هوية اللاجئ الفلسطيني في المخيمات: نظرة جديدة على

هوية اللاجئ الفلسطيني في المخيمات: نظرة جديدة على

    
سوف نقترح في هذه الورقة أن اللاجئين المقيمين في المخيمات يشكلون عنصرا متميزا في المقاومة الوطنية، وفي العمل الجماعي والوعي الجماعي الكامن الذي يتداخل مع لاجئي الشتات ولكنه يختلف عنه. ومن هنا، ستناقش هذه الورقة بأن الخصائص الثقافية والعملية المتعلقة بـ"المحلي – الوطني" تقدم دعما حاسما لـ"الوطني" في أوقات الأزمات مثل الأزمة الراهنة، وأن للمخيم "حقوقا جماعية"، حتى لو لم يتم الإفصاح عنها بوضوح تام، والتي تؤهل لاجئي المخيمات من أجل تمثيلهم في المؤسسات الوطنية، وفي مفاوضات التسوية السياسية وفي مستقبل الحكم الفلسطيني، ولدعم هذه الحجة سأقدم ثلاث أنواع من الأدلة: 1) شهادات من مخيمات تحت الحصار، شاتيلا (أيار-حزيران 1985) وجنين (آذار-نيسان 2002)؛ 2) أمثلة عن "التنظيم الذاتي" للمخيم في الضفة ولبنان؛ و 3) سجل لنقاشات جماعية في أوساط الجاليات الفلسطينية تمت في عامي 2004 – 2005 (نابلسي، 2006).[1]

 



 

في المقام الأول، علينا التمييز بين مجموعتين من اللاجئين الفلسطينيين؛ فمصطلح "لاجئ" هو التعبير الأكثر شمولا والذي يشمل جميع المطرودين إلى خارج حدود فلسطين التاريخية وأحفادهم، ومن الجهة الأخرى هناك اللاجئين المقيمين في المخيمات؛ وهم الذين كانوا بعد عام 1948 مضطرين للاعتماد على المساعدة في التماس الملجأ داخل المخيمات، وهم موجودون في الأراضي الفلسطينية المحتلة (بعد عام 1967) أو خارج حدود فلسطين التاريخية.[2] وبالتأكيد، لا يجرى الحديث عن فئة اجتماعية كطبقة بالمعنى التقليدي: فمعظم لاجئي الشتات يحملون الآن جنسيات بديلة، وعمالة ماهرة، ويعيشون حالة تكامل جيدة نسبيا في مجتمعات الدول المضيفة. في حين نجد أن متوسط الدخل لدى لاجئي المخيمات هو أقل من معدلات الدخل لدى أفراد مجتمعات الدول المضيفة، وأيضا أقل من مستويات الدخل لدى اللاجئين الفلسطينيين المقيمين خارج المخيمات. وما هو أبعد من الفقر بالنسبة للاجئي المخيمات، فهم خاضعون لمحدودية فرص العمل وانتشار الأفكار النمطية عنهم والاستبعاد الاجتماعي، وهم موسومون بوصمة التبعية أكثر من وصمة الفقر نفسه، فالعديد من الفلسطينيين غير اللاجئين في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل هم أكثر فقرا، ولا يستفيدون حتى من الحد الأدنى من المساعدات المقدمة من قبل وكالة الأنروا. ونحن بحاجة لدراسات الهجرة للفلسطينيين في دولة ثانية أو ثالثة؛ لنرى كيف يؤثر هذا التمييز في الوضع الاجتماعي – الاقتصادي، ولتوضيح مدى الحرمان الناتج عن الإقامة في المخيم.

 

قصص الحصار: شاتيلا وجنين[3]
في منتصف أيار 1985، وفي الأول من شهر رمضان المبارك؛ قامت مليشيا حركة أمل الشيعية اللبنانية، مدعومة بالكتيبة السادسة في الجيش اللبناني، بشن هجوم مفاجئ ضد مخيمي شاتيلا والداعوق الواقعان خارج حدود بلدية بيروت مباشرة، ولم يكن سكان المخيمات يتوقعون أي هجوم عسكري عليهم، ولم تتوفر في المخيمات أسلحة ثقيلة أو متوسطة، أو مخزون من المواد الغذائية واللوازم الطبية. ولم يكن في المخيمات سوى بضعة مقاتلين من المدنيين المدربين تدريبا عسكريا محدودا، بينما تنظيم الدفاع عن المخيم وقع على عاتقهم بشكل أساسي؛ وكانت هذه هي الحالة من عدم الاستعداد، والافتقار إلى التدريب على المقاومة في إطار مجموعات، ومحدودية في الاتصال بالقيادات في الخارج، وهذا ما ميز الحصار الأول على المخيمين عن غيره من فترات الحصار التي تلته حتى التوصل لاتفاقية الـ"صلح" في كانون أول عام 1987.

وأظهرت الشهادات التي سجلت فور انتهاء الحصار أن هناك شعورا بـ"انتصار الشعب" الذي اعتمد على سعة الحيلة، التضامن الجماعي وعلى "فلسطينيتة". وأحد الذين أدلوا بشهادتهم كان أبو مصطفى، وهو عضو اللجنة الشعبية في المخيم:

جميع مقاتلينا هم من أبناء المخيم الشباب الذين لم يتلقوا تدريبا في زمن المقاومة، بينهم  80% من طلبة المدارس الذين لم يحملوا الكلاشينكوف بأيديهم من قبل، واحتياط الاحتياط ... ومعظم الأسلحة التي استخدمناها أخذناها من العدو. وقد قصفونا بمدافع من عيار 120 ملم، بعضها لم ينفجر، وبعض الشباب قاموا بانتزاع المفجر منها، ومن ثم إعادة استخدامها ضد المهاجمين. لم تتوفر لدينا مدفعية، وبدلا من ذلك قمنا باستخدام عبوات الغاز السائل مع صواعق تفجير منزلية الصنع ... وقد استطعنا توحيد صفوفنا في المعركة، ولم يكن هناك ابن لفتح أو الجبهة الشعبية أو الديمقراطية؛ كل شخص كان يقاتل من أجل نفسه ومن أجل مخيمه ... لم نكن نتوقع تلك المواجهة، وكنا نفتقر إلى العديد من الأشياء الأكثر ضرورية، وهذا أجبرنا على ابتكار سبل جديدة للنضال، وقد استخدمنا الوسائد وأغطية النوم لصناعة أكياس الرمل، وكنا بحاجة إلى قطن للجروح، وقمنا باستخدام القطن الذي انتزعناه من أغطية نومنا، ولم نكن نستطيع دفن شهدائنا خارج المخيم فقمنا باستخدام المسجد كمقبرة للشهداء ... لقد كانت ملحمة مثل كومونة باريس.

واللافت للنظر أن أبو مصطفى، وهو نفسه أحد كوادر المقاومة، يختار عدم وجود منافسة بين فصائل المقاومة خلال الحصار ليثني على هذه الظاهرة، ويؤكد على أن "كل شخص يقاتل من أجل نفسه ومن أجل المخيم". وفي سياق آخر؛ يصف أبو مصطفى كيف سعى لاجئون من مخيم شاتيلا للعودة للمخيم أثناء الحصار والبقاء بين الناس الذين اعتادوا العيش معهم ولدى معارفهم، فالمخيم هو "بلدنا الوحيد". والتعبير المجازي "المخيمات مثل فلسطين" شائع بين العناصر الأكثر تسييسا وتسليحا من سكان الخيمات، وكمفهوم فإنه يربط بين المخيمات عبر الحدود، ويشكل عنصرا مركزيا في تحديد الهوية الكامنة للمخيم.

كما لعب المدنيون دورا حاسما في الدفاع عن مخيم شاتيلا وعن المخيمات المحاصرة الأخرى، كبارا وصغارا، ذكورا وإناثا، فقد كانت هناك أشبة بمشاركة عالمية في حفر الأنفاق، وصناعة أكياس الرمل، وتقديم الطعام للمقاتلين والاهتمام بالجرحى. ويشير أبو مصطفى مرة أخرى؛ إلى كيفية مشاركة الجميع في توفير الاحتياجات:

منذ اليوم الأول للحصار؛ تمت عملية جمع وتوحيد كل مؤسسات المخيم العامة والخاصة ... جمعنا الدقيق من البيوت وخبزنا الخبز في المخبز العام، وقمنا بتوزيع الخبز على الجميع بالتساوي، في الملاجئ والبيوت وفي خنادق القتال ... ولم يكن للنقود أية قيمة خلال الحصار، فلم يكن هناك عمليات بيع وشراء، الدفاع عن الجميع ومن قبل الجميع، البيوت للجميع، والجميع سواسية ... كل بيت كان على خط المواجهة.

ويتضح من شهادات حصار مخيم شاتيلا أن الناس العاديين؛ الكادرات القاعدية، الشباب من الجنسين، ربات البيوت والأطفال، كانوا جميعا الأداة الرئيسية للمقاومة، وقاموا بتسخير كافة الموارد المتاحة في عملية الدفاع عن مجتمع المخيم ككل، فقد عملت شابات المخيم بشكل خاص في حفر الخنادق ومساعدة الجرحى، توزيع الخبز وتشجيع الناس في الملاجئ.

وفي نهاية حصار الشهور الخمسة، حيث تم فتح الطريق وبدأت الإمدادات الغذائية بالدخول للمخيم، تجمع الناس في المسجد بصورة عفوية، وفي خطاب أبو مجاهد في هذا الاحتفال، وهو أحد القيادات المدنية للمخيم؛ وسم المخيم كموقع للمقاومة بقوله انه كان "شوكة في حلوق كل الذين تآمروا عليه". ومثل الحجارة، الأشواك مألوفة للفلسطينيين من أصول ريفية؛ لأنها جزء من المشهد الطبيعي في المناطق الريفية الفلسطينية.

ويستذكر أبو مجاهد لحظة هامة في الأيام الأخيرة للحصار الثالث لمخيم شاتيلا، عندما كانت المجاعة تتسبب في اليأس؛ قررت القيادة الداخلية البدء في حملتها الإعلامية الخاصة الموجهة للقيادة الفلسطينية في الخارج: "كان موقف القيادة الوارد من القيادة خارج المخيم أنها لن تتخذ أي إجراء من شانه الإضرار بالاتصالات السياسية". وواصل أبو مجاهد شهادته: "وصلنا إلى نقطة الصفر؛ حيث لا خيار سوى عملية عسكرية من [خارج المخيم]". وفي هذه اللحظة الحاسمة، أصبحت المصلحة في نجاة وبقاء مجتمع المخيم متعارضة مع الأهداف "الإستراتيجية" للقيادة، وهذا يعني وجود احتمال معارضة كامنة لدى المقاومة المحلية في المخيم: "كان سكان مخيم شاتيلا جاهزون للدفاع عن المخيم بأجسادهم" ولكن ليس للموت من جراء المجاعة خلال انتظارهم حتى تتوصل القيادة خارج المخيم إلى اتفاق أفضل مع سوريا.

يظهر ارتباط الدفاع عن مجتمع المخيم بفلسطين بأنه الموضوع العام الأقوى لجميع شهادات الحصار، ويشير هذا السلوك إلى تحديد الهوية إلى حد ما، وربما أكثر بكثير من الكلمات. الحماسة، والاستعداد الذاتي للتضحية في عملية الدفاع والتي شارك فيها جميع العناصر تقريبا، والتي عبرت عن شهادات الناس من مخيم شاتيلا بصورة ضمنية، في مقابل الأداء الضعيف نسبيا لحركة المقاومة في المعركة قبل ثلاث سنوات، عندما قامت القيادات بترك مواقعها في صور وصيدا، وعندما كان قرار القيادة يقضي بالخروج من بيروت تاركة المخيمات عزلاء، وبدون دفاع ضد مجازر صبرا وشاتيلا.


مخيم جنين
جرت مهاجمة مخيم جنين برا وجوا من قبل الجيش الإسرائيلي في نيسان 2002 خلال عملية إعادة احتلال الضفة الغربية، ضمن العملية التي سميت بـ"السور الواقي"، وقد عانى المخيم من تدمير جميع المؤسسات والمرافق العامة، ومن العدد الكبير من الخسائر في الأرواح في صفوف المدافعين. وبالرغم من الاختلافات الواضحة بين الحصارين، فإن موضوعات مشتركة يمكن ملاحظتها في شهادات الناجينح وتشير إلى أن المخيمات تقوم بإنتاج هوية طبقية/أو حالة يغلب عليها بشدة لون "الوعي المعارض". ففي كلا المجموعتين من الشهادات وجدنا مجموعة من الأفكار التي تدور حول المخيم/أهالي المخيم – ومعادلتها بفلسطين، قدرة المخيم على التنظيم الذاتي للمقاومة، وضع المخيم كمكان يجسد حقوق اللاجئين، وطابع المخيم كمجتمع محلي يشكل أعمال وعلاقات مألوفة. أصر الناجون من حصار مخيم جنين (نيسان 2002) على أهمية البقاء في جنين: "نريد المخيم كما كان، حاراتنا ... العائلات، الناس، نريد أن نعود ...". وتختلط الرغبة في العودة وإعادة البناء في تحدي العدو الذي قام بالتدمير مع العودة للمكان الذي ينتمي إليه المرء:

"عندما أدخل المخيم أشعر بنوع من الفرح وراحة البال، وأنا مرتاحة مع جيراني، الناس الذين عشت معهم ... أنت تحب أن تواصل حياتك كما عشتها، الحمد لله أنني لا زلت أعيش في المخيم".

تكتب ليندا طبر حول "فعالية الأعمال الصغيرة" كجزء مما يشكل المجتمع وقدراته على العيش ثانية بعد الحصار والدمار، أعمال مثلما فعلت أم أحد شهداء مخيم جنين، التي رفضت تغيير ثوبها التي كانت ترتديه عندما سقط ابنها شهيدا، حيث يتم سرد الحكاية وإعادة روايتها حتى يتحول منشأها الفردي إلى جزء من الذاكرة الجماعية، وتصبح رمزا للمقاومة الشعبية. حلقات الحصار مثل تلك التي عن شاتيلا وجنين تكشف لنا المزيد لأنها توجد وقت الصدمة التي تحرر أهالي المخيم في عملية انتقاد القيادة الوطنية على "الصفقات والتنازلات"، انتقاد مضاعف بسبب عدم المساواة بين حياتهم وبين حياة النخبة الوطنية.

كما يوجد سمة مشتركة أخرى وهي ما تسميها طبر بالطابع الـ hetero topic (اللامكاني) لجنين المحاصرة، وذلك كمكان للتهميش قد ينتج فيها "سرد مضاد" للخطاب الوطني، ومنها يمكن تصور مستقبل مختلف، تماما كما وصف أبو مصطفى الحصار الأول لمخيم شاتيلا؛ باعتباره ظرف تنتفي خلاله الفروق الاقتصادية والاجتماعية؛ عندما "تصبح النقود لا قيمة لها" و"الجميع متساوون"، معربا رغبته وتطلعه لمجتمع فلسطيني تسوده العدالة الاجتماعية. والسمة الثالثة المشتركة التي تظهرها شهادات حصار المخيمات هو النقد الموجه للتنافس داخل المقومة، والذي عبر عنه أيضا منتمين للفصائل، فقد علق أبو مصطفى "لا يوجد ابن فتح أو الشعبية أو الديمقراطية، كان الجميع يدافع عن نفسه وعن مخيمه ..."، وهذا يوازي ما عبر عنه كادر محلي في جنين، ونقلت عنه طبر قوله: "بعد احتلال جنين، أصبح الناس هنا في المخيم والفصائل الأخرى في جنين هم الأولوية الأولى بالنسبة لي، وهذا الاهتمام هو فوق الحزب والفصيل السياسي".

أما الانتقادات للقيادة الوطنية فقد تم التعبير عنها صراحة في شهادات مخيم شاتيلا بينما كانت ضمنية في شهادات قائد محلي في جنين:

الدرس المستفاد من تجربة المقاومة في جنين هو أننا لسنا غير قادرين على مقاومة إسرائيل، فنحن هنا مجتمع لديه وسائل وقدرات محدودة، ولكننا كنا قادرين على الوقوف أمام الجيش الإسرائيلي، ويمكن تكرار هذا الانجاز، ولكننا بحاجة إلى قيادة أفضل. ما حدث في جنين كان بفعل وحدة الفصائل في جنين وثقة الأسر الفلسطينية؛ ونتج عن ذلك صمود المخيم ومكن المقاتلين من مقاومة الاحتلال.

وعندما يتم تناول الشهادات بحد ذاتها، والتي سجلها الناجون بعد حصار مخيمات شاتيلا وجنين، فيمكن إهمالها باعتبارها شهادات محلية وعابرة، فإن مثل هذا الادعاء من شأنه أن يقلل من الصدمة الصادرة عن الحقيقة، وذلك كما تفعل قوة الصدمة في طبع الذاكرة الشعبية؛ حيث أن التنظيم الذاتي الذي أظهره أهالي مخيمات شاتيلا وجنين هو أكثر من مجرد معركة من أجل البقاء؛ ولكنه أكثر من ممارسة تاريخية انتقالية تحقق القوة في ظل خلفية عن تجارب أخرى من التنظيم الذاتي من قبل أهالي المخيم.

التنظيم الذاتي في المخيمات
لقد تم النظر لسكان المخيمات بالدرجة الأولى من خلال المؤسسات المهيمنة؛ الأنروا، حكومات الدول المضيفة وحركة المقاومة الفلسطينية. وهذا المنظور يشتت الانتباه عن التنظيم الذاتي المحلي للمخيمات؛ وخاصة في الأوقات التي تصرف فيها سكان المخيمات على عاتقهم، وبدون توجيه من أي سلطة خارجية، كما أن تجاهل النشاط المحلي؛ هو أيضا منتج لخطاب وطني يصنف المخيمات كشاهد حي على النكبة الفلسطينية، وكمجالات "حاجة" ولعمل اجتماعي تعويضي أو أهدافا للتجنيد؛ وهذا دلالة على المدى الذي خضع له سكان المخيم من حيث عدم الاعتراف بحقهم ليكون لهم صوت جماعي، كما لم يتم تمثيلهم كفئة داخل مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وبالرغم من تصويرهم في كثير من الأحيان باعتبار قضيتهم مدخلا أساسيا لأي تسوية إقليمية؛ إلا أن اللاجئين وحقوقهم ظلوا في تصور القيادة الوطنية كورقة مساومة بدلا من اعتبارهم فئة متميزة تستحق الاعتراف السياسي.

ومن المؤكد أن المزيد البحث سيكشف العديد من الأمثلة للتنظيم الذاتي لسكان المخيمات حيث "المحلي" يجسد "الوطني"، وكمثال مبكر في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي؛ قام سكان المخيمات بتشكيل الأندية وتسميتها بأسماء قرى وأماكن في فلسطين، وقد نفذ هذا العمل بصورة تلقائية وفي ظل عدم وجود لقيادة وطنية فلسطينية.

وفي الآونة الأخيرة، يمكن الاستشهاد بأمثلة أخرى على القدرات المحلية للتنظيم الذاتي؛ فعلى سبيل المثال: المؤتمر الشعبي الذي عقد في مخيم الفارعة في الضفة الغربية في كانون أول 1995؛ وهو عمل سياسي أسس لميلاد حركة حق العودة، و[اجتماع] الفارعة الذي أعقبه اجتماعات أخرى في مخيمات الضفة الغربية، كان قد جرى تنظمه من قبل أعضاء لجان مراكز الشباب، وتم اتخاذ القرار بشأنه من خلال اجتماعات محلية في المخيمات هدفت لتشكيل مجالس شعبية إقليمية للاجئين في داخل وخارج فلسطيني المحتلة، وتلك المجالس كان عليها أن تنتخب ممثلين لمجلس أعلى يتولى مهمة إبراز حقوق اللاجئين والدفاع عنها.

واستمرار حركة الاحتجاج ضد جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية؛ هي ذات أساس محلي، وليست جزء من حملة منظمة من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية أو فصائل المقاومة. وعلى نحو مماثل، فإن المظاهرات في المخيمات الفلسطينية في لبنان مستمرة، ويتم تنظيمها محليا أو في إطار فضفاض في الإطار الداخلي للمخيم. ومنذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية في فلسطين المحتلة؛ يجري تنظيم عدد لا يحصى من الفعاليات في جميع أنحاء الشتات الفلسطيني بدون الرجوع للسلطة الوطنية الفلسطينية.

وفي وقت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 2006؛ قام ناشط اجتماعي في مخيم برج الشمالي في جنوب لبنان ببلورة فكرة "استطلاع رأي اللاجئين" بهدف الإظهار للقيادة الوطنية الفلسطينية بأن لاجئي "الخارج" لن يقبلوا الحرمان الدائم، ومع أن المشروع لم يستطع تجاوز مرحلة التخطيط، ويرجع ذلك جزئيا لعدم وجود دعم من قبل القوى السياسية المحلية؛ لكن مشروع "استطلاع اللاجئين" يشير بدون شك إلى احتمالات التنظيم الذاتي.  وتوفر الانترنت أداة فعالة للتعبئة لمثل هذه المبادرات. هذا بالرغم من عدم استغلالها على الوجه الأكمل؛ بسبب ضعف البنية التحتية وتكلفة أجهزة الكمبيوتر، فالوصول للانترنت أصبح متاحا هذه الأيام لشريحة كبيرة من سكان المخيمات هذه الأيام؛ وذلك من خلال المراكز الاجتماعية للمنظمات غير الحكومية، مقاهي الانترنت وحيازة الحواسيب الشخصية. وقد عززت شبكة الانترنت التواصل الواسع فيما بين المخيمات بعضها ببعض ومع جماعات التضامن في الخارج، وقد أنشأت العديد من الشبكات خصيصا لكي تربط الفلسطينيين المحرومين وفلسطينيي الشتات معا؛ على سبيل المثال: مكتوب، لاجئ، بديل والائتلاف الفلسطيني لحق العودة، مشروع عبر الحدود ورفح اليوم.

 

_____________________________________________________


*هذا المقال عبارة عن ملخص لورقة نشرت بالانجليزية ويجري العمل على إصدارها من قبل بديل باللغة العربية.


 روز ماري الصايغ: عالمة انثر وبولوجي، وباحثة في مجال التاريخ الشفوي، لها العديد من المؤلفات حول اللجوء الفلسطيني.

[1]  تم حذف هذا القسم بسبب محدودية المساحة.

[2]  الفئة الثالثة هي "لاجئي الداخل" [المهجرين داخليا] وهم الأشخاص الذين بقوا في فلسطين المحتلة عام 1948، ولكن إسرائيل تمنعهم من العودة لقراهم وبيوتهم. وقد مارست الأنروا عملياتها في إسرائيل عام 1950، وطردتها الحكومة الإسرائيلية عام 1952.

[3]  قصص حصار شاتيلا أخذت من : العديد من الأعداء: تجربة الفلسطينيين في لبنان، روزماري صايغ، Zed Books، 1994. وتم تسجيل الشهادات عن حصار مخيم جنين من قبل لندا طبر، وتم نشرها في "الذاكرة، الوكالة، قصص المقاومة: شهادات من مخيم جنين"، فنون نقدية: مجلة دراسات الجنوب-الشمال  الثقافية والإعلامية،

Critical Arts: A Journal of South-North Cultural and Media Studies, 12 (2) 2007

 

 

المزيد في هذه الفئة : « مأساةُ الصّنوبر