باعتبارها راعية مصالحهم هل من دور تقوم به اللجان الشعبية تجاه أبناء المخيمات في لبنان؟

صورة توضح معالم احدى حارات مخيم برج البراجنة، لبنان. (المصدر: أرشيف بديل) صورة توضح معالم احدى حارات مخيم برج البراجنة، لبنان. (المصدر: أرشيف بديل)

بقلم: أحمد مفلح*

يُثير هذا العنوان إشكالية بنيوية في شأن أحوال أبناء المخيمات ومؤسساتهم المدنية: هل كان يدور في خلد أعضاء دائرة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في المجلس الوطني الفلسطيني، خصوصاً في دورته الحادية والعشرين، التي عقدت في عام 1969 (مع اتفاقية القاهرة بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة اللبنانية)، أن اللجان الشعبية قادرة على رعاية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كلها، باعتبار أن دور هذه اللجان الشعبية المحلية يتمثل في الاهتمام بقضايا أبناء المخيم ورعاية مصالحهم الاجتماعية، والصحية، والاقتصادية، والتعليمية، والثقافية وتثبيت حقوقهم المشروعة حتى تحقيق العودة، وذلك بالتعاون مع الدولة اللبنانية، وتكون رقيبة أيضًا على أعمال الأونروا وخدماتها؟

نظريًا، كان هذا الهدف عند تأسيس هذه اللجان، وعند إدخالها في اتفاقية القاهرة لتنظيم أحوال المخيمات ومعيشة أهلها، باعتبارها مناطق جغرافية بسلطات محلية شبيهة بعمل البلديات. واستمر هذا الأمر والدور طوال أكثر من عقد من الزمن (عقد السبعينيات حتى عام 1982، حين خروج المنظمة من بيروت). وبغض النظر عن كيفية تشكيل هذه اللجان وجدية عملها، لكنها كانت موجودة وناشطة ومحترمة ومهيوبة نسبيًا من أبناء المخيمات والدولة اللبنانية ويُحسب لها حساب عند الأونروا، خصوصًا في مستوى تقديم الخدمات وبعض القضايا السياسية التي تمس القضية الفلسطينية والمقاومة (فرض تعليم تاريخ وجغرافية فلسطين، رفض الخريطة التي تدل على اسرائيل بدلًا من فلسطين، رفض اعتبار المقاومة إرهابًا ...إلخ)، لكن لم تصل هذه اللجان الشعبية إلى مستوى المرجعية الحقة المنتخبة ديمقراطيًا من قبل أبناء المخيم، حيث كانت تضم بعض الوجوه المشهود لها بالنزاهة والمكانة الاجتماعية، وكانت الفصائل الفلسطينية هي الجهة التي ترشح هؤلاء الاعضاء، وتحديدًا فتح، وكان يؤتى بالأعضاء من الفصائل الموجودة من خلال فرز عضو أو أكثر من كل فصيل.   

أما عمليًا، وتحديدًا عندما باتت الحاجة ملحة لمثل هذه اللجان لرعاية شؤون أبناء المخيمات، خصوصا بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، باتت هذه المخيمات عرضة للقتل والتدمير والانتقام والتعسف القانوني والإداري والاجتماعي والإنساني. أُفرغت هذه اللجان إلا من هياكل تنهشها المنظمة وأجهزة المخابرات اللبنانية والسورية، الأمر الذي أفرغ هذه اللجان الشعبية من مضمونها ودورها الرقابي والسياسي والأمني والخدماتي، اضافة الى دورها في التواصل مع الدولة اللبنانية ولو بالحد الأدنى، خصوصًا أن المرجعية الفلسطينية مفقودة، ما يعني غياب الرقابة والمساءلة عن عمل هذه اللجان، الامر الذي ابقاها رهن أمزجة الفصائل المهترئة والضعيفة.

 
وقد أدى غياب الرقابة هذا الى افلات الأونروا من الرقابة التي من المفترض ان تمارسها هذه اللجان، وإن كانت شكلية، الا انها كانت تحمل بعض الضوابط الخدماتية والسياسية. وقد ادى هذا التراجع في اداء اللجان الشعبية لأدوارها الرقابية الى تراجع الخدمات وتفشى الفساد وتوظيف الفاشلين، وتدنى مستوى التعليم في مدارس الأونروا، وفلسطين على الخريطة باتت إسرائيل، والمقاومة إرهابًا... ولا رقيب ولا حسيب، فسعر أعضاء اللجان الشعبية غير المنتخبين، والذين لا يمتون للمخيم بصلة أو نسب معروف عند الأونروا.
 
أفقد مجموع هذه التراجعات وضعف اللجان الشعبية احترامها ومكانتها ودورها وأعضائها لدى سكان المخيمات، حيث باتت كابوسًا غير أخلاقي تنتشر منه رائحة الفساد والفضائح والرشاوى والتآمر. فانتفى مبرر وجودها تجاه السلطات الرسمية اللبنانية وتجاه الأونروا والمؤسسات الاجتماعية والمدنية وحتى السياسية، وتجاه الآهلين من أبناء المخيم أنفسهم، حيث نستطيع الجزم أن أكثر من 95 في المئة من أبناء المخيم، أي مخيم، يعتبرون أن اللجان الشعبية لا تمثلهم ولا تعنيهم ولا يلجأون إليها في حل مشكلاتهم، هذا في الوقت الذي يتوق فيه هؤلاء الناس إلى مرجعية وسلطة محلية ترعى شؤونهم وتكون رقوبا على استفحال تراجع دور الأونروا وتقديماتها، وتكون همزة وصل محترمة مع الدوائر الرسمية اللبنانية لتسوية أوضاعهم وشؤونه الإدارية والأمنية والمعيشية.

 
يثير واقع هذه اللجان الشعبية في مخيمات لبنان إشكالية أخرى: كيف يعيش عشرات الألاف من الناس في رقعة جغرافية لا تزيد أحياناً على كيلومترين مربعين من دون مرجعية وسلطة محلية ترعى أمنهم وشؤونهم؟ وهذه قضية لافتة، إذ إن نسبة الجريمة في هذه التجمعات تكاد تكون في أدنى مستوى نسبة إلى باقي القرى والمدن اللبنانية، إن لم تكن أدناها بالمطلق. فلولا المشكلات الأمنية ذات الطابع السياسي لوجود عصابات هم في أكثريتهم المطلقة من خارج المخيمات، وأحياناً غير فلسطينيين، لما وجدت قضية أو مشكلة في هذه المخيمات وجوارها، ولا نستبعد أن تكون بعض هذه المشكلات وتسهيل دخولها إلى المخيمات مقصودة لتبقى بؤرة ومحركًا أمنيًا وعنصرياً يُثار في وجه الفلسطيني لصرفه في مشروع سياسي واقتصادي أكبر، ولتغطية وتبرير غياب القانون وهيبة الدولة في مناطق أخرى.

 
الإشكالية الأصعب هنا هي جدلية السلطة الأمنية لهؤلاء الدخلاء على المخيم، وغياب اللجان الشعبية الفاعلة التي يفترض بها صون الناس ورعايتهم. فغياب تلك المرجعية المحلية للفلسطينيين في لبنان من منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية نفسها، أدّى إلى تسلّط هؤلاء الدخلاء، وتسلّطهم المأجور نفسه منع قيام اللجان الشعبية المطلوبة والقادرة على رعاية الناس، فتركت المخيمات وأهلها لقدر حفنة من الفاسدين والمفسدين والخارجين على القانون والإرهابيين الأغراب.
 
استغلت الأونروا كالعادة غياب هذه المرجعيات فقلصت خدماتها، كماً ونوعاً، وأفسدت مناهج التعليم ودور المدرسة والانتماء السياسي والهوياتي والوطني، وأفسدت الآهلين برشاوى التوظيف ونوعيته، وباتت تطرح نفسها "مرجعية" للمخيمات، وساهمت السلطات الرسمية اللبنانية باعتبار سجل الأونروا (ما يسمى كرت الإعاشة) وثيقة رسمية لإصدار وثائق السفر والأوراق الثبوتية الرسمية كلها، والسؤال لماذا لا تستخدم السلطات الأمنية نفسها هذا السجل مبررًا للسماح بدخول المخيم والخروج منه؟
 
باختصار شديد، لا يمكن الحديث عن وجود أي دور للجان شعبية في مخيمات لبنان، كما لا يمكن الحديث عن أي مرجعية فلسطينية، فالأمر متروك لتعسف عصابات تفتك بالفلسطينيين وقضيتهم باسم الإسلام تارة، والوطنية تارة أخرى، وعناصر مرتهنة لأجهزة استخبارات مزاجية، وخدمات مرهونة بسياسة مدير الأونروا أو مفوّضها الذي بدوره يجهد ويُمعن في شطب اسم فلسطين من عقول الأجيال وقلوبهم وثقافتهم، وإعلام تافه يتربص بأدنى خلاف أو خروج عن القانون لتصويره إخلالاً بالأمن الوطني ونزوع للتوطين، فيسقطون إنسانية الفلسطيني وحبه الحياة وأحلامه وطموحه وحقوقه الوطنية والإنسانية. 
   
---------------------------------------------------------
*أحمد مفلح: باحث فلسطيني مقيم في لبنان