طباعة

مشاريــع تبـادل الأراضــي فــي جيــب اللطــرون: أهدافهــا ومخاطرهــا

                       بقلم:  أحمد حســن أبو غــوش

تحتل قرى اللطرون، عمواس، يالو، وبيت نوبا، موقعا استراتيجيا مهما وسط فلسطين على طريق حيفا القدس. فهي بوابة القدس الغربية وحلقة مركزية على الطرق الداخلية، وطرق التجارة الخاريجية قديما. لذلك حاولت كل القوى الغازية لفلسطين احتلالها والتموضع فيها، ففيها بنى الرومان مدينة كبيرة سموها نيكوبولوس "مدينة النصر" وتمركزت فيها جيوش الفتح الاسلامي، وبنى الصليبيون فيها قلعة محصنة، وأقام فيها الإنجليز مبنى عسكريا. وفي العام 1948 شنّت القوات الصهيونية عليها ستة هجمات متتالية لاحتلالها، وحضر بن جوريون بنفسة إلى مشارف خلدة ليشرف على إحدى تلك الهجمات، وعزز القوات المهاجمة وهي اللواء السابع المكون من ثلاثة كتائب مجربة بقيادة ماركوس (وهو ضابط يهودي أمريكي أحضر ليعزز القوات الصهيونية) وقصفت عمواس بالطيران والمدفعية وفشل الهجوم. وعزز اللواء السابع بكتيبة هرال التي كان يقودها في تلك الأيام اسحق رابين، وعجزت رغم ذلك تلك الهجمات عن زحزحة القوات الأردنية والمجاهدين الفلسطينيي منها. فبقيت قرى اللطرون جيبا في خاصرة الأرض المحتلة سنة 1948، رغم خسارة أهلها لأراضيهم الخصبة الساحلية المحيطة بقراهم.

وفي حرب حزيران 1967 احتل جيب اللطرون صباح السادس من حزيران من قبل اللواء الرابع. فدخلتها القوة المهاجمة دون أية مقاومة. وفي صباح ذلك اليوم دخل الجنود بيوت تلك القرى وأخرجوا سكانها منها تحت تهديد السلاح، وجمعوهم في ساحات القرى، وأطلقوا النار فوق رؤوسهم وأمروهم بالسير نحو مدينة رام الله دون أن يتمكنوا من أخذ أي شيء من حاجياتهم. وبعد أسبوع بدأت جرافات المحتلين بتدمير البيوت، وأغلقت هذه المنطقة بقرار عسكري رقم 97/ لسنة 1967 لأسباب أمنية.

ويكفي أن نذكر أن الوثائق الإسرائيلية كشفت عن وجود خطة معدة قبل حرب حزيران باسم "دوفش" لاحتلال جيب اللطرون، واعترف اسحق رابين رئيس أركان الجيش الاسرائيلي سنة 1967 باعطائه أمرا بتدميرها، وكذلك فعل عوزي نركيس قائد المنطقة الوسطى، أما موشي ديان، فقد ساوم أركان الحكومة الإسرائيلة بموافقته على إرجاع سكان قلقيلية وبيت عوا وغيرها من القرى التي بدأت فيها عمليات تدمير وتهجير بشرط موافقة الحكومة على عدم إعادة أهالي قرى اللطرون إلى قراهم، لنعرف مدى إهتمام القادة الأمنيين بالسيطرة على جيب اللطرون.

بالمقابل، رفض أهالي القرى كل عروض الاحتلال بالتعويض أو التوطين أو التبديل، وقد عرضت عليهم فعلا سنة 1967، وظلوا مصرين على حقهم في العودة إلى قراهم، وأصروا عبر أربعين سنة من التشرد والتشتت واللجوء على أن ما حدث في قراهم  جريمة حرب، وكان الحد الأدنى لمطالبهم، وما زال هو، حقهم في العودة إلى قراهم لإعمارها ، بغض النظر عن آفاق الحل السياسي.

في مواجهة مطالب أهالي القرى العادلة المدعمة بحقهم المعترف به دوليا، استمر المحتلون بفرض سياسة الأمر الواقع، وتغيير معالم القرى الثلاثة بإقامة متنزه عام فوق أرض عمواس، ومستوطنة نفي حورون فوق أراضي بيت نوبا، وشق طريق سريع من وسط قرية عمواس، وهم الآن يبنون خط سكة حديد يمر من أراضي قرية يالو.

السعـي لإقــرار فلسطينـي بهذه الممارســات

قامت سياسة الحركة الصهيونية قبل سنة 1948، وبعدها دولة إسرائيل، على أساس فرض الأمر الواقع وتحصيل اعتراف دولي به، ثم العمل على إقرار الأمة العربية والشعب الفلسطيني بهذا الواقع بالقوة. وكان وما زال رفض الشعب الفلسطيني لهذا الواقع من أهم المخاطر على الوجود الصهيوني في فلسطين. فخطر التهديد، كان أيضا وما زال أحد أعمدة السياسة الصهيونية. وكان المجال الأمني ركيزة أساسية لتبرير كل الاعتداءات على شعبنا واغتصاب أرضه وتشريده. لكن المحرك  الأساسي لمن يتعمق في الفكر الصهيوني، هو السيطرة على مزيد من الأرض، وتعزيز إستراتيجية حق اليهود في "وطنهم التاريخي"، على أساس الممكن تاريخيا، لذلك القضم التدريجي للأرض الفلسطينية بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة هو محور التحرك والنشاط الإحلالي المستمر في فلسطين.

لقد استطاعت الحركة الصهيونية احتلال معظم الأرض الفلسطينية سنة 1948 واعترف العالم بها كدولة، وما زالت تمارس سياسة الإحلال التدريجي  في المناطق المحتلة سنة 1967. وحتى الآن لم تواجه ضغطا حقيقيا لإجبارها على الإنسحاب من الأرض التي احتلتها، أو حل قضايا الشعب الفلسطيني الصابر الصامد على حقوقه رغم التشريد والتشتيت والقتل المتواصل، فلماذا توافق على تبديل أرض بأرض، وأية حقوق تملكها في أرض محتلة لتبادلها؟ والسؤال الأهم هو، هل هي مجبرة على مبادلة أرض بأرض؟

من خلال دراسة تطور ما حدث في فلسطين، كان هنالك مفاجآت على صعيد تطبيق استراتيجيات الحركة الصهيونية أسفرت عن وضع اسرائيل في أزمات، رغم كل الدعم المعنوي والمادي الذي تحصل عليه من حلفائها، وهم دائما القوى المسيطرة عالميا. فإبقاء فلسطينيين في المناطق المحتلة سنة 1948، وعدم قدرتهم على سلب الشعب الفلسطيني، حتى في داخل دولتهم، إرادته في التحرر والمطالبة بحقوقه، خلخل استراتيجية الدولة اليهودية، والادعاء بديموقراطيتها. واعتراف العالم بدولة إسرائيل بحدودها التي قامت عليها سنة 1948 جعلها دولة محتلة لبقية الأرض، وهذا أحدث خلخلة في استراتيجية "الحق التاريخي في وطن اليهود القومي، فلسطين الطبيعية". لذلك، ولو بحياء، العالم اليوم يصر على أن ممارسات الاحتلال في الضفة الغربية، وبالذات ضم القدس، وبناء المستوطنات، ومصادرة الأرض، وقتل الشعب الفلسطيني، وتدمير موارده، ممارسات إحتلالية غير شرعية. ونؤكد أن، الأمر سيبقى كذلك، بل سيتعاظم النقد لإسرائيل طالما الشعب الفلسطيني يصر على حقوقه المشروعة ويطالب بها، وطالما قياداته السياسية ترفض التسليم بالأمر الواقع. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن بعض الحقوق، كحق اللاجئين في العودة لا يلغيها اتفاق سياسي، ومع ذلك يضعفها.

من هنا لا بد من صرخة تسمعها قيادات الشعب الفلسطيني، "لا تلغوا حقا معترفا به لشعبكم، واصمدوا على حقوقكم كما صمد شعبكم عليها. وارفضوا منطق التبديل حتى لو كان مغريا شكليا لظهوره كتقدم على طريق تحقيق حل سياسي". لستم مضطرين لتبادل سكان وأرض بسكان، ونشك أن شعبنا في الداخل طالب بهذا التبادل أو يوافق عليه، ولستم مضطرين بمبادلة جيب اللطرون، لأنه أرض محتلة سنة 1967 ويسري عليه ما يسري على كل الأرض المحتلة، وسكان القرى الثلاثة صمدوا عبر أكثر من أربعين عاما وهم يطالبون بحقهم المشروع في العودة إلى قراهم ، ومحاكمة مجرمي الحرب على ما حدث في هذا القرى ، فلماذا نخفف أزمة المحتل ، ولماذا نضحي بقضية الانتصار فيها مضمون؟

التبديل، وأسس الحل النهائي وفرص التحقيق

يأتي التبديل منذ اتفاقية أوسلو ضمن ترتيبات الحل النهائي، فهل نحن على أبواب حل نهائي لنقر بإمكانية حصول تبديل؟ أنا أشك بذلك، لأن الوضع الدولي، ورغم  استمرار وجود القضية الفلسطينية بكل عقدها وتشعباتها على أجندته، عاجز حتى الآن بسبب الحماية الأمريكية للسياسات العدوانية الإسرائيلية على فرض الانسحاب الإسرائيلي من الأرض المحتلة سنة 1967،  وعاجز عن حل قضية اللاجئين التي تقلق حتى  أقرب حلفاء أمريكا في الأقطار العربية، وعاجز حتى عن ترتيب وضع مريح ولو نسبيا لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة ينسيهم قضيتهم حسب اعتقاد بعض المخططين والمفكرين الإسرائيليين والأمريكيين.

ولو تتبعنا نمط تفكير الإسرائيليين الأكثر اعتدالا، لوجدنا أن الحل حسب اعتقادهم ممكن على أساس تقسيم فلسطين التاريخية (على أساس حدود 1967). ولكنه، وبسبب الأخطار الاستراتيجية، التي تواجه إسرائيل حسب اعتقادهم، وهي، الخطر الاسلامي والخطر القومي والخطر الاقتصادي الحربي، والخطر على الاستيطان، يجب أن يتمرحل. فإنهاء الاحتلال هو الأنسب حسب رأيهم، والانسحاب يثير الشكوك بالضعف، لذلك الفصل هو الحل في المرحلة الأولى لتفادي الأخطار الأربعة، والفصل يقوم على أساس حدود جدار الفصل، وإذا لم يحقق الانسحاب تخليا عن حق العودة من قبل الفلسطينيين فلن يكون انسحابا إلى حدود 1967، لأن الخطر الأمني ما زال قائما، لذلك يجب ألا يتم الانسحاب الكامل ويجب ألا يحصل الفلسطينيون على دولة ذات سيادة. فالحل القائم على الانسحاب فيه "تضحية كبيرة"، برأيهم، ويحتاج إلى ثمن يدفعه الفلسطينيون والعالم.

مما سبق، فإننا نعتقد، أن ما هو مطروح من خلال المفاوضات الحالية التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهمات،  ليس أكثر من تعزيز موقف أسرائيل، وتحقيق انتصار وهمي للأمريكان المهزومين في العراق وأفغانستان، ولن يحقق للشعب الفلسطني أي انجاز. المطلوب منا أن نتعمق أكثر في سياسة الإسرائليين التفاوضية، وأن لا نقدم لهم هدايا أثناء التفاوض تحقق لهم أهدافهم وتبعدنا عن تحقيق أهدافنا.

خلاصة

الإقرار بالتبادل من قبلنا هو إقرار للسياسات الإحلالية التوسعية في أرضنا على حساب شعبنا، ومساعدة إسرائيل على تطبيق سياسة الترانسفير السكاني والجغرافي بدون مقابل. إن شعبنا في الداخل لا يتشكى لأنه صامد في وطنه ولا يطالب بالخروج منه وهو يضحي ويناضل من أجل حقوق المشروعة. وأهلنا في قرى اللطرون الثلاثة ما زالوا صامدين على موقفهم وحقهم في العودة إلى قراهم لإعادة إعمارها، وهم يعتبرون ما حدث في هذه القرى جريمة حرب يجب أن يحاسب المجرمون عليها.

إن الحل النهائي ليس له آفاق قريبة، ويجب أن يقوم على انسحاب إسرائيل من كل شبر احتلته سنة 1967 بدون تقديم أية جوائز لهم على ما ارتكبوه من جرائم ضد شعبنا ووطننا.

إن التخلي عن حقوق شعبنا الثابتة والواضحة والمعترف بها انسانيا ودوليا وشرعيا وقانونيا ليس انجازا، بل هو  تدمير لقضيتنا.

__________________

أحمد أبو غوش هو باحث إقتصادي ورئيس جمعية أهالي عمواس.