الشهيد القائد صلاح عبد ربه: لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة

الشهيد القائد صلاح عبد ربه: لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة

بقلم: عيسى قراقع*
  
رحل الى مثواه الاخير المناضل والمفكر المناضل صلاح عبد ربه (ابو عصام) ابن مخيم الدهيشة للاجئين، تاركاً وراءه ذكريات مشتعلة، وأمامه خطوات واسعة نحو فجر آخر يطل على المعذبين الصابرين تحت صفيح المخيمات.
 
رحل الرجل الذي كان خريطة ناطقة بالامكنة والاشخاص والاسماء والذكريات.
 
رحل الرجل الذي كان يتابع تفاصيل التفاصيل عن غدنا وذخيرتنا، كأنه يعيش أبداً معنا وفينا وفي الاجيال القادمة.

رحل الرجل الذي كان سؤال الحرية والحياة والعودة سؤاله الابدي، ذاكرته تنمو شجرة هناك في يافا، وجسده بقي ظلاً على زيتونة البدوي القديمة هنا في قرية الولجة مسقط رأسه وطفولته وكوشان ميلاده.
 
رحل الرجل الذي واصل من مخيم الدهيشة، ومن حارات وأزقة المخيمات البائسة الدفاع عن سيرة عُشبنا وخُبزنا فوق ارضنا، وعما تبقّى فينا من أرض وسماء.
 
ها نحن نسمعه على الأرصفة وفي الشوارع وفي صدى الكون، ها نحن نسمعه في المظاهرة وفي غرفة السجن وفي غرفة الصف وهو يُقسم قبل ستين عاماً مع المرحوم خليل زقطان.
 
قسماً بجوع اللاجئين
وعري سكان الخيام
لنصارعن الموت
من اجل الوصول الى المرام
 
الشهيد القائد ابو عصام لم يترجل، وهو صديق الفقراء ورفيق العاطلين على العمل، الحيوي كرشقة حجر، خاض حرب الذاكرة ضد النسيان، وحرب الارادة والجوع ضد السجان وهو ينادي على الأسرى من صحراء سجن النقب:
يا نقب كوني إرادة
كوني مجدا وريادة
كوني سيفاً
كوني درساً
من دروس الانتفاضة
 
وها هم اصدقاؤك الأسرى يرددون معك هذا النشيد وهم يخوضون إضراباتهم الملحمية من أجل الكرامة والحرية، يهزون الأسلاك، بلال الكايد، محمد ومحمود البلبلول، وآلاف الأسرى والأسيرات يرسلون لك التحية ويهتفون معك: نعم للجوع ولا ألف لا للركوع.
 
لا زالت توصيات وقرارات مؤتمرات اللاجئين التي اشرف على عقدها صلاح عبد ربه في كل محافظات الوطن على طاولة مكتبه، ومن خلالها تسمعه ينادي ويحذر من الموت السياسي لقضية اللاجئين، رافضاً أن يرحل من اسمه وهويته وبئره الاولى.
 
وحملنا الشمس فجرا
لا لأنماط الابادة
ورشفنا الحرّ كأساً
وعشقنا الرمل همساً
وحلمنا الليل عرساً
دولة ذات سيادة
 
وقد اشتعلت الانتفاضات في وجه المحتلين والمستوطنين والجلادين، وأبو عصام أصبحت لغته على الاشجار دانية، الشاهد على الحضور والغياب والتمرد على الذل والاستكانة. كان شهيداً حياً وحياً شهيد مضرجاً من الوريد الى الوريد.
 
لقد أنجز الشهيد القائد ابو عصام حق العودة بطريقته الخاصة منذ أن أعلن أنه لا يريد الموت في مكان آخر، يموت واقفاً حراً تحت علم فلسطين، يمزق كرت الاعاشة وثوب العبودية، خطاه الى القدس عاصمة فلسطين، يمدّ يديه الى ملح البحر المتوسط متوحداً في إنسانيته وجغرافيته وطلقته ورسالته، وهو الذي أسس اتحاد عد الرياضي، وحدة اللاجئين والمخيمات، وأنشد لنا بروح الوحدة الوطنية:
 
عدّنا شراعنا
ونحن له سفينا
 
لازلنا نراه يُعبئ الناس بذخيرة الوعي الانساني والقانوني لحق العودة المقدس، يجمع الحجارة وحبات التراب وقطوف العنب، يواجه الفاشية الإسرائيلية المتصاعدة تطرفاً وعنصرية وعدواناً، يفرش جسده على الأرض مقاوماً سياسة تطهير المكان والذاكرة من الوجود الشرعي للشعب الفلسطيني.
 
كم شهيداً قال مرحى للشهادة
هاهم اطفال الحجارة يشعلون الارض ناراً
صوتهم جاء جهاراً
ثورة تحيي البلاد
 
ينتفض أبو عصام مع سكان المخيم، يهدمون السياج الذي أحاط به، يحطمون البوابات الحديدية، ينزل مع اللاجئين الى الرصيف وأبعد أبعد، يحمل أسماء القرى المدمرة عام النكبة ويزحف الى أحلامه الجميلات، يتجاوز مفاهيم التطبيع ونظريات الامر الواقع، لا يأبه بالحدود المصطنعة التي تفصل الجسد عن الشجرة.
 
نحن صوت الشعب فصل
ولسيف العز نصل
قلنا لا
لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة
 
أيها الشهيد العظيم، وأنت راحل الآن الى ابديتك، لا أعرف من هو الميت فيك ومن هو الحي، الا بقدر ما أرى ان حياتك قد انتقلت الى الآخرين كما أردتها انت.
-----------------------------------------------------------
*عيسى قراقع: رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين