الانقســام الفلسطينــي وأثــره علــى حقــوق اللاجئيـن الفلسطينييــن

بقلم: تيسيــر نصــر الله وأنــور حمـــام

منذ ما يقارب السنتين، والحالة الفلسطينية تعيش صراعا محموما على السلطة. توّج هذا الصراع بالحسم العسكري والسيطرة على قطاع غزة، ووصف هذا الحسم أو الانقلاب بـ "الدموي" من قبل حركة فتح، و "الاضطراري" من قبل حركة حماس، وما نتج عنه من انقسام في بنية النظام السياسي الفلسطيني، وانقسام في الجغرافيا والهوية والمرجعيات والرؤى والمواقف والتوقعات والتصورات.
لقد جاء الانقلاب - السيطرة في ذروة إحياء أبناء الشعب الفلسطيني الذكرى التاسعة والخمسين للنكبة، والذكرى الأربعين لاحتلال الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ليعطي إشارة سيئة الدلالة في هكذا توقيت، بل ليتم  الحديث عن نكبة جديدة بدأت معالمها تنجلي، ولكن هذه النكبة كانت على يد الإخوة أنفسهم.
 

الإطــار العــام للانقســام

منذ "أوسلو" والمجتمع الفلسطيني يعيش ثنائية حادة واستقطابا محموما، بين توجهين وفصيلين وفهمين ومنطلقين ورؤيتين. هذه الثنائية الاستقطابية شكّلت عائقا حقيقيا أمام أي محاولة لقراءة تحليلية للواقع، من خلال استبعادها لفصائل وقوى وشرائح ورؤى أخرى كانت ولا تزال فاعلة في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الفلسطيني، وهذه الثنائية المعبّر عنها بمقولات متعددة "كنهج التسوية – نهج المقاومة"، و"السلطة – المعارضة"، و"الاسلامي – العلماني"، و"فتح – حماس"، و"الفساد – الاصلاح"، و"الاستسلام- الممانعة"، "العقلاني والمتنور- الغيبي والظلامي"، و"رايات خضراء – رايات صفراء"، دفعت هذه الثنائيات نحو صراع حاد وانقسام ومحاولات إقصاء وتشويه ورفض للآخر، وانعكس ذلك سلباً على ازدواجية الخطاب السياسي الفلسطيني، والتمثيل، والمنافسات من أجل إثبات قدرة كل طرف على ضرب الطرف الآخر. وهذا ما يعزز نظرية أن "أوسلو كاتفاق" عززت مفهوم الانقسام والتصادم الداخلي (الذي يأخذ مستويات مختلفة بين التيارين) لإثبات المكانة والقوة والنفوذ داخل المجتمع عبر محاولة كل طرف تأكيد حضوره الجماهيري في الشوارع، أكثر منه " صراعا على برامج"، وتجلّى هذا الاستقطاب الثنائي في صراع محموم لإثبات تمثيل كل طرف لأكبر قطاعات المجتمع عبر انتخابات مجالس الطلبة والنقابات والجمعيات والمؤسسات والاتحادات الشعبية، وصولا إلى صراع طال كل المقدسات "بالتخوين والتكفير والإقصاء والاستبعاد". هذه الثنائية ساهمت على نحو سلبي بخلق منافسة، واستقطاب، وتعميق الفجوات، وتوتير الأجواء، والريبة وعدم الثقة وغياب مفاهيم التسامح، وشيوع التحريض والنزعة الإقصائية وتجريد الآخر من الشرعيات وخصوصا الشرعية الوطنية التي تمنح عادة من جملة مصادر، أهمها التاريخ النضالي والتضحيات، ومدى الالتفاف الجماهيري، واخذ شكل الانقسام في سيطرة كل طرف على جملة من المؤسسات التي تعمل بشكل فاعل على تعزيز توجهاته، على حساب الطرف الاخر. فحركة فتح خلقت جسما بيروقراطيا مهولا عبر تعيينات لا حصر لها للكوادر الفتحاوية في مؤسسات السلطة وأجهزتها الأمنية ومؤسسات منظمة التحرير ودوائرها، ولعبت الصحف والتلفزيون والراديو الرسميين دورا بارزا في الترويج لهذا القطب، وتعزيز مكانته " كحامي للمشروع الوطني الفلسطيني" وللقرار الوطني الفلسطيني المستقل. في حين أن حركة حماس سيطرت على شبكة واسعة من الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة، وسيطرت على مؤسسات "تتخذ أشكالا تعبوية دعوية محورها المسجد والمؤسسات والمنابر الاجتماعية المختلفة" وصحف وراديو محلي وتلفزيونات ومواقع الكترونية كلها كانت في خدمة التوجهات الهجومية على سلطة فتح باعتبارها سلطة فساد، وتنازل، وفشل في إدارة حياة الناس، وبدت حماس كتيار إسلامي أكثر تمسكا بالديمقراطية "باعتبارها الطريقة الوحيدة الممكنة للوصول للسلطة".

الأخطر في هذه الثنائية الاستقطابية هو تراجع مكانة التعددية السياسية، فبقصد او بدون قصد تم تهميش باقي التوجهات والقوى الأخرى. وهذه الثنائية احتكرت قرار السلطة والمعارضة في آن واحد. فقوى اليسار وجدت نفسها خارج اللعبة تماما، فمن جهة هي لا تشارك في قيادة النظام السياسي الرسمي أو السلطة، عدا بعض الارضاءات التي حصل عليها حزب الشعب والنضال الشعبي وفدا من تعيينات ووظائف على نحو محدود لم ترتقي لموقع التأثير في القرار السلطوي، وفي الوقت ذاته بقيت قوى اليسار المعارضة لاوسلو كالجبهتين الديمقراطية والشعبية لا تملكان زمام المبادرة بخصوص قرار المعارضة الفلسطينية الذي احتكرته حماس. إن هذه الوضعية أوجدت خللاً بنيويا في بنية الحقل السياسي الفلسطيني، الذي فرض انسدادا لا بد من التغلب عليه إذا ما أريد لحياة سياسية ديمقراطية حقيقية أن تتمخض عن مشاركة سياسية.

تراجــع مكانــة حــق العــودة

كان للانقلاب الذي قادته حماس تأثير مباشر وعميق على مجمل الخطاب الفلسطيني، ومنها ما يتعلق بقضية اللجوء والعودة. فلا أحد يتحدث اليوم إلا عن موضوعات الانقلاب والاعتداءات والاعتداءات المضادة، ولا يتم الاستماع إلا لحملات التشهير والفضائح والأكاذيب والتشويهات والافتراءات من هنا وهناك في محاولة يائسة لطمس الآخر الفلسطيني. لم يعد الاهتمام بحق العودة باديا للعيان، وكأن الحديث عن العودة أصبح جزءً من الترف الفكري في ظل هذه الأجواء الملبدة بالأحقاد الداخلية وطغيان الصراع الداخلي على الصراع مع الاحتلال.

ولعل من المؤشرات البارزة لتراجع مكانة حق العودة بسبب الانقسام والانقلاب ما نلمسه في هشاشة المشاركة الشعبية في مهرجانات النكبة التي تم تنظيمها في مختلف مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، بل أن هناك مناسبات تخص اللاجئين والمخيمات قد مرت مرور الكرام دون تذكرها كوعد بلفور ومذبحة صبرا وشاتيلا ومذبحة دير ياسين، ويوم اللاجئ والمخيم الفلسطينيين ويوم اللاجئ العالمي.

أثــر الانقســام علـى حـق العــودة

منذ سنة ولغاية الآن، نعيش جملة من الأحداث التي تخص بشكل مباشر قضية اللاجئين وحركة العودة، ولكن الأحداث الفلسطينية الداخلية والدم الذي سفك كان ملفتا للانتباه أكثر من هذه الاحداث.

أولا: أحـداث نهــر البـــارد

دُمّر مخيم نهر البارد في لبنان على رؤوس أصحابه حجرا حجراً، وقتل من قتل وشُرّد من شُرّد. والمُحزن والمُفجع أن التواطؤ الفلسطيني (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار) قد خيّم على المشهد برمته، وأعطى الشرعية للمهاجم كي يُهاجم وبالشراسة التي شهدناها، وروايات وحكايات تداولها اللاجئون حول حقيقة ما حدث ويحدث داخل المخيم، بين متحدث عن المؤامرة وأن ما حدث ما هو الا مقدمة لتصفية بقية المخيمات، وبين مُشرعن للإجراء باعتبار أن هنالك عصابة كانت ستزعزع استقرار البلد المضيف وتقيم دولة سنيّة في الشمال اللبناني، ومواقف فصائلية متصيدة للآخر الفصائلي الفلسطيني. والتصيد كان بالتعبيرات، أما العمق فكان الجميع موافق ومؤيد وشريك على نحو ما.

تدريجيا غاب ما يحدث داخل المخيم أمام ما كان يحدث على أرض غزة من اقتتال وخطف وتدمير واشتباكات وقضم للشرعيات والمكانه والهوية والانتماء، وأصبح نهر البارد قضية مؤجلة وهامشية في الوعي الفلسطيني الذي سيطر عليه الانقسام وتناقض الروايات والتحول التدريجي للصراع من صراع مع الاحتلال الى صراع محموم على سلطة هشة وغير موجودة الا في أذهان المتصارعين.

ثانيا: اللاجئـون الفلسطينيـون فـي العــراق

منذ احتلال العراق وشعبنا الفلسطيني اللاجئ هناك يعاني كما لم يعاني أي لاجئ فلسطيني آخر. فهو مُحاصَر بالمليشيات الطائفية التي ضلت الطريق تعمل به قتلا وتشريدا. وبرزت مشكلة المخيمات الحدودية والنقاشات التي دارت وتدور حول ضرورة نقلهم الى بلد ثالث. هذه القضية الحيوية والحسّاسة لم يتم الاهتمام بها مطلقا بل تعرضت للإهمال الرهيب من المستويين الرسمي الفلسطيني والشعبي، ولم يتم النقاش المفترض حول هذه القضية وأبعاد النقل إلى بلد ثالث. وهنا لا أحد يناقش هذه المسائل بعمق من الناحية القانونية والحقوقية، رغم أن خروج اللاجئين الفلسطينيين من العراق أصبح ضرورة لا بد منها، كذلك الأمر حول نقلهم واختيارهم الحر. هناك محاولات لنقلهم للسودان رغم أن هناك اعتراضات واسعة كون السودان بلد لديه مشاكل لجوء لا حصر لها، وليس نموذجا  يحتذى به في حفظ حقوق اللاجئين.

ثالثــا: مؤتمـر الخريــف وآفاق التسويــة

مرة أخرى يعود الحديث عن إمكانيات لبعث الروح في المفاوضات التي تعثرت منذ سنوات طويلة والتي لم يعد أحد يأمل منها شيئا. والحديث عن مؤتمر الخريف وإمكانية طرح قضية خضعت هي أيضا للجدل والروايات المتناقضة والاستخدامات السيئة، فبين توجه يقول بأن المؤتمر سيشكل فرصة لفتح منافذ وامال للحل العادل على أساس الشرعية الدولية، وبين توجه يقول بأن ما حدث ويحدث عبارة عن مؤامرة لتصفية القضية الفلسطينية وعلى رأسها قضية اللاجئين، وفي زحمة الانقسام ترجم الانقسام حول المؤتمر ولكن مرة أخرى دون معالجات حقيقية للقضايا المطروحة الى أجندات المؤتمر.

رابعـا: الذكـرى الستــون للنكبــة ورئاسة اللجنة العليا


من المفترض أن تكون الذكرى الستين للنكبة الفلسطينية حدثا هاما، وتحتاج الى تفكير إبداعي لإحيائها، وتحتاج الى رؤية توحد لا تفرق، وفعاليات تعطي إشارات هامة حول ما يمثله حق العودة لملايين اللاجئين المنتشرين فوق أرض فلسطين والشتات. هذه الذكرى تحتاج أيضا الى شعار وطني كبير تنضوي داخله كل المعاني والفعاليات والرسائل المقصود ارسالها في الذكرى الستين وخصوصا للداخل الفلسطيني ولجموع اللاجئين وللعالم العربي والكون بأسره.

لغاية الآن الإشارة الأكثر سوءً تمثلت بما تردد من تعيين ياسر عبد ربه رئيسا للجنة الوطنية العليا لاحياء ذكرى النكبة، والتي قوبلت باستنكار واسع وشديد من قبل فعاليات ومؤسسات ولجان اللاجئين، وهذا الأمر شكّل ويشكّل رهانا حقيقيا حول مدى قدرة قوى اللاجئين على فرض تصورهم الخاص واستعادة الرئاسة التي فرضت عنوة وبكل وقاحة ودون أي اعتبار لما يمثله عبد ربه ووثيقة جنيف من هبوط عن السقف الفلسطيني فيما يتعلق بحق العودة.

إن معارضة عبد ربه لا تعني على الإطلاق دعما لطرف على حساب طرف في الصراع الدائر والانقسام الحاصل على السلطة، ولكن هذه المعارضة يتم استخدامها على نحو سيئ عبر ترويج ان المنظمة التي يمثلها عبد ربه هي المتنازلة عن حق العودة وأن خصوم المنظمة (حماس) هي المتمسكة بحق العودة.

خامسا: تراجــع السياسـي لصالــح الخدمـاتي


لا أحد منذ الانقسام الذي حدث فلسطينيا يتحدث عن وكالة الغوث وبرامجها، وبل الجديد الذي حصل ان العديد من اللجان الشعبية للمخيمات أصبحت ذات تخصصات خدماتية كتوزيع كوبونات التموين والملابس والتبرعات وتنفيذ المشاريع وبرامج الطوارئ، ونسيت أو تناست الهدف الاساسي الذي أقيمت من أجله وهو الاضطلاع بدور سياسي وتعبوي ولحماية مصالح سكان المخيمات أمام السلطات المحلية (المضيفة) وأمام وكالة الغوث.

سادسا: صــورة المخيــم كمرتـع للجريمـة


بدأت صورة المخيم تتقزم تدريجيا، فالمكانة الاجتماعية ورأس المال النضالي الذي كان معيارا رئيسيا في المراحل السابقة لم يعد كذلك. لقد تم الانتقال لمعايير جديدة ورأسمال جديد اقتصادي وظيفي، فمكانة الإنسان الاجتماعية لم تعد تتحدد في السلم الاجتماعي بعدد المرات التي دخل بها الإنسان السجن أو الإصابة أو الإبعاد أو الاستشهاد لأحد أفراد الأسرة، بل تم الاعتماد على متغيرات جديدة، كالدرجة الوظيفية في مؤسسات السلطة والتي تبنى على الموقع التنظيمي والشهادة الأكاديمية وشبكة العلاقات المصلحية الجديدة، ومدى الاقتراب من مراكز القوة والنفوذ. وفي الكثير من الأحيان الاعتماد على "الفهلوة"، وبدأ ينظر للمخيم (في هذه المرحلة) كمجموعة من الشباب الأقوياء وأصحاب هيبة بحكم تاريخهم النضالي، ولذا تم التركيز على استغلال هذه القوة ليصبحوا "كمستزلمين"، من قبل مراكز القوة داخل السلطة والفصائل التي هي خارج السلطة في آن، وأصبحوا في أحيان كثيرة اليد التي يبطش بها المسئول، أو التي يسعى لتجنبها وتحييدها بضمان تحالف مصلحي معها، إضافة إلى أن بعض شباب المخيمات بدءوا يدركون على نحو سيئ مكانتهم وهيبتهم، وهذا الإدراك قاد أعداد منهم لاستغلال هذه الهيبة وممارسة ادوار تسيء لصورتهم هم أنفسهم أولا ولصورة المخيم ثانياً. ومهما يكن فقد ظلت هذه المرحلة تحافظ نوعا ما على وجود حالة نضالية ولكن بدون فعاليه كبيرة، حيث شهدت هذه المرحلة تراجعا للأدوار التنظيمية داخل المخيمات (الفصائل كانت تحكم المخيمات)، وهذا التراجع يعود للتناقضات التي بدأت تظهر داخل البنى التنظيمية وخصوصا فصائل منظمة التحرير الفلسطينية كالتناقضات بين العائدين والمقيمين، وتناقضات بين القمة والقاعدة، وبين النظرية والتطبيق، وتناقضات عدم القدرة على مواكبة التطورات السياسية والاجتماعية والكونية.

سابعــا: وثيقــة أحمــد يوســف

أثارت الوثيقة التي وقّع عليها أحمد يوسف المستشار السياسي لرئيس الوزراء المقال إسماعيل هنية حول صيغة التسوية التي ترضى بها حماس مع إسرائيل الكثير من ردود الفعل، وعدم الوضوح خاصة في الهدنة المجانية التي طرحتها، وكذلك في النص الغامض حول " صيانة مبدأ حق العودة" وعدم تحديد المكان الذي سيعود إليه اللاجئون، وعدم التطرق لمرجعيات حق العودة المتمثلة في قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 194، وأعتبر ذلك تراجعاً عن الموقف الرسمي الفلسطيني الذي يلقى إجماعاً وطنياً.

ثامنا: المتغيـرات الاجتماعيــة في بنيـة المخيــم

يمكن رصد جملة من التغيرات الاجتماعية التي طرأت على بنية المخيم وتأثيراتها والتي لم يتم النظر لها ومعالجتها لا أكاديميا ولا سياسيا ولا اجتماعيا بحكم طغيان الملف السياسي الذي سيطر عليه الانقسام:

أ. الهجرة الداخلية من المخيم: هناك فئتان من البشر تغادر المخيم للسكن خارجه كلما سنحت لها الظروف. الفئة الأولى وهي الحاصلة على رأس مال أكاديمي، أي شهادات أكاديمية عليا، والحاصلة على وظائف حكومية أو وظائف في مؤسسات خاصة، والفئة الثانية فهي  فئة المالكين لرأس مال اقتصادي والذين تمكنوا من بناء بيوت خاصة خارج المخيم.

ب. الهجرة الداخلية الى المخيم: بدأت المخيمات تتعرض لغزو من فئات ليست لاجئة للسكن فيها. وهذه الفئات في معظمها تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة، بل من أفقر الفقراء، وعمال مياومة، وعمال خدمات، وهذا الأمر اثر على شكل العلاقات داخل المخيم.

ج. الإجراءات الإسرائيلية: قليلون هم الذين يدركون أنه وخلال انتفاضة الأقصى تم القضاء على جيل كامل داخل المخيمات، جيل تم اقتياده نحو القبور والسجون، فقد تم إفراغ المخيمات من الكم الأكبر من الجيل المؤمن بالمقاومة والتضحية، وهذا الإفراغ تم بالتصفيات والاغتيالات والاعتقالات ولا زالت هذه الإجراءات مستمرة.


د. الاكتظاظ  السكاني: المخيم أصبح مكانا لا يتسع للمتواجدين بداخله، والمعادلة التقليدية هي التالي (بقعة أرض ثابتة وسكان متزايدون) والتمدد العمودي للمخيم أصبح يشكّل خطرا على المخيم حيث أن الكثير من البيوت داخل المخيمات لا تقام على أسس هندسية سليمة.

هـ. غياب العمل الجماهيري وطغيان العمل النخبوي: حتى مع بروز اللجان والجمعيات والمنتديات والمؤسسات الخاصة باللاجئين أو العاملة في أوساطهم، هذه اللجان تعمل ضمن برامج ومشاريع ممولة، ومع انتهاء التمويل ينتهي البرنامج أو المشروع، إضافة إلى أن هذه المشاريع يتم فيها انتقاء المشاركين بصورة تضمن الالتزام والانضباط والقدرة على متابعة البرنامج أو النشاط، الأمر الذي يجعل من أعمال هذه المؤسسات مقصورة على فئة دون غيرها، وهذا الأمر أضعف العمل الاجتماعي الطوعي داخل المخيمات والذي كان له ادوار مهمة في حياة المخيم تاريخيا، وكمحدد أساسي لصورة المخيم.

و. تراجع الأدوار التنظيمية الحقيقية لصالح العائلية والعشائرية: فالتنظيمات داخل المخيمات لم تعد تلعب نفس الأدوار الاجتماعية والنضالية والثقافية التي عادة ما ميزتها، وطغت على هذه التنظيمات الامتدادات العائلية، فالموقع التنظيمي أصبح محدد بجملة من المحددات العائلية ومدى امتلاك مصادر القوة.

_________________

تيسير نصر الله هو عضو المجلس الوطني الفلسطيني، وعضو لجنة اللاجئين فيه. السيد نصر الله هو أحد مؤسسي مركز يافا الثقافي التابع للجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين وهو رئيس مجلس إدارته.
أنور حمام هو كاتب وباحث في شوؤن اللاجئين، ومرشح لنيل شهادة الدكتوراة من جامعة تونس الأولى، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية. السيد حمام هو أيضا عضو مجلس إدارة بديل/المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين. وله عدة إصدارات حول موضوعة اللاجئين الفلسطينيين.
قدمت هذه الورقة الى اللقاء السنوي الثامن للائتلاف الفلسطيني لحق العودة، المنعقد في السويد – أوبسالا من 1 إلى 4 تشرين الثاني 2007.