علاقة الدول المضيفة والأونروا

الاحتجاجات ضد ماتياس شمالي مدير عام الأونروا في لبنان (المصدر: جريدة السفير) الاحتجاجات ضد ماتياس شمالي مدير عام الأونروا في لبنان (المصدر: جريدة السفير)
بقلم: جابر سليمان*
 
نناقش في هذه العجالة علاقة الدول العربية المضيفة بالأونروا إنطلاقاً من الأزمة الأخيرة للأونروا (2015-2016)، وذلك من خلال الإجابة على التساؤلات التالية: ما الذي يحكم هذه العلاقة؛ وما هي حدود الدور الذي تقوم به تلك الدول في توجيه سياسات الأونروا بما يلبي مصالح اللاجئين الفلسطينيين في إطار الصلاحيات التي منحتها الأمم المتحدة لهذه للوكالة الدولية وضمن الاتفاقات الموقعة بين الأونروا والدول المضيفة؛ وما هي حدود التنسيق وتقاسم المسؤوليات بين الأونروا والدول المضيفة؟ وفي هذا الصدد سنأخذ لبنان مثالاً.
 1- علاقة الدول المضيفة بالإونروا: خلفية تاريخية

من المعلوم أن الدول العربية المضيفة للاجئين الفلسطينيين حينها (مصر، الأردن، سوريا، لبنان)، كانت جزءاً من المخاض السياسي الذي ولدت فيه الأونروا بعد فشل مؤتمر لوزان، الذي عُقد في سويسرا عام 1949. وقد دعمت تلك الدول منذ البداية إلى تأسيس وكالة خاصة باللاجئين الفلسطينيين وتمييزهم عن بقية لاجئي العالم، حفاظاً على خصوصية اللجوء الفلسطيني. وفي هذا السياق أصرت الدول العربية المشاركة في الأعمال التمهيدية التي أدت إلى إعتماد "إتفاقية العام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين" على إستثناء اللاجئين الفلسطينيين من التمتع بمزايا الحماية التي توفرها "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" لكافة لاجئي العالم. واعتبرت تلك الدول، بحق، أن الشعب الفلسطيني الذي قد تمّ إقتلاعه قسرياَ من أرضه يجب أن يتمتع بحقه في العوده وتقرير المصير، وفقاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وخاصة القرار رقم 194، وبذلك تصبح "الحماية" مسألة ثانوية قياساً إلى حق العودة.

وقد عمدت الأونروا إلى تنظيم علاقتها بالدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين، فأبرمت في السنوات الأولى من إنشائها اتفاقيات رسمية مع هذه الدول. ومن المفترض أن هذه الإتفاقيات هي التي تحدد طبيعة علاقة الوكالة مع تلك الدول: وقعت الإتفاقية الأولى مع مصر (1950)، والثانية مع الأردن (1951)، والثالثة "تبادل مذكرات" مع لبنان (1954) والرابعة تبادل مذكرات مع سوريا (1967). وبعد إحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 طلبت إسرائيل من الأونروا الإستمرار في تقديم خدماتها للاجئين الفلسطينيين، وتم في حزيران من العام نفسه تبادل رسائل بين الطرفين في هذا الشأن كانت بمثابة إتفاقية مؤقته. وفي حزيران 1994 جرى تبادل رسائل مماثلة بين (م.ت.ف) والأونروا لتمكين الأخيرة من مواصلة عملياتها في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني. وبهذا حلت السلطة الفلسطينية محل الأردن ومصر (الضفة الغربية وقطاع غزة) كدولتين مضيفتين قبل العام 1967.

وفي واقع الحال تتفاوت تلك الدول فيما يتعلق بتدخلها في توجيه سياسات الأونروا من بلد لآخر، ولا نستطيع أن نجزم بأن الإتفاقيات التي وقعت في الخمسينيات - ومعظمها تبادل مذكرات ورسائل لا ترقى إلى مستوى الإتفاقات - بهدف التعامل مع وضع لجوء مؤقت كما كان يعتقد حينها، لا تزال صالحة لأن تكون أساساً لتنظيم العلاقة بين الأونروا والدول المضيفة. ففي لبنان على سبيل المثال، لا توجد هناك إتفاقية شاملة تُنظم علاقة الدولة اللبنانية بالأونروا، بل توجد مجموعة من الرسائل المتبادلة جرت خلال العام 1954 لتسوية بعض المشاكل العالقة بينهما من الفترة السابقة التي بدأت فيها الأونروا عملها في لبنان مثل: وضع الأونروا الحقوقي والإمتيازات والتسهيلات التي قد تستفيد منها الوكالة وموظفوها إستناداً إلى إتفاقية شباط عام 1946 المتعلقة بامتيازات وحصانات الأمم المتحدة؛ مساهمة لبنان السنوية في موازنة الأونروا؛ تسويات مالية تتعلق بالفترة السابقة لتبادل الرسائل.

2- موازنة الأونروا: العجز وحدود التمويل العربي

لا توجد موازنة ثابتة للأونروا، وإنما يأتي تمويلها من التبرعات الطوعية التي تقدمها الدول المانحة، حيث تعقد الأونروا مؤتمراً سنوياً للدول المانحة تحضره الدول العربية المضيفة للاجئين. وتضع الأونروا موازنتها كل سنتين، على الرغم من أنه يجري تمويل العمليات على أساس سنوي. وقد وصلت موازنة الأونروا (2014/2015) إلى   589.2 مليون دولار. وإذا ما أضفنا إلى الموازنة العامة موازنات الطوارئ في الضفة الغربية ولبنان وغزة ترتفع هذه الموازنة إلى نحو أكثر من مليار دولار.

تعهد مجلس الجامعة العربية في دوراته المتعاقبة منذ العام 1987 بأن تدفع الدول العربية %7.8 من إجمالي موازنة الأونروا، ولكن لم تلنزم كل الدول العربية دائماً بهذا القرار. وفي خضم الأزمة الأخيرة أشار المفوض العام لللأنروا في خطابه أمام اللجنة الإستشارية للأونروا في عمان (16/11/2015) إلى أن المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة رفعت من مستوى تبرعاتها للموازنة العادية لبرامج الأونروا لتصل إلى نسبة 7.8% التي تعهدت بها سابقاً.

ومن الجدير ذكره أن لدى بعض الدول العربية، خاصة الدول المضيفة، مخاوف دائمة من أن يؤدي زيادة دعمها للموازنة الإعتيادية للأونروا، إلى خدمة المخططات الأسرائيلية الرامية إلى تنصل المجتمع الدولي من مسؤوليته عن مشكلة إغاثة اللاجئين وإلقاء هذا العبء على الدول العربية وحدها. ومن جهة أخرى، غالباً ما كانت تستجيب الدول العربية، للنداءات الطارئة ونداءات تمويل المشاريع (مثل: إعمار نهر البارد، مشاريع الإعمار المعطلة في غزة، إعمار مخيم جنين، إعمار مخيم النيرب، ترميم المساكن في لبنان....إلخ).

وبخصوص لبنان لم يسجل يوماً أن ساهم لبنان في موازنة الأونروا، بل على العكس فإنه طالب الأونروا في الرسائل المتبادلة بينهما عام 1954 بردّ أموال للدولة اللبنانية نتيجة نفقات تمت في الفترة (1951- 1954) من دون الاتفاق حينها على الطرف الذي يتحملها مثل نفقات الدولة اللبنانية لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وخاصة نفقات اللجنة المركزية لشؤون اللاجئين (أنشئت بتاريخ 26/4/1948).

3- أزمة الأونروا الراهنة والدول المضيفة: حدود الدور والتنسيق

أعلن المفوض العام للأونروا في مؤتمر صحفي عقده بمقر الأمم المتحدة / نيويورك في مطلع تموز/ يوليو 2015، أن الأونروا تعاني عجزاً مالياً حادّاً في العام الحالي (نحو 101 مليون دولار) سيؤثر على الخدمات الأساسية التي تقدمها للاجئين الفلسطينيين، ولوحّ بأنها سوف تواجه خطر تأجيل العام الدراسي في مناطق عمليتها الخمس بسبب هذا العجز. وقد أثار هذا الإعلان إحتجاجات عارمة في أوساط اللاجئين في لبنان والدول المضيفة التي مارست بدورها ضغوطات دبلوماسية على الدول المانحة لسدّ هذا العجز. وقد أثمرت تلك الإحتجاجات والضغوطات عن تلقي الأونروا حوالي 80 مليون دولار مع بدء العام الدراسي 2014/2015 مما أمكن معه إفتتاح العام الدراسي في موعده المعتاد. بيد أن الأزمة مستمرة، حيث أعلن المفوض العام للأنروا في مؤتمر صحافي في عمان (16/11/2015) على هامش إجتماعات اللجنة الإستشارية للأونروا أن ميزانية الأونروا التي ستصل في العام 2016 إلى 680 مليون دولار ستعاني من عجز بنحو 81 مليون دولار.
 
نموذج لبنان كدولة مضيفة

كما بينّا سابقاً، سنأخذ هنا نموذج لبنان كدولة مضيفة لكي نسلط بعض الضوء على حدود الدور الذي لعبه لبنان في الضغط على الأونروا، من أجل دعم مطالب اللاجئين والتراجع عن سياستها المعلنة في تقليص الخدمات بسبب العجز في الموازنة، وعلى حدود التنسيق الذي قامت به الدولة اللبنانية مع الأونروا، من جهة، ومع منظمة التحرير المسؤولة عن شعبها في لبنان، من جهة أخرى:
ما أن أعلن المدير العام للأونروا في لبنان، ماتياس شمالي في كانون الأول/ ديسمبر 2015، عن نية الوكالة إتخاذ مجموعة من الإجراءات التقشفية في مجال التعليم والتوظيف والصحة، حتى إندلعت موجة من الإحتجاجات والإضربات العشوائية على سياسة الوكالة عمت كافة المخيمات الفلسطينية في لبنان. ثم ما لبثت حركة الإحتجاج هذه أن ضبطت إيقاعها، ونظمت فعالياتها من خلال تشكيل "خلية أزمة الأونروا" المنبثقة عن القيادة السياسية الفلسطينية في لبنان التي تضم جميع الفصائل. وقد إستدعت حركة الإحتجاج تلك تدخلاً من قبل المدير العام للأمن اللبناني، اللواء عباس إبراهيم، إستباقاً لأية تداعيات أمنية غير محسوبة، واتُخذ التدخل شكل وساطة بين المدير العام للأونروا والقيادة السياسية الفلسطينية، ممثلة بخلية الأزمة.
تحركت (م.ت.ف) والسلطة في رام الله لدى المفوض العام للأنروا والدول المانحة وضغطت من أجل سدّ العجز المعلن في موازنة الأونروا. وفي لبنان، عدا عن الإتصالات المحلية بين المسؤولين الفلسطينيين واللبنانيين وتدخل اللواء عباس إبراهيم ذو الطابع الأمني، لم نشهد تنسيقاً فلسطينياً لبنانياً كافياً ولا تدخلاً لبنانياً فاعلاً يرتقي إلى مستوى خطورة الأزمة. وتجدر الإشارة هنا إلى الزيارة التي قام بها للبنان، في وقت متأخر نسبياً من بدء الأزمة، رئيس دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور زكريا الأغا (21/4/2016)، والتقى فيها عدداً من المسؤولين اللبنانيين. ومن اللافت أنه لم يصدر في أعقاب تلك اللقاءات موقفاً لبنانياً فلسطينياً قوياً بصدد الأزمة، عدا عن تصريحات الدكتور الأغا التي دعا فيها إلى ضرورة عدول الوكالة عن قراراتها في خفض خدماتها الصحية والتعليمية، مشدداّ على أهمية التنسيق وتعزيز العمل الفلسطيني/اللبناني المشترك لمواجهة تقليصات الأونروا والخروج من الأزمة. وقد يؤشر هذا الواقع إلى غياب رؤية مشتركة لبنانية / فلسطينية ناجزة تتعامل بفاعلية مع مثل هذه الأزمات.وفي تقديرنا أن المقاربات التي اعتُمدت لحلّ الأزمة، إن كان على الصعيد المركزي أم على الصعيد المحلي في لبنان، لم تنجح في رأب الصدع وبناء جسور الثقة بين الأونروا واللاجئين من جهة، ولا بين الأونروا والدول المضيفة، من جهة أخرى. ونعتقد أن الأزمة قابلة لأن تعيد إنتاج نفسها بشكل أو بآخر، ما لم يتم إدخال إصلاحات جذرية تطال النظم المالية والإدارية للوكالة، وما لم تعالج الأسباب الجذرية للعجز المزمن في موازنة الأونروا.
 
4- خلاصة
وبغض النظر عن مضمون الاتفاقيات/ الرسائل المتبادلة ومدى قوتها القانونية تتفاوت درجات تدخل الدول المضيفة في توجيه سياسات الأونروا، كما تتباين حدود التنسيق بينها وبين الأونروا فيما يتعلق بوضع السياسات وتنفيذ المشاريع المشتركة، من دولة لأخرى. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن الدولة السورية، وخاصة قبل نشوب الأزمة عام 2011 في الوقت الذي كانت تفرض فيه رقابة صارمة على  سياسات الأونروا وممارساتها المطبقة في سوريا، كانت شريكاً كاملاً للأونروا، من خلال "المؤسسة العامة للاجئين العرب الفلسطينيين" التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، والعمل في تمويل وتنفيذ المشاريع المتعلقة بتطوير المخيمات (إعادة إعمار مخيم النيرب مثالاً) وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للاجئين بشكل عام. وربما يكون، بدرجة أو بأخرى، هذا هو واقع الحال في الأردن أو مناطق السلطة الفلسطينية، بخلاف لبنان الذي لا يتدخل سوى بالحدّ الأدنى وفي أوقات الأزمات والطوارئ (إعمار مخيم نهر البارد مثالاً).

اليوم أصبحت هناك حاجة مُلحة لأن تضغط الدول المضيفة على الأونروا من أجل تعزيز مفهوم الشراكة بينها وبين الأونروا، من جهة، وبين الأونروا ومجتمعات اللاجئين من جهة أخرى عبر تعزيز مفهوم المشاركة المجتمعية وإشراك اللاجئين فعلياً في رسم سياسات الأونروا وتخطيط وتنفيذ برامجها، خلافاً لمفهوم "الشراكة" الذي تسعى الأونروا لتطبيقه والداعي إلى مشاركة اللاجئين في تحمل جزء من كلفة خدماتها.
 
وأكثر من ذلك ربما أصبح مطلوباً إعادة النظر في الإتفاقات المعقودة سابقاً بين الدول المضيفة والأونروا وتنقيحها، بعد مرور عدة عقود على إبرامها، بما يلزم الأونروا والمجتمع الدولي من الإيفاء بتعهداتهم في توفير أفضل الخدمات للاجئين الفلسطينيين إلى أن تتم عودتهم، وفقاً لمبادئ القانون الدولي وقررارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

------------------------------
*جابر سليمان: باحث ومستشار فلسطيني مستقل يعمل حاليا كمستشار للبرنامج الفلسطيني لدى منظمة اليونيسيف في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.