منظمة التحرير الفلسطينية في ميزان القوى السياسية الدولية

منظمة التحرير الفلسطينية في ميزان القوى السياسية الدولية


مما لاشك فيه أن العالم وحدة واحدة مهما يشهد من صراعات وحروب، فالتواصل هو القاعدة، والانعزال هو الاستثناء. لذلك فكل التجارب في التاريخ تتأثر ببعضها سلباً وايجاباً مهما بعدت الشقة جغرافياً أو زمنياً.

شكّل القرن التاسع عشر قرن "الدولة الأمة"؛ حيث اتجهت احداث التاريخ ومسيرته لتجميع الأمة المنتشرة في عدة دول في دولة واحدة، وانقسام الامبراطوريات متعددة القوميات الى دول قومية. وتوحّدَ بذلك مصطلح "nation" ليعني الوطن والأمة معا. ففي بداية العقد الثاني من القرن العشرين، حاول العرب (رغم ان الأغلبية منهم مسلمون) الانفصال عن الامبراطورية العثمانية التركية المسلمة؛ لتشكيل دولة عربية "الدولة الأمة"، وتحالفوا من اجل ذلك مع الغرب المسيحي. لكن الحرب العالمية الاولى، رغم ذلك التحالف، لم تنتج الا تقسيم العالم العربي الى عدة دول. ومعروف ان ذلك التقسيم لم يأخذ في الحسبان العوامل الاقتصادية او الجغرافية او التاريخية لتلك المناطق. كل ما أخذه "المبضع" الغربي في التقسيم كان تقاسم النفوذ بين الدول الغربية المنتصرة في تلك الحرب وخاصة بريطانيا وفرنسا، الدولتين الاعظم آنذاك. وقسمت اتفاقيتا سايكس- بيكو (1916) وسان ريمو (1920) المنطقة العربية الى دول بعضها مستقل وبعضها تحت الانتداب .

لم يقبل الوعي العربي هذه الاقسام دولاً، فَنحتَ لها الفكرُ السياسي العربي مصطلحا سياسيا جديدا غير مسبوق في الادبيات السياسية وهو "قطر"، فصارت المنطقة العربية اقطارا: سوريا، الاردن، لبنان، العراق... أما "الدول" العربية التي كانت تحت الاحتلال الاجنبي (المباشر او غير المباشر)، فقد بقيت على حالها وإن صار الفكر السياسي العربي يطلق عليها ذات التسمية أي "القطر".

وتميزت فلسطين عن الاقطار العربية الاخرى بأن نُحت لها مصطلح غير "الدولة" و "القطر"، لقد نُحت لها مصطلح "الكيان". والكيان ليس من شخوص القانون الدولي مثل الدولة والقطر؛ فهذا المفهوم غريب عن الحياة السياسية العامة، ولا سابق له في تاريخ الامم والشعوب (بما فيها العربية) التي كافحت لتحقيق استقلالها. لقد اطلقته الادبيات السياسية العربية على اسرائيل منذ قيامها وحتى مؤتمر مدريد (1991)، وذلك تعبيرا عن رفض الاعتراف بها كدولة. واطلقته على فلسطين كتعبير عن انه خطوة نحو الدولة على كل الارض الفلسطينية، فلا هو دولة منفصلة عن الاردن ولا دولة الى جانب اسرائيل. ولذلك اشار بعض الباحثين الفلسطينيين الى انه (اي الكيان) كان شعارا مبهما في اواخرا خمسينيات القرن العشرين، وتحول الى تعبير سياسي اكثر وضوحا في الستينيات، وانتهى في السبعينيات موازيا لمفهوم الاستقلال الوطني (اي الدولة). ومصطلح "كيان" من الكينونة السياسية. وقد تدرّج الكيان الفلسطيني من وضع "دولة" منقوصة السيادة تحت الانتداب البريطاني عام 1922 الى وضعٍ فقد الكيانُ وجودَه كشخصية اعتبارية بعد ان قامت دولة اسرائيل عام 1948، ثم الى كيان سياسي معترف به من بعض الدول العربية بقيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 ومن كل الدول العربية والعديد من دول العالم بعد عام 1974. واخيرا بعد اتفاقية اوسلو عام 1993 امتزجت منظمة التحرير الفلسطينية بالحكم الذاتي الحالي في الضفة الغربية وقطاع غزة كخطوة اولى باتجاه اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب دولة اسرائيل.

والثورة الفلسطينية المعاصرة (او ما كان يُطلق عليها المقاومة) هي تجربة أثرت وتأثرت بغيرها بشكل ملحوظ.

ويلاحظ بعض المراقبين البصمات الفلسطينية على كل ما يجري حالياً في العالم بأسره لدرجة انهم يرون أنه بدون حل "مشكلة الشرق الأوسط " حلاً عادلاً ليس هنالك استقرار عالمي، ناهيك عن الاستقرار في الشرق الاوسط. ويستعيد هؤلاء المراقبون رأي جورج انطونيوس في كتابه يقظة العرب عام 1905 بأن هذا القرن يشهد تحركاً في "القومية اليهودية" والقومية العربية، وسيشهد حتماً تصادمهما. ونتيجة هذا التصادم ستقرر مصير العالم في هذا القرن... لقد صدقت نبوءة انطونيوس، وتجاوزت القرن العشرين لتعبر القرن الواحد والعشرين.

جاءت منظمة التحرير الفلسطينية محصلة توافق، دون حوار مباشر، بين افكار وطموحات الفلسطينيين من جهة، وأفكار ومصالح الدول العربية الرسمية من جهة اخرى. كان الوعي الفلسطيني قد تبلور باتجاه الكيانية القطرية مما جعل الكيان مطمحا ممكن التحقيق. وكانت الدول العربية قد استقر رأي معظمها على امرين: الاول، صعوبة الانتصار على اسرائيل وصعوبة مواجهتها وصعوبة اجراء تسوية معها. والامر الثاني، امكانية تطور الوعي الفلسطيني القطري، وسعي الفلسطينيين لاسترداد ارضهم وبناء كيانهم باساليب ثورية وبعيدا عن سيطرة المجموعة العربية الرسمية.

وتجنبا لانشاء هيئة فلسطينية جديدة غير مأمونة العواقب، حاولت الجامعة العربية (1961) دعم حكومة عموم فلسطين مادياً وسياسياً. ورغم أن مشروع إنعاش حكومة عموم فلسطين لم ير النور في السنوات التالية، الا ان الدول العربية لم تصرف النظر عن ذلك المشروع. ففي الدورة الاربعين لمجلس جامعة الدول العربية (15/9/1963) اختير أحمد الشقيري ممثلا لفلسطين، وعُهد اليه بمهمة القيام باستشارات مع الشخصيات والقوى السياسية الفلسطينية لتشكيل حكومة عموم فلسطين جديدة. وطُلب منه كذلك زيارة العواصم العربية المختلفة لدراسة الوسائل التي ستضعها الدول العربية تحت تصرفه من اجل انجاز ذلك .

لم تكن حكومة عموم فلسطين تحظى باحترام الفلسطينيين، ولم تعد تشكل لهم بصيصاً من امل في اتجاه استعادة ارضهم وكرامتهم او اقامة كيانهم. لذلك استبعد الشقيري مشروع "انعاش حكومة عموم فلسطين" وخلص الى استنتاج انه لا بد من انشاء هيئة فلسطينية جديدة ذات ميثاق جديد. ولينعش امل الفلسطينيين في تحرير وطنهم اقترح ان يكون اسم الهيئة المزمع انشاؤها "منظمة التحرير الفلسطينية". واختار يوم 14/5 ذكرى النكبة الفلسطينية وقيام دولة اسرائيل ليكون يوم انعقاد "المؤتمر الوطني الفلسطيني" الاول في القدس ليوحي ان قيام منظمة التحرير الفلسطينية رد على النكبة، ورد على قيام اسرائيل. وضع الشقيري مسودة "ميثاق قومي" فلسطيني اقرّه ذلك المؤتمر. وسيكون الشعب الفلسطيني هو "الاساس الذي يقوم عليه الميثاق القومي ومنظمة التحرير الفلسطينية، وسيكون دور الحكومات العربية محصورا في مساعدة شعب فلسطين في خلق هذا الكيان. وبعد ذلك يملك الكيان الفلسطيني استقلاله، وسوف يتعاون مع الدول العربية الاخرى داخل الجامعة وخارجها".

 إذن فقد تضافرت موضوعيا الحالة السياسية الفلسطينية التي كانت تشهد مخاضا كيانيا منذ سنوات مع التوجهات الرسمية العربية لصالح قيام مؤسسة تمثيلية للشعب الفلسطيني، تحظى بشعبية فلسطينية وشرعية عربية واسعتين.

رغم ان الدول العربية جميعها رفضت الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية عند قيامها (عام 1949)، إلا أن حكومة الصين الشعبية رفضت قبول رسالة التهنئة والاعتراف التي سارعت اسرائيل بارسالها الى بكين. وكذلك فعلت الصين الشعبية مرة اخرى عندما هنأتها اسرائيل باستعادة مقعدها الدائم في مجلس الامن في خريف عام 1971. وكان اول "فيتو" استعملته الصين الشعبية في مجلس الامن في ايلول 1972 لاحباط مشروع قرار امريكي لادانة "الارهاب الفلسطيني" على اثر عملية ميونخ. وكانت الصين الشعبية هي الداعم الاساسي لمنظمة التحرير (على الصعيد اللوجستي والتدريب). والتزمت الصين الشعبية بالمقاطعة العربية لاسرائيل "من الدرجة الاولى" (اي مقاطعة الشركات الاسرائيلية وبضائعها دون مقاطعة الشركات التي تتعاون مع اسرائيل)، وحافظت على هذا الالتزام حتى مؤتمر القمة العربية في فاس الذي اقر (بموافقة المنظمة) مبادرة سلمية تستند الى قيام دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل. ولكن ما أن انتهت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مدريد حتى قام وزير الدفاع الاسرائيلي (مطلع تشرين ثاني 1991) بزيارة بكين، وبعيد ذلك زار وزير خارجية الصين الشعبية اسرائيل ليوقع (في 24/1/1992) بروتوكولا باقامة علاقات دبلوماسية، وبدأ الدعم الصيني لمنظمة التحرير يتراجع حتى صار لا يكاد يُرى. وكذلك كان الامر مع فياتنام وكوريا الديموقراطية.

اما الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية في معسكره، فقد كانوا ضد اعتماد الكفاح المسلح كاسلوب رئيس للتحرير، ولكن إثر قرار السادات (8/7/1972) بانهاء خدمات الخبراء السوفييت دعا الاتحاد السوفييتي (في ذات الشهر) وفدا رسميا من منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات. عقد الوفد لقاءات مع مسؤولي وزارة الدفاع السوفييتية، وحصل على مساعدات لوجستية وتدريبية. واول بيان مشترك مع السوفييت كان في ديسمبر 1974 رحب فيه الاتحاد السوفييتي بقرار مؤتمر القمة العربي بالاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني. وتراجع الدعم السوفييتي اثر الانشقاق عام 1983 ووصل الحضيض اثر زيارة ياسر عرفات للقاهرة بعد خروجه من طرابلس عام 1984.

اما القوى السياسية اليسارية خارج الحكم فقد تراوح دعمها بمقدار تلاقي مواقف منظمة التحرير السياسية مع مواقف هذه القوى صعودا وهبوطا.

كما شكلت حرب 1973 غطاءاً للسادات في عبور دهاليز التسوية والاعتراف باسرائيل، شكلت الانتفاضة الفلسطينية غطاءً لمنظمة التحرير الفلسطينية لتدخل دهاليز التسوية والاعتراف باسرائيل كأمر واقع. كانت الانتفاضة التي انطلقت في التاسع من كانون اول 1987 الرافعة الاساسية لمنظمة التحرير الفلسطينية في مرحلة الهبوط. فالبطولات التي قام بها الشعب الفلسطيني بكل فئاته والتي نقلتها الفضائيات جعلت الرأي العام العربي يستعيد ثقته وفخره بالشعب الفلسطيني. واصرار "القيادة الموحدة" للانتفاضة على انها الذراع الضارب لمنظمة التحرير الفلسطينية، وان قيادة المنظمة هي الممثل الشرعي والناطق الرسمي باسم الشعب الفلسطيني، رفع قيادة المنظمة واعادها للنور، واحرج المتشددين واضعف دعواهم ضد قيادة المنظمة، خاصة ان فعاليات الانتفاضة النضالية رسمت حدود الدولة الفلسطينية على اساس "الخط الاخضر" الذي يفصل المناطق المحتلة عام 1967 عن اسرائيل. واستطاعت الانتفاضة ان تترك تأثيرا لا سابق له على المجتمع الاسرائيلي واجبرته على الفرز والاستقطاب السياسيين بين الاسرائيليين على اساس الموقف من قضية الشعب الفلسطيني.

وكان اثر الانتفاضة ايضا ملحوظا في المجتمع الدولي. ففي 22/12/1987 اتخذ مجلس الامن الدولي قرارا لأول مرة يشجب فيه بشدة "ما تتبعه اسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) من سياسات وممارسات تنتهك حقوق الانسان الفلسطيني في الاراضي المحتلة...". كما اكد المجلس ان "اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب تنطبق على الاراضي الفلسطينية والاراضي العربية الاخرى التي تحتلها اسرائيل منذ عام 1967 بما فيها القدس" (قرار مجلس الامن رقم 605).

وكان للانتفاضة دور في ما يخص الوعي الكياني الفلسطيني، ويتعلق بثلاث قضايا: قضية الساحة الرئيسية، وقضية حدود الكيان، وقضية بروز التيار الاسلامي. فالانتفاضة صححت الوضع في الثورة الفلسطينية حيث كانت الساحة الخارجية هي الرئيسية، فصارت الآن الساحة الداخلية هي الاساسية. واكدت الانتفاضة بشكل عملي وملموس ان حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية هي الحدود التي كانت قائمة يوم 4/6/1967 بين اسرائيل وكل من الضفة الغربية وغزة، خاصة بعد ان اعلن الاردن من طرف واحد في 31/7/1988 "فك الارتباط" اي "فك العلاقة القانونية والادارية بين الضفتين الشرقية والغربية لنهر الاردن". لم تعلن "القيادة الموحدة" للانتفاضة انها تريد اقامة دولة فلسطينية في المناطق المحتلة منذ حزيران 1967، لكن فعالياتها النضالية لم تتجاوز حدود تلك المناطق، فكل تصرفاتها النضالية وتعبئتها للجماهير توحي بأن هذه المناطق هي وطننا وان اسرائيل تحتل هذا الوطن ويجب طردها منه.

وإن كانت هاتان القضيتان دعامتين لقيادة منظمة التحرير "المعتدلة"، الا ان القضية الثالثة، وهي بروز التيار الاسلامي كان المنغص الاساسي لمسيرتها السياسية في مسارب التسوية، وسيواصل تنغيصه حتى يومنا هذا.

درجت الانظمة العربية على تشجيع التيارات الاسلامية للوقوف في وجه التيارات اليسارية (والماركسية بصفة خاصة)، وللحد من نفوذ التيارات القومية. وقد حدث ذلك في الاردن في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وحدث ذلك في مصر في بداية السبعينيات. لكن سرعان ما تصبح هذه التيارات عبئا على تلك الانظمة، وقد ذهب السادات ضحية ذلك التيار، وكذلك حدث في معظم الانظمة العربية مع من اطلق عليهم "العرب الافغان". ولم تكن الساحة الفلسطينية استثناء.

"اعلان الاستقلال" الذي اقره بالاجماع المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة في الجزائر (15/11/1988) شكل "طلقة الرحمة" على الميثاق الوطني الفلسطيني، او على الاقل على "اعمدته" الاساسية ذات العلاقة بوجود اسرائيل او بمفهوم الكيان الفلسطيني. ويعلن ان دولة فلسطين "محبة للسلام ملتزمة بمبادئ التعايش السلمي... وتؤمن بتسوية المشاكل الدولية والاقليمية بالطرق السلمية". وذلك ما مكن رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة الترحير الفلسطينية ان يعلن في تصريح صحفي في باريس، وبناء على اقتراح فرنسي، انه "يعتبر ميثاق منظمة التحرير caduc لاغٍ" .

انسجاما مع تطور الاحداث، وفي رسالته الرسمية الى يتسحاق رابين رئيس الحكومة الاسرائيلية في 9/9/1993، يؤكد عرفات بإيمان راسخ التزام منظمة التحرير الفلسطينية بأنها "تعترف بحق دولة اسرائيل في الوجود بسلام وأمن... وانها تنبذ (renounces) اللجوء الى الارهاب واعمال العنف الاخرى، وستتحمل مسؤولية جميع عناصر وموظفي م.ت.ف. وستتخذ الاجراءات التأديبية بحق المخالفين... وتؤكد ان بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تنكر على اسرائيل حق الوجود، وفقراته التي لا تتلاءم مع الالتزامات الواردة في هذه الرسالة، ستصبح ملغاة وغير سارية المفعول بعد الآن. وبالتالي، فإن م.ت.ف. تتعهد بعرض التعديلات الضرورية المتعلقة بالميثاق الوطني الفلسطيني على المجلس الوطني الفلسطيني للحصول على موافقته الرسمية عليها". ويجيب يتسحاق رابين جوابا مقتضبا في ضوء التزامات منظمة التحرير الفلسطينية الواردة في رسالة رئيسها، يؤكد ان حكومة اسرائيل "قررت الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا للشعب الفلسطيني وبدء المفاوضات مع م.ت.ف. ضمن اطار عملية السلام في الشرق الاوسط" .

ولأن تعديل الميثاق يحتاج ان يعقد المجلس الوطني الفلسطيني جلسة خاصة لهذا الغرض، فقد عقد المجلس جلسته الخاصة يوم 24/4/1996 (على هامش الدورة الحادية والعشرين) وبحضور الرئيس الامريكي وعقيلته، واستمع الى تقرير اللجنة القانونية الخاصة بتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بما يتناسب مع المرحلة والظروف السياسية. وانطلق المجلس من وثيقة اعلان الاستقلال وقرارات الدورة التاسعة عشرة، واستند الى التزام منظمة التحرير باتفاقيات اوسلو، ليقرر ما يلي:

1-  تعديل "الميثاق الوطني" بالغاء المواد التي تتعارض مع الرسائل المتبادلة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة اسرائيل يومي 9 و10 ايلول 1993.

2-  يكلف المجلسُ الوطني الفلسطيني اللجنة القانونية بإعادة صياغة الميثاق الوطني، ويتم عرضه على المجلس المركزي في اول اجتماع له .


وقد وافق على هذا القرار 504 اعضاء وعارضه 54 عضوا وامتنع 14 عن التصويت. وبذلك دُفن الميثاق ولم يخلفه جديد. فرغم ان المجلس المركزي قد عُقد بعد اكثر من اربع  سنوات (3/7/2000) الا انه لم يُعرض عليه الميثاق المعدل ولم يطالب بذلك.

لقد كانت اوسلو كـ"إيعاز إلى الخلف در!"؛ وإذا نفذ الطابورُ هذا "الإيعاز" يتغيّر وضع الطابور تماما: مَن كان في الأمام يصير في الخلف، ومَن كان في الخلف يصير في الامام؛ ومن كان في اليسار يصير في اليمين، ومَن كان في اليمين يصير في اليسار... هكذا كانت اوسلو تماما؛ فالذي كان مطلوبا منا ان نموت لانجازه (تدمير الكيان الصهيوني) صار مطلوبا منا ان نموت لمنعه، وما كان مطلوبا من ان نموت لمنعه (التسوية على أراضي 1967) صار مطلوبا من ان نموت لانجازه...

ومن الطبيعي، والحالة هذه، ان تنقلب خارطة التحالفات: فالعدو الأساسي والاستراتيجي (إسرائيل) صار "الطرف الآخر". وأمريكا عدوّة كل الشعوب (وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني) صارت وسيطا، ثم صديقا دون أن تغيّر من سياستها شيئا يذكر (اللهم قبولها ان تتحاور معنا) بعد أن غيرت منظمة التحرير الفلسطينية مسارها، وقلبت سلم أولوياتها، فما كان أول الجميع صار آخر الجميع. وبعد ان كانت أحزاب المعارضة في الغرب ( وخاصة اليسار منها) هي جبهة أصدقائنا، صارت الأحزاب الحاكمة هناك هم أصدقاؤنا. أما جبهة الأعداء (أنظمة أمريكا وأوروبا الغربية) فصارت جبهة الأصدقاء الداعمين المانحين. وبعد أن كانت الدول "المارقة" (الصين الشعبية، كوبا، كوريا الديمقراطية) هي قواعدنا للتدريب والتثقيف صارت أوروبا الغربية وأمريكا هي معاهدنا للتدريب وإعادة التثقيف. وقد أشار احد الظرفاء الى ان ذلك يُعتبر تطبيقا للشعار الذي كان يطلقه الفلسطينيون في مظاهراتهم (وبصوت ضخم) ضد الانتداب: "لندن مرابط خيلنا!"... وأكثر من ذلك، انتُدِب خبراؤهم ليقيموا بين ظهرانينا "للتوعية والتثقيف والإفتاء السياسي".

-------------------------------------

 عبد الفتاح القلقيلي (أبو نائل): باحث وكاتب فلسطيني، الأمين العام للمجلس الأعلى للتربية والثقافة في منظمة التحرير الفلسطيني