طباعة

نحو 500 لاجئ فلسطيني في العاصمة الهندية

بقلم: د. ظفـر الإســلام خـــان

قطـــار الشتــات الفلسطينــي يصــل الــى الهنـــد
نيو دلهي- خاص

يعيش اليوم نحو 500 لاجئ فلسطيني في الهند بما فيه 20 معوقاً، وغالبيتهم العظمى هم من الهاربين من جحيم العراق المحتل. يعيشون هنا من يوم الى يوم بدون هدف، وبأعصاب متوترة، يحلمون بيوم يسمعون فيه من مكتب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين هنا بأن الدولة الفُلانية قد قبلت استقبالهم بها كلاجئين.

وبينما تقبل الدول الغربية بما فيها أستراليا ونيوزيلندا ذوي جنسيات أخرى من اللاجئين هنا، مثل العراقيين والصوماليين، لم يُعرف أن أية دولة قبلت بفلسطينيين حتى الآن. وقد وصل الهند غالبيتهم خلال السنة ونصف السنة الماضية إلا أن هناك بعض القدامى أيضا ممن ساقتهم الأقدار منذ عشرة إلى خمسة عشر عاما وهؤلاء قد تزوجوا بهنديات واستقروا في الهند. أما الجدد فقد جاءت الغالبية العظمى منهم من العراق بعد احتلاله حين بدأت الميليشيات الشيعية بقتلهم "على الهوية"، كما أخبرنا أكثر من لاجئ من هؤلاء. وكثير من هؤلاء الفلسطينيين المتواجدين حاليا في عدد من أحياء جنوب دلهى الفقيرة هم من مجمع البلديات في بغداد والتي بناها أحمد حسن البكر لإسكان اللاجئين الفلسطينيين في العراق سنة 1973. وكان يسكن بها عشرة آلاف فلسطيني عند بدء الاحتلال إلا أن أعدادهم الآن قد تدنت إلى النصف وهم ممن لا يملكون المال الكافي ليهربوا إلى خارج العراق حيث أن أقل أجر مطلوب منهم لتزوير جواز سفر عراقي يمكنهم من الخروج هو ألفا دولار أمريكي حسب قول أحد الفارين منهم إلى الهند.

التقينا في حي "فسنت كونج" بجنوب دلهى بأحمد محمود يونس - مواليد 1952 ببغداد - الذي كان أبوه قد هجر إلى العراق من فلسطين سنة 1948 على أمل أن يعود إلى بيته بعد أسابيع حين تهدأ الأوضاع إلا أنه لم يتمكن من ذلك حتى مات في العراق قبل سنوات. عمل أحمد محمود يونس 30 عاما في وزارة الأشغال العامة العراقية وكان رئيس قسم تصليح المياه قبل فراره من بغداد. وحسب قوله، بدأت مشكلته بعد سنة من الاحتلال حين اشتد عود "جيش المهدي" فبدؤوا يهددون الفلسطينيين ويأمروهم بالخروج من العراق وإلا فسيقتلوهم. وأخذت الأسرة هذه الأمور مأخذ الجد حين دسوا رسالة مطبوعة ومصحوبة برصاصة تقول للأسرة أن مصيرها القتل ما لم تخرج من العراق. وهنا، قرر أحمد محمود يونس أن يرسل ابنه (علاء) إلى الخارج واتفق مع مُهرب عراقي كردي أن يأخذه إلى نيوزيلندا مقابل 7000 دولار أمريكي.

تولى المُهرب تدبير جواز سفر عراقي مُزور إلى جانب الأوراق الأخرى وخرج مع علاء وآخرين متجها حسب قوله إلى "نيوزيلندا"، إلا أن المُهرب جاء بهم إلى الهند حيث أخذ منهم بقية المبالغ المتفق عليها والجوازات بحجة الحصول على تأشيرات لهم من السفارة المعنية ثم اختفى بدون رجعة إلى اليوم، تاركاً هؤلاء في أرض مجهولة لا يعلمون بها أحد. كان هذا في شهر آذار من عام 2006. وهنا تقدم علاء إلى مكتب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين الذي سجله وآخرين معه كلاجئين وأعطاهم أوراق ثبوتية بأنهم ممن قبلت بهم الأمم المتحدة كلاجئين وذلك لكي لا تتعرض لهم السلطات الهندية ولا ينتهي بهم الأمر إلى السجن هنا.

وفي هذه الأثناء، تدهورت الأوضاع أكثر في العراق فلم يجد الأب أحمد محمود يونس بدا من أن يأتي إلى الهند في كانون أول 2006 مع زوجته واثنين من أولاده وبنته لينضموا إلى علاء وهم الآخرون تقدموا بطلبات إلى مكتب الأمم المتحدة الذي قبل بهم كلاجئين وبدأ يصرف لهم معاشات ضئيلة لا تكف لسد أبسط حاجات الحياة وهى عبارة عن 2245 روبية (56 دولار) لرب الأسرة و 750 روبية (18 دولار) لكل فرد من التابعين له من زوجة وأبناء وبنات. وهذا المعاش المتواضع لا يستمر الا للشهور الستة الأولى فقط بعد الاعتراف بهم كلاجئين ثم يتم تخفيض المبلغ إلى 1400 روبية لرب الأسرة و600 روبية للأفراد الآخرين. وغني عن البيان أن هذا المبلغ لا يكفي لإعاشتهم هنا ولو لأسبوع واحد.

يقول أحمد محمود يونس أن جزءاً آخر من أسرته محتجز حالياً في مخيم للفلسطينيين من العراق والذين يتواجدون حالياً على الحدود العراقية السورية. وهم يحملون وثيقة سفر عراقية إلا أنهم أتوا إلى الهند بجوازات عراقية مُزورة وبتأشيرات هندية سياحية. وكان مكتب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين هنا قد اعترف حتى 31 تموز الماضي بـ 153 فلسطينيا كلاجئين بصورة رسمية.

يحصل أحمد محمود يونس من مكتب الأمم المتحدة على مبلغ 5800 روبية (145 دولار) شهريا له ولكل أعضاء أسرته، يدفع منها 5000 روبية إيجاراً للشقة التي يسكنها بضاحية متواضعة وهو بيت يبدو خالياً من أي أثاث وتسهيلات الحياة العصرية ما عدا الكهرباء والهاتف الجوال. وحتى هذا المبلغ يعطى فقط للذين يعترف بهم مكتب الأمم المتحدة للاجئين الذي يتريث نحو 6-8 أشهر قبل الاعتراف بأي شخص "لاجئاً" بصورة رسمية. ففي البداية يقوم اللاجئ بتعبئة استمارة وتعهد من صفحتين ثم يتم استجوابه بدقة من قبل ضباط الأمم المتحدة وحين يتأكدون من صحة ما يقول يعطونه ورقة بيضاء تحمل اسمه وصورته وشهادة بأنه تقدم بطلب اللجوء ثم بعد شهور أخرى يعطونه ورقة زرقاء تقول بأنه لاجئ معترف به لدى الأمم المتحدة وهنا فقط يبدأ المكتب في صرف المبالغ الشهرية الزهيدة للاجئ والتابعين لأسرته.

وقد بدأ الفلسطينيون، مثلهم مثل العراقيين، يتقاطرون على الهند عن طريق سوريا منذ نحو سنتين إلا أن أعداداً كبيرة منهم بدأت تدخل منذ آذار الماضي حسب مصدر في مكتب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين. وهم لا يعانون من الغربة فقط بل ومن قلة الأموال وعدم معرفة لغة البلد وعاداته. وهم يقولون أن المجتمع الهندي لا يقبلهم ولعل السبب في ذلك أنهم يعيشون في أحياء الهندوس الذين لا يأكلون اللحم ويتجنبون حتى البصل ولا يختلطون بالأجانب.

وتوجد في الهند "سفارة" فلسطينية وهي - على حد قول هؤلاء اللاجئين - لا تتصل بهم مطلقاً ولا تساعدهم بل وقد منعهم مسؤولون في السفارة من الاتصال بها قائلين لهم: "أنتم لستم فلسطينيين". وحسب قول أحدهم: "عندما ندق باب السفارة يخرج لنا موظف فلسطيني أو هندي ويمنعهم من الدخول قائلاً: ليس لكم شيء هنا، اذهبوا إلى مكتب الأمم المتحدة".

يقول "أبو علي" – 47 سنة - وهو لاجئ فلسطيني جاء إلى الهند من مصر في حزيران 2006 أنه عندما واجه عدم اكتراث موظفي السفارة الفلسطينية. وقصة "أبو علي" هذا صورة مصغرة لما يعانيه اللاجئ الفلسطيني اليوم من نكران. فهو جاء إلى مصر من غزة في السبعينيات للدراسة ولم يستطع العودة. وأخذ يعمل كسائق تاكسي في مصر وتزوج هناك. وفي سنة 1997 استخرج تصريحاً لزيارة غزة مع أهله وفي قلبه نية ألا يعود إلى مصر ويبقى في غزة بعد انتهاء فترة الزيارة. وحين اجتاز المعبر المصري في رفح ووصل إلى المعبر الإسرائيلي سمح الضباط الإسرائيليون لأسرته بالاجتياز ومنعوه رغم أن كل أفراد الأسرة يحملون تصريحات من نوع واحد. وهكذا عاد أبو علي إلى المعبر المصري الذي رفض السماح له بالعودة إلى الأراضي المصرية لأنه لم يكن يحمل تأشيرة عودة إلى مصر حيث كان ينوي الاستقرار بوطنه غزة ولو بصورة غير قانونية. وبعد أيام من الحبس في المعبر المصري رق له قلب أحد الضباط فساعده على الهرب.

وهكذا وصل أبو علي مرة أخرى إلى مصر وبصعوبة تمكن من الحصول على إقامة "سائح" تم تغييرها لاحقاً إلى "إقامة سياحية" يتم الحصول عليها بعد تحويل 1800 دولاراً سنوياً بواسطة بنك بمصر. واستمر أبو علي يسكن بمصر على هذا المنوال إلى سنة 2001 حين رفضت إدارة الهجرة المصرية تمديد إقامته السياحية وطلبت منه الخروج من مصر. وكان أبو علي يمر بكل هذا بينما زوجته تعيش بغزة وكانت حاملاً حين دخولها غزة فوضعت مولودها هناك في غياب زوجها وأسمته "عليا"، الذي بلغ الآن 10 سنوات من العمر بدون أن يرى والده.

في هذه الأثناء دخل أبو علي السجن مرات عدة ولفترات متفاوتة إلى أن جاء يوم 15 ايلول 2005 حين انسحبت إسرائيل من قطاع غزة وقامت حركة حماس بنسف الأسلاك الحدودية، وهنا حاول أبو علي التسلل إلى غزة مرتين وفي كل مرة قامت دوريات حرس الحدود المصرية بالقبض عليه وإعادته إلى سيناء. وأخيراً في 9 تشرين الأول 2005 تمكن أبو علي مرة أخرى من الوصول إلى رفح وحاول التسلل إلى غزة عبر الأسلاك في الساعة الثانية ليلاً إلا أن حرس الحدود المصري شاهده وأطلق عليه النار فجرحت رجله. ثم اعتقل وقدم لمحكمة عسكرية قضت بسجنه شهراً واحداً وغرامة ألفي جنيه، وكان هذا حكماً مخففا للغاية لمثل هذه "الجرائم" على حد قول أبو علي. ثم أرسلوه إلى قسم أمن الدولة في العريش ومنها إلى القاهرة حيث قرر المسؤولون ترحيله من البلاد.

وهنا بدأ أقاربه في مصر في زيارة السفارات إلا أن أية سفارة لم تقبل بإعطائه تأشيرة دخول، وفي النهاية نجحت مساعيهم مع السفارة السودانية التي أعطته تأشيرة سياحية لمدة شهر. ثم بدأت إجراءات ترحيله إلى السودان فأخذته الشرطة مقيدا بالقطار إلى أسوان ومنها إلى وادي حلفا بالباخرة عبر النيل. إلا أن المسؤولين السودانيين على الحدود رفضوا السماح له بالدخول محتجين بأن لديه تأشيرة سياحية لمدة شهر ولكنه لا يمتلك تأشيرة لبلد آخر أو تأشيرة عودة إلى مصر وبالتالي سيبقى في السودان قائلين أنهم لا يريدون لمصر أن تصدّر مشكلاتها إلى السودان.

وهكذا أعيد أبو علي مرة أخرى إلى القاهرة مقيدا ومنها إلى سجن القناطر. وهنا التقى بهندي إسمه "جون" كان مسجوناً واقترح عليه أن يسعى للحصول على تأشيرة هندية. وهنا توجه أقارب "أبو علي" إلى السفارة الهندية ونجحوا في الحصول على تأشيرة سياحية له لمدة ثلاث أسابيع لا غير. ثم أقتيد أبو علي إلى باب الطائرة الإماراتية التي أقلته إلى بومباي في 18 حزيران 2006.

وجد أبو علي نفسه في بلد لا يعرف به أحداً ولا يعرف تقاليده ولا لغته. وأخذ يهيم في الشوارع هنا وهناك وأخيراً أشار عليه البعض بأن يذهب إلى العاصمة الهندية حيث توجد سفارة فلسطينية. واستقل أبو علي القطار الذي أوصله إلى دلهى في 5 تموز 2006، متوجها إلى السفارة الفلسطينية وكله أمل ورجاء أنها ستأخذ بيده وستساعده في هذا البلد الغريب. إلا أنه فوجئ بهم يقولون له: لا يوجد بيدنا شيء، وعليه التوجه إلى مكتب الأمم المتحدة للاجئين. لم يصدق أبو علي ما رآه وسمعه ولكنه خرج من أوهامه بعد قليل وخرج من السفارة متوجهاً إلى مكتب الأمم المتحدة حيث قام بتعبئة الطلب وبعد شهور تم استجوابه على أيدي الضباط ومضت شهور أخرى حتى تم الاعتراف به كلاجئ رسمي وأعطيت له ورقة زرقاء من مكتب الأمم المتحدة وبالتالي أصبح في وسعه أن يبقى في الهند بصورة رسمية إلى أن تقبل به دولة أخرى. حاليا، يعيش أبو على في حجرة على السطوح ببلد لا يعرفه به أحد وهو ممنوع من ممارسة أي عمل أو قبول أي وظيفة بينما المعاش الذي يحصل عليه من مكتب الأمم المتحدة لا يكفيه أسبوعاً.

مثل هذه المشاكل الغريبة، كثيرا ما تسمعها لدى مصادفتك لأي من هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين. أحد الشباب الفلسطيني الذي استقر به الحال في الهند قد تكون اغرب من قصة أبي علي. تعود أصوله الى قرية الطيرة، التي هجر منها والده في العام 1948، ومنها هجر الى مصر حيث عمل بإذاعة القاهرة مذيعاً في القسم العبري ثم ساقته الأقدار ليذهب إلى ليبيا حيث عمل بوزارة الإعلام الليبية وبوكالة الأنباء الليبية مترجماً للغة العبرية. كان والده من الذين أصيبوا بإجراءات العقيد القذافي الصارمة بحق الفلسطينيين عقب معاهدة أوسلو إلا أنه لا يزال بليبيا مع أسرته. في هذه الأثناء أخذ أحد أبنائه - مهندس زراعي - يتصل بذويه من العرب داخل الخط الأخضر عن طريق البريد الألكتروني. وقرر الزواج من ابنة عمه، وهي مدرسة علم نفس، وهي من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. كان هذا من أصعب القرارات التي إتخذها في حياته، حيث أن إبنة عمه تحمل جواز سفر إسرائيلي بينما هو يحمل وثيقة سفر فلسطينية من قطاع غزة. وفيما تستطيع إبنة عمه السفر الى معظم أنحاء العالم وحتى إلى عدد من الدول العربية، فإنه لا يستطيع بوثيقة سفره أن يسافر حتى الى الدول العربية، التي ترفض إعطاء التأشيرات لحملة مثل هذه الوثائق التي لا تكفل لحامليها سوى حق العيش بداخل الدولة التي أصدرت تلك الوثيقة. إلا أنهما تجاهلا كل هذه الحقائق، فخرجا الى تونس وتم عقد الزواج، وقررا أن يهاجرا الى الهند حيث يمكن لهما أن يعيشا معاً إلى أن يجدا طريقاً إلى بلد أوربي أو أستراليا ونيوزيلندا. وهكذا جاءا إلى الهند بحجة الدراسة وسرعان ما قدما طلباً إلى مكتب الأمم المتحدة للاعتراف بهما كلاجئين وأخيراً تم الاعتراف بذلك بعد صعوبات. حاليا يعيش الزوجان في هذا البلد لا يعرفهما به أحد ولا مورد رزق لهما به.

________________

الدكتور ظفر الإسلام خان هو صحفي وباحث هندي، ورئيس تحرير صحيفة "ملي غازيت" الهندية، ومدير معهد الدراسات الاسلامية والعربية في نيو دلهي.