دور الفصائل والأطر التمثيلية في مواجهة الأزمة المالية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين

جمال عبد الرحيم*

"نحن نواجه تحديات غير مسبوقة وأزمة مالية خطيرة لم نمر بها من قبل، وبصدد عجز مالي حاد سيؤثر على الخدمات الأساسية التي نقدمها للفلسطينيين"؛ بهذه العبارات أعلن بيير كرينبول المفوض العام للأونروا عن الأزمة المالية التي تعانيها المنظمة الدولية في المؤتمر الصحافي الذي عقده في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في مطلع تموز/يوليو 2015. وشكّل هذا التصريح "الفجّ"صدمة وردّات فعل في مجتمعات اللاجئين في كافة المواقع والمناطق، وأدى إلى سلسلة من التحركات الرافضة لتقليص الخدمات التي تقدمها الأنروا كنتيجة مباشرة لهذه الأزمة.

ولا بد من التسليم بأن الوكالة الدولية، بغض النظر عن التأويلات لأسباب الأزمة المالية هذه، باتت قدراً محتوماً للشعب الفلسطيني، تمارس مهماتها وولايتها الممنوحة لها بموجب قرارات الشرعية الدولية التي أنشأتها في ظرف استثنائي، أُريد له أن يدوم طويلاً بطريقة استثنائية جدًا أيضًا. فلولا أنه قدر محتوم لتمكنت القوى "الحريصة"، دولية كانت أم عربية أم فلسطينية، أو عملت، على الحد من معاناة الفلسطينيين في لجوئهم القسري بانتظار عودتهم أو حلاً مُرضياً لقضيتهم، بتوفير سبل العيش الكريم لهم، سواء بمنحهم حقوقًا مدنية تتساوى مع حقوق مواطنيها وعدم التمييز ضدهم (كما يحصل في لبنان على الأقل)، أو بتقديم الدعم الدائم لها. فعلى العكس من المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، رزحت الأونروا عقودًا تحت رحمة المانحين، ولم تُشرعن طرق تمويل برامجها المختلفة التي تمس الحياة والاحتياجات اليومية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملها.

في حين ترى شريحة من المثقفين الفلسطينيين أن الأزمة المالية الأخيرة مفتعلة، لتذويب قضية اللاجئين في هذه المرحلة الزمانية بالتحديد، وإنهائها بتحويلهم إلى ولاية المفوضية العليا للاجئين، بعد انتهاء تفويضها (الأونروا) في عام 2017 (يذكر أن تفويض الأونروا يجدد كل ثلاثة أعوام خلافًا لما هو معمول به في المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة)، فإن عددًا غير قليل منهم رأى في الماضي أن إنشاء الأونروا كان في الأساس مؤامرة لـ "تحييد" قضية اللاجئين الفلسطينيين، وعدم إدراجها في أجندات المنظمات الدولية، أو العمل على حلها منذ البداية بعودة اللاجئين الذي هُجّروا من قراهم ومدنهم في إثر نكبة عام 1948، أو توطينهم في غفلة من الزمن في الأماكن التي نزحوا إليها؛ فأي القولين هو الصحيح؟

لا بد من التذكير أن مهمات المفوضية العليا للاجئين حُدّدت حين إنشائها في الأول من كانون الأول/يناير 1951 بتوفير الحماية الدولية للاجئين - باستثناء الفلسطينيين - وإيجاد الحلول الدائمة لقضاياهم، فضلًا عن تقديم الخدمات الإنسانية إليهم، ومحاولة إيجاد حلول لقضاياهم بالعودة الطوعية إلى أوطانهم وإعادة اندماجهم فيها بشكل آمن وبكرامة؛ أو دمجهم في البلدان التي لجأوا إليها؛ أو إعادة توطينهم في بلد ثالث. واعتُبرت المفوضية، ولا تزال، الجسم الدولي الأساسي المفوّض بتوفير الحماية للاجئين في مناطق الأزمات في العالم، حيث تنص الفقرة السابعة من ميثاقها، على أنها لا تملك التفويض بتوفير الحماية للاجئين الذين يتلقون حماية أو مساعدات من منظمات أو هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة، وبذلك يستثنى اللاجئون الفلسطينيون من تفويضها، بسبب خضوعهم لتفويض الأونروا التي كانت قد أُنشئت قبل ذلك بعام.

أما الأونروا التي أنشئت في كانون الأول/ديسمبر من عام 1949، بموجب القرار 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة كهيئة تابعة لها تُموّل من خلال مساهمات طوعية من أعضاء المجتمع الدولي، ولم تخصص لها موردًا في موازاناتها العامة، بل حثت الدول والهيئات الحكومية وشبه الحكومية على التبرع لها لمواصلة عملها ونشاطها وتنفيذ برامجها في مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين، وحُصرت عملياتها بالمهمات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، في تفويض حُدّد في البداية بعام واحد، وقدمت خدماتها إلى أربعة أجيال من اللاجئين.

لا يُغفل القارئ الفرق الكبير جدًا بين تفويض المنظمتين وتمويلهما، وهما تعنيان بهموم شريحتين غير مختلفتين من اللاجئين، لكن مُيّز بينهما منذ البداية لأسباب سياسية بحتة؛ فلا الأونروا أنشئت لحماية اللاجئين الفلسطينيين والعمل على إعادتهم إلى ديارهم وقراهم التي هجّروا منها، ولا هم شُملوا في تفويض المفوضية العليا بعد تأسيسها.  

على الرغم من أن الأنروا أنشئت بقرار أممي، فإنها بقيت تحت رحمة حفنة من الدول التي لا تفي بالتزاماتها، وذلك في سابقة لم تتكرر، في رأينا، في تاريخ الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وتُركت تعاني أزمة مالية عضالًا؛ فمن الخطأ الاعتقاد أن الأزمة المالية التي أفصح عنها المفوض العام للأونروا في العام المنصرم ليست الأولى في تاريخ الأونروا، بل هي أزمة تعانيها – بحسب التقارير – منذ عشرة أعوام، لكن القائمين عليها دأبوا على ترحيل العجز السنوي في ميزانيتها إلى السنة المالية التالية؛ فالأزمة في الحقيقة غير مفتعلة على الإطلاق، بل هي مرض عُضال ينخر في جسم المنظمة الدولية، ويمكن اعتبار تصريح مفوضها العام صرخة لإيجاد حل دائم لها، ريثما يتم إيجاد حل دائم لقضايا عدة يعانيها الفلسطينيون، في الأراضي المحتلة وفي الشتات.

لا يتجاوز العجز المالي 101 مليون دولار أميركي، أي نحو 10 في المئة من إجمالي الميزانية العامة السنوية، وهو عجز يمكن مجموعة المانحين سدادها ضمن برامجها التنموية الدولية، أو يمكن مجموعة من الدول العربية سداد جزء منها. فالإعلان عن العجز وتوقيته ومقداره والظرف الزماني الذي حدث فيه، أثار الريبة وأشعل نظريات المؤامرة والتواطؤ بإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، من خلال تحويلها إلى تفويض المفوضية العليا.

لكن، ما هي الأسباب الرئيسة للأزمة المالية المزمنة للأونروا؟ يمكننا حصر هذه الأسباب في التالي: الاحتياجات المتزايدة والمستجدة للاجئين الفلسطينيين في ظل الأزمات العسكرية والإنسانية التي تدهمهم بشكل يكاد يصبح دائمًا؛ عزوف الدول المانحة عن الوفاء بالتزماتها المالية؛ الفساد المالي والإداري المستشري الذي ينخر في هياكل الأونروا منذ عقود عدة، والذي يشمل الزبونية والمحسوبية التي نجم عنها زرع المتنفذين في الفصائل الفلسطينية أتباعهم ومحسوبيهم، غير الكفوءين أحيانًا، في مناصب مهمة، إضافة في إفادة غير المحتاجين من أتباعهم من المعونات والبرامج التي تنفذها الأونروا (بحسب المشاهدات في أرض الواقع في مخيمات اللاجئين)، فضلًا عن هدر قسم كبير من ميزانية الأونروا في صورة رواتب "دسمة" وامتيازات تمنح لكبار الموظفين فيها.

علاوة على ذلك، ثمة سبب آخر يغفله كثير من الباحثين، ولا يقل أهمية عن الأسباب المذكورة أعلاها، ألا وهو ضعف الممثل الفلسطيني (منظمة التحرير الفلسطينية) الذي ما عاد يقوى على الضغط على الهيئة الدولية أو حث الدول المانحة الوفاء بالتزاماتها، أو السعي إلى إيجاد مانحين آخرين يمكن أن يسدوا العجز المستدام. فلا يسعنا من خلال استقراء الحوادث إلا أن نلاحظ أن الأونروا لم تعانِ في تاريخها، أو تقلص من معوناتها وبرامجها وخدماتها، كما يحصل الآن، إلا بعد أن "أُلغي" تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية، وأصبحت سفارات السلطة الفلسطينية هي الممثل والمرجعية في البلدان المضيفة للاجئين، تخاطبها الحكومات ومديرو الأونروا (ولا سيما في لبنان)، وبذلك ما عاد ثمة "عصا يلوح بها في وجه هؤلاء جميعًا".

يقودنا هذا الأمر الأخير عن التساؤل عما فعلته الفصائل الفلسطينية والأطر التمثيلية في مواجهة الأزمة المالية للأونروا، على الرغم أنه يجب السؤال عما فعلته، وما كان يجب ألا تفعله هذه الفصائل للحيلولة دون انزلاق الوكالة الدولية إلى أزمتها المالية المزمنة ودرء تكرارها.

للأسف الشديد، لم تتحرك الفصائل الفلسطينية في البداية، بعيد تصريح المفوض العام للأونروا، وهي التي ساهمت بسياساتها الرعوية الزبونية في تأزيم الأزمة المالية بطريقة ما، وإثارة السخط الشعبي على الأونروا. بل كانت ردة الفعل في البداية شعبية تطورت إلى حراك شعبي، سارعت الفصائل الرئيسية الفلسطينية إلى المشاركة فيه (أو "اختطافه") في وقت لاحق بعد استفحاله واشتداد عوده.

لا ريب في أن الحراك الشعبي، أثمر وحدة في المطالب، وتمكنت بعض الفصائل من تنظيم الاعتصامات ضد السياسات التي اعتمدتها الأونروا في محاولتها معالجة أزمتها المالية. ونجحت هذه الفصائل في بلورة رزمة من المطالب والمقترحات، مثبتة أن اللاجئ الفلسطيني ليس متسولًا يرضى بما يلقى إليه من فُتات وصدقات، بل له قضية، ويجب العناية به ورعايته حتى تزول الأسباب التي جعلت منه لاجئاً.

إضافة إلى ذلك، يجب ألا يُغفل دور بعض منظمات المجتمع المدني الذي تفاعل مع الحدث ونظم ندوات سلّطت الضوء على أهمية الأونروا بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين، والدول المضيفة. فخدمات الأونروا الاستشفائية تكاد تكون بديلًا عما تقدمه وزارة الصحة في بلد مضيف مثل لبنان. كما أن الخدمات التعليمية التي يحظى بها اللاجئون الفلسطينيون في مدارس الأونروا حتى المرحلة الثانوية، فضلًا عن التعليم المهني في معاهدها، يكفي اللاجئ الفلسطيني مؤونة وتكاليف التعليم الباهظة. فلا يمكن الاستغناء ببساطة عن الأونروا أو خدماتها.

على الرغم من اللامبالاة الأولية التي جرى التعامل بها مع الأزمة المالية للأونروا، فإن الحراك الشعبي والأطر الفلسطينية التمثيلية، تمكنت، من تحويل اللامبالاة الفلسطينية المزمنة تجاه الأونروا إلى اهتمام ووعي بدور الأونروا المفصلي في حياة اللاجئ الفلسطيني، سواء المعدم أو الميسور؛ ففي استمرار الأونروا في تقديم خدماتها للاجئين وتطويرها، تأكيد على تمسك اللاجئين بدورها بوصفها الشاهد الحي على قضية اللاجئين، وعلى نكبتهم. فهي تتجاوز في مدلولها و خدماتها وبرامجها. لذا نرى أن كثيرًا من الفاعلين سارعوا إلى عقد ندوات وأنواع مختلفة من النشاط، منها مركز حقوق اللاجئين /عائدون، عضو الائتلاف الفلسطيني العالمي لحق العودة ، الذي عقد ندوة في بيروت، بعد فترة وجيزة من إعلان بيير كرينبول المفوض العام للأونروا، أثار فيها المشاركون تداعيات تراجع خدمات الأونروا وتأثيرها على اللاجئين، فضلًا عن إبراز أهمية الأونروا في مناطق عملياتها الخمس، في ظل الحاجات المتزايدة والمستجدة للاجئين الفلسطينيين.

غني عن القول إن الأزمة المالية الحالية للأونروا ليست أزمة مفتعلة، بل هي أزمة مزمنة، تعانيها المنظمة الأممية منذ سنوات عدة، ولا بد من البحث في إمكانية تلافيها في الموازنات الاعتيادية من خلال الموازنة العامة للأمم المتحدة، على سبيل المثال، حتى لا تستمر في الخضوع لإملاءات وأهواء المانحين.

فالأونروا هي العنوان العريض الأبرز لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ولا يمكن الاستغناء عنها ولا عن خدماتها ببرامج ومشاريع بديلة تنفذها منظمات المجتمع المدني، وتمولها دول ربما ترى في اللاجئ إنسانًا، لكنها لا تراه قضية سياسية. كما أنها أصبحت العنوان الدائم لكل لاجئ فلسطيني، وهي اليافطة الكبرى التي يعتصم في ظلها اللاجئون الفلسطينيون، فإن أي مساس بها هو مساس بقضيتهم و بعناوينها الكبرى، بدءاً بحق العودة. وربما يُشعل الهواجس والمخاوف ما تردد عن أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أبلغ المفوض العام للأونروا، بيير كرينبول، أن الولايات المتحدة لن تدفع مساهمتها المالية إلى الأونروا، فضلًا عن إعراض بعض الدول المانحة تمويل الأونروا، في حين أنها تمول جمعيات أهلية في مجتمعات اللاجئين، تكاد تصبح عنوانًا بديلًا لخدمات الأونروا. وتحدد هذه الدول البرامج والمشاريع التي تُنفذ في المخيمات الفلسطينية، وبعضها لا يمس الاحتياجات الأساسية المتزايدة للاجئين.
 
---------------------------------------------------------------------------------
جمال عبد الرحيم: كاتب من لبنان