرمان من المنح...الخ). وهناك عوامل أخرى قيدت نشاط الفلسطينيين في الشتات؛ ومن ضمنها في بعض الأحيان التفتت العشائري، القرية، الانتماء القطاعي، الديني والتوجهات السياسية، ولكن الجيل الجديد هو أقل انشغالا بهذه الجوانب. كما واجهت الفلسطينيين في الشتات تحديات أخرى؛ ومن ضمنها تجنب الانهزامية، والإفراط  في انتقاد الآخرين، والحاجة إلى المزيد من التواضع والعمل الجماعي، وهذا يستغرق الكثير من العمل فقط. وكما كتب الأستاذ ادوارد سعيد في أيامه الأخيرة:

"ألم يحن الوقت لكي ندرك مكانتنا ونؤكد على أن ممثلينا هنا، وفي أي مكان آخر، ينبغي أن يدركوا من الخطوة الأولى أنهم يناضلون من أجل قضية نبيلة وعادلة، وأنه لا يوجد أي شيء ليعتذروا عنه، أو أي شيء لكي يشعرهم بالحرج؛ بل على العكس من ذلك، ينبغي عليهم أن يشعروا بالفخر لما يقومون به حيال أبناء شعبهم وعليهم أن يكونوا فخورين بتمثيلهم لهم أيضا." (ادوارد سعيد: http://www.counterpunch.org/said09252003.html

بالتأكيد يجب أن نكون فخورين؛ فالأمثلة المذكورة أعلاه ليست سوى قمة جبل الجليد، فهناك الكثير من النشاطات تمت بدون توثيق ولم يعرف بها، والعديد من غير الفلسطينيين المؤيدين لفلسطين يشهدون للفلسطينيين الذين قابلوهم أو اجتمعوا بهم لأنهم "فتحوا عيوننا"، كما يقولون.

قال بن غوريون ذات يوم: "الكبار سوف يموتون والشباب سوف ينسون". ولكن ما نشهده اليوم هو تعزيز التواصل بين الشباب الفلسطيني والتاريخ، ففي الستينيات والسبعينيات كان اتحاد طلبة فلسطين هو المحرك الرئيسي لحركة الشباب، والكثير من الفصول لا زالت فاعلة وتبدع طرقا جديدة للنشاط، ومن بينها المئات من مجموعات التضامن في الجامعات في مختلف أنحاء العالم. (أنظر/ي أيضا شبكة الشباب الفلسطيني: http://www.pal-youth.org/)

وقد فهم الدكتور سلمان أبو ستة هذا الشعور بالتفاؤل بقوله أنه يمكن مدح النكبة: "... لأنها، ومن تحت الرماد، رفعت الفلسطينيين مثل طائر الفينيق الأسطوري، فعلوا ذلك من دون وطن، وبدون قوة عسكرية وبدون أصدقاء أقوياء، وأدركوا بأن عليهم الاعتماد على الهبة، قوة الروح الإنسانية. فبعد النكبة مباشرة، رأيت أولادا يمشون صاعدين وهابطين على طريق الأسفلت الوحيد بالقرب من مخيمهم وهم يدرسون في كتبهم، وبدون أن يوجد غرف ليعودوا إليها، بدون إنارة وبدون مكان للدراسة، وكانوا يجلسون في الليل تحت المصباح في نفس الطريق، الذي استخدموه كلوح مدرسي، مستخدمين حجارة طرية كطباشير، وكانوا يحلون مسائل الجبر لدروس اليوم التالي."

لا يمكننا الاستهانة بالتحديات الماثلة أمامنا، لكننا واجهنا تحديات صعبة في الماضي ونعرف ما يلزم لنكون مبدعين وقابلين للتقدم، فلننظر على سبيل المثال في مراحل الكفاح الفلسطيني منذ 1897، 1919، 1936، 1947-1949، 1956، 1967، 1970- 1980، 1987- 1991، 2001 – وحتى اليوم؛ فكل هذه الفترات من الكفاح الفلسطيني غيرت في المشهد السياسي، وخلقت تحديات جديدة؛ ولكنها أيضا شهدت على ظهور الحضور المتجدد للفلسطينيين في فلسطين وفي الشتات، حيث اعتبرها الفلسطينيون بمثابة إشارة للبدء من جديد أو لتكثيف نشاطهم وتوسيعه، وفي العديد من الحالات لإبداع أشكال جديدة من النشاطات. ويمكن رؤية جذوة الصمود التي لا تنطفئ، الطاقة والتصميم في عيون الفلسطينيين من جميع الأعمار. أراها في أهل بيت ساحور الذين هم في عقدهم الخامس من العمر وهم يتلون صلواتهم من أجل غزة، وفي عيون الطلاب الذين أدرسهم في جامعتي بيت لحم وبيرزيت، وفي عيون الطلاب الفلسطينيين في المدارس الثانوية والجامعات في الولايات المتحدة الذين تحدثنا إليهم خلال جولتنا "حافلات العدل" (justicewheels.org)، وأراها في شباب مخيمات اللاجئين الذين يشاركون في الأنشطة المختلفة من الدبكة الشعبية وحتى التمثيل المسرحي، ولدى الفلسطينيين الشباب وغير الشباب الذين يقودون ويوسعون حركة مقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها على امتداد العالم، وفي الملايين غيرهم الذين يقومون بالكثير من الأمور والأعمال التي تحدث فرقا.

ومع دعم الناس ذوي الضمائر الحية في أنحاء العالم، مثل حركة التضامن العالمية، وحركة الحرية لغزة. نحن الفلسطينيين، سنستمر في كتابة تاريخنا، وعندما ستتم كتابة فصل العودة الفعلية وممارسة حقنا في تقرير المصير، سنقوم بكتابة جملة واحدة أخرى: نحن فخورون، ونحن نشعر بالامتنان.

------------------

 د. مازن قمصية عمل في كلية جامعة يل وديوك Yale and Duke قبل عودته لفلسطين، وهو يعمل مدرسا في جامعتي بير زيت وبيت لحم.

المراجع:

سلمان أبو ستة، في مديح النكبة، أسبوعية الأهرام 22 – 28 أيلول، 2005، العدد 61-.

 http://weekly.ahram.org.eg/2005/761/focus.htm

-ناديا حجاب، دور مؤسسات الشتات الفلسطيني في تعبئة المجتمع، وثائق الأمم المتحدة، 2004.

-          هيلينا لندهولم Helena Lindholm وجوليان هامرJuliane Hammer، الشتات الفلسطيني: تشكيل الهويات وسياسات الوطن، Routledge، 2003.

-          هيلانة شبلاق (2005)، الشتات الفلسطيني: تشكيل الهويات وسياسات الوطن، مجلة دراسات اللاجئين، 18: 507 – 509.
  كارلوس لطوف: [يرازيلي ومن غير الواضح أذا كان فلسطيني الأصل، ولكنه رسام مبدع وداعم مبدئي لحقوق الشعوب في مقاومة الاستعمار والاحتلال – المترجم]