الخطــاب الفلسطينـي تجاه حركات التضامــن: أيــن الخلــل؟

الخطــاب الفلسطينـي تجاه حركات التضامــن: أيــن الخلــل؟


عشرات الملايين من البشر، من جنسيات وعرقيات وثقافات وأديان مختلفة خرجت إلى الشوارع للوقوف إلى جانب غزة. وبمنأى عمّا يحمله هذا المشهد من رومانسية، فإنه يعيد تأكيد المؤكد الذي بدا وكأنه لم يعد كذلك، هذه "الانتفاضة العالمية" أكدت من جديد حتى إلى الداخل الفلسطيني أن: "فلسطين بالنسبة إلى العالم، ليست مجرد كوفية، إنها رمز النضال من أجل العدالة والحرية.. إنها قضية عالمية". ولكي نكون "متواضعين" في هذا التحليل، سنقول أن فلسطين، إن لم تكن الوحيدة، فهي من بين قلة قليلة من القضايا التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد القادرة على إخراج كم كهذا من البشر الى الشوارع في آن. في هذه الشوارع، ارتسم أحد مواطن قوة المشروع الفلسطيني، عالمية فلسطين.

ولكي لا نخلط أوراقنا، ونضع توقعاتنا في غير مطرحها، لا بد من التذكير بأن النضال من أجل العدالة والحرية، أي نضال، يقوم على ثابتين اثنين: مقاومة أصحاب القضية لنظام قمعهم من جهة، وتعبئة واحتضان وإسناد وتضامن الخارج معهم من جهة ثانية. هذه هي المعادلة التي حكمت جميع حركات التحرر، وهي التي تحكم المشروع الفلسطيني التحرري المعاصر.

عالمية فلسطين تساق هنا لإدراك أن الجهة الوحيدة القادرة على منح "شرعية" وجود إسرائيل هو الشعب الفلسطيني نفسه. ليس الأمم المتحدة ولا الولايات المتحدة، ولا الترسانة النووية والتفوق العسكري. فإسرائيل استطاعت (وتستطيع) فرض وجودها من خلال الحروب والقمع، ولكن وجودها الشرعي يظل محفوظا بخانة أخرى، ويظل محط تساؤل حتى بالنسبة لنظامها ومجتمعها على السواء. إن خوف إسرائيل من الشرعية ليس وهما، وإنما واقع. لأكثر من ستين عاما من إقامتها على أنقاض الشعب الفلسطيني، لا تزال إٍسرائيل تنظر الى كل حجر يتزحزح على أنه تهديد مباشر لوجودها. هكذا، وبشكل مثير، يصبح الشعب الفلسطيني الذي جردته إسرائيل من كل شيء، وتفننت في قمعه هو الوحيد القادر على منحها شهادة "ولادة" طبيعية. إن منسوب الذعر الذي يجري في دماء الإسرائيليين أعلى منه لدى الفلسطينيين، على قاعدة أن السجين قد ينام، أما سجّانه فلا.

ولكن، إذا كان ما تم ذكره أعلاه مهما في السياق النظري، فأين الخلل إذن؟ لماذا لم يترجم التضامن العالمي  الكاسح مع فلسطين الى أبعد من "ردود أفعال" على مجازر؟

يكمن الجواب أولا، في العنوان، الرؤى والخطاب الفلسطيني المنبثق عنها. فعناوين الشعب الفلسطيني تشتت شانها شان شتات أفراده. فبعد أن حققت منظمة التحرير الفلسطينية عنوانا شرعيا تمثيليا وحيدا لكافة أبناء الشعب الفلسطيني اينما كانوا، وصلنا الى وضع تشتت العناوين بين منظمة تحرير غائبة، وسلطة وطنية فلسطينية مشروطة، وفصائل متناحرة، ومؤسسات مجتمع مدني، وجاليات، وسفارات تبتعد جميعا عن العمل أو حتى التنسيق المشترك وبدون مرجعية. في العديد من المؤتمرات التي تنعقد حول فلسطين في أرجاء المعمورة، تشعر أكثر من مرة أن أي مندوب فلسطيني يتحدث وكأنه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية!

إن أزمة المشروع الفلسطيني كبيرة الى درجة تطغى على كل شيء آخر، بغياب رؤى واضحة وتشظيتها الى فتات من المشاريع المحدودة التي تحول المشروع الفلسطيني الى حاضنة لأفكار وأطروحات وبدائل مستوردة من كل حدب وصوب، أو، ما نستطيع نسميته "سوبر ماركت البدائل". هل يستطيع أحد من الفلسطينيين أو من أنصارهم وهم كثر حول العالم من أن يجيب بثقة تامة على سؤال بسيط: إلى أين يتجه المشروع الفلسطيني؟ والى أين يخطو؟

إن الطامة الكبرى لا تكمن في نظام أحادي القطب (كما هو حال فتح في السبعينات والثمانينات)، أو ثنائي القطبية (كما هو حال التناحر بين فتح وحماس في الوقت الراهن)، ولكن في توجه الفصائل والقيادات والنخب بتوجه أحادي الأبعاد يقوم على أساس الاختزال والإلغاء في عالم يقوم على أساس ثلاثي الأبعاد في حده الأدنى. هذه هي المشكلة.

وبالضرورة، تصبح الخطابات الفلسطينية المشتقة منها مختزلة أيضا. فحركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح والتي قام على أكتافها المشروع الوطني الفلسطيني المعاصر، قد دخلت منذ انطلاق أوسلو في طريق بدون مخرج، يُسمى "المفاوضات"، مختزلة بذلك جل مَواطن قوة المشروع الفلسطيني المتمثل بالمقاومة والمد العالمي للقضية. استفردت إسرائيل بقيادات فتح ضمن فلسفة عبثية تفيد أن ما لا يتحقق بالمفاوضات، سيتحقق بمزيد من المفاوضات. إن مشكلة قيادات فتح وخصوصا من هم في السلطة الوطنية، أنهم أخرجوا واختزلوا جميع الأبعاد الأخرى، وجعلوا شرعيتهم الحصرية مستمدة من المفاوضات التي لن تقود الى شيء. أما الإسلام السياسي، المتمثل في حماس والجهاد الإسلامي، فقد أبدى عدم اهتمام واضح بكل ما يسير بعكس هواه، على قاعدة الاختزال ذاته، أو على قاعدة "نحن"، و "هم"، إن شئتم. إن الانتفاضة العالمية لنصرة غزة التي حصلت مؤخرا لم تحدث بسبب حماس ولكن حدثت بالرغم منها. أما اليسار، فلم يشفع له ثرائه الفلسفي، وامتداده الأممي وانكفأ على ذاته، فخسر كل شيء، أدوات المقاومة وامتداده الاممي وحضوره الوطني.

في المحصلة، لم تعط النخب الفلسطينية قضية فلسطين "كقضية عالمية" الاهتمام اللازم. ورغم أهمية هذا الموضوع ولو في بعده التفاوضي، إلا أنه لم يصل إلى حد يتجذر في الوعي الفلسطيني، الإسرائيلي والعالمي. بل أن المد العالمي لفلسطين قد اختزل من ناحية الجهود الفلسطينية المبذولة بطريقة سافرة الى حدود المانحين، ومراكز صنع القرار المؤثرة لدى إسرائيل والبيت الأبيض، وفي أحسن الأحوال أوروبا وأمريكا. هكذا، تم اختزال شعوب متضامنة سلفا مع فلسطين.

ومن نافلة القول أنه ليس بالضرورة أن يتفق الفلسطينيون على كل شيء، بل أن الاختلاف هو ضمانة تطور المشروع الفلسطيني، ولكن يجب أن يتفقوا على ثوابت. ثوابت في الرؤى والحقوق، وثوابت في عدم تشويه صورة فلسطين في الخارج، لأن فلسطين هي قضية عالمية. وثوابت أن عدم تجزئة التضامن مع فلسطين الى مواضيع شرطية، يجب أن يبقى التضامن مع فلسطين بعيدا عن حالات التجزئة والشرطية، فلسطين كمشروع تكاملي غير منتقص، لا يجوز فيه انتقاص الحقوق، وإعادة موضعة الأولويات. أما المتضامنين الذين يختارون ما يناسبهم من المشروع الفلسطيني، ويرفضون ما لا يناسبهم، فيجب التأكيد لهم أن فلسطين ليست سلعة تجارية، إنه مشروع عدالة وحرية.


ليس أجدر من أن نسوق هنا حق العودة للاجئين الفلسطينيين، لفهم هذه الجدلية. فالكثير ممن يعتبرون "آباء" لفلسطين في الخارج، يرفضون أو يمتعضون من هذا الحق، رغم كونه حقا ثابتا في القانون الدولي، ومسندا الى قرارات الأمم المتحدة ومواثيق القانون الدولي. حق العودة ليست "بدعة" فلسطينية لتدمير دولة إسرائيل، وليس هدفا مبطنا لتغيير الموازين الديمغرافية. إنه العلاج لأضخم عملية تطهير عرقي في التاريخ المعاصر. باعتقادي، حق العودة هو مقياس التضامن، وليس إقامة الدولة الفلسطينية ونبذ الاحتلال، وهنا بيت القصيد.

وهنا لا بد من ذكر وتحديد الأدوار. فالفلسطينيون هم أصحاب القضية، وهم الوحيدون المخولون بوضع أولويات نضالهم. لا يجوز أن يأخذ أحد مكانهم حتى لو كانوا من المتضامنين معهم. إن شعبا يناضل من أجل الانعتاق من الاحتلال لا يمكن أن يقبل أوصياء عليه يملون عليه كيف يناضل ومتى ينام! ولكن المشكلة أن بعض حركات التضامن، لا تفهم ذلك، وأيضا بعض القطاعات من الفلسطينيين، التي تتصرف بنفسها كما لو أنها حركة تضامن.


واذا كان وضوح الخطاب الفلسطيني وأولوياته مهما، فإن مفرداته ولغته لا تقل أهمية. "ابارتهايد" مثلا هي كلمة يصر العديد تطبيقها على الجاري على أرض فلسطين، بينما يصر عدد أكبر على عدم استخدامها. حالات "التهجير المستمر" أو "النكبة المستمرة" هي مثال آخر. وما يعقد من المسألة أكثر هو أن التوجه الدولاني لدى البعض قد أدخل مصطلحات سيادية ودبلوماسية لا تروق لمشروع تحرر وإنما لدولة "كاملة الأوصاف".

وفي الوقت الذي تم فيه بنجاح تصدير مفردات الخطاب الفلسطيني الى الخارج، كالنكبة المستمرة، وحق العودة، فقد تم عن طريق جهات أخرى استيراد مصطلحات ومفردات دخيلة. "معسكر السلام الفلسطيني" هو مثال جدير، فبدلا من التأكيد على أن الشعب الفلسطيني كله هو مشروع سلام، شق بعض الفلسطينيون أنفسهم عن شعبهم، وغني عن القول أنه صرف على هذا الانشقاق ملايين الدولارات.

وأخيرا، لا بد لنا من التطرق الى الوسائل. فالتضامن العالمي مع فلسطين، وعمل حركات التضامن على وجه التحديد يجب أن تكون مقرونة بتغيير الواقع، وليس تضامن لمجرد التضامن. هنالك حاجة لإيجاد صيغة مجدولة لآليات عمل، تكون أكثر نجاعة، وقابلة للتقييم والتطوير، كحملة المقاطعة مثلا. أما الوسائل النمطية فيجب الحد منها وتقليصها، ومنها جميع مشاريع وجهود كشف الحقيقة. فهنالك توجه لدى المتضامنين وقطاعات واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني التي لا تزال تعتقد أن كشف الحقيقة سيؤدي الى تبديل الواقع، ولهذا فهي تصرف جل جهدها في محاولات التوثيق والتحقيق والتنبيش والتفسير. إن الحقيقة جلية للجميع، لا يجوز أن يعمل كل من يمت بصلة في فلسطين بكشف حقيقة مكشوفة اصلا، وتوثيق تاريخ موثق أصلا، وإيصال صورة واصلة أصلا. كما على حركات التضامن التحرك الى مواجهة مسبب معاناة الشعب الفلسطيني أكثر من تضامنها مع الضحية. وقد يطلب الفلسطينيين من حركات التضامن تنظيم زيارات تضامنية الى مخيمات اللاجئين مثلا للعودة والعمل على تركيز جهدها للعمل في اوساط شعوبها والضغط على حكوماتهم الوطنية في دولهم.

_______________
نهاد بقاعي هو باحث ورسام كاريكاتير وهو مدير عام دار الأركان للإنتاج والنشر.