الذاكرة بطبعها عدوة للقهر...

بقلم: عصام اليماني*

"أنا لست عائدا الى فلسطين فحسب، بل فلسطين عائدة اليّ أيضا"، بهذه العبارة انهى المناضل المرحوم شفيق الحوت كتابه: " من يافا بدأ المشوار"، و كتب في مقدمة لكتاب: "رجال من فلسطين" للعلامة عجاج نهويض ما يلي:

"قد يكون في استطاعة قوة القوة الغاشمة الجائرة ان تغتصب "الارض" و ان تغتال " الافراد" و ان تبيد "الجيوش و المؤسسات"، و لكنه يستحيل عليها مهما طغى جبروتها، ان تغتصب "الوطن" و ان تغتال "الشعب" او ان تبيد "الامة وشخصيتها الوطنية". وقد يكون في استطاعتها كذلك أن تزيف "كتابا" أو ان تزور "خارطة" او ان تنهب "اثرا" او ان تزيل "علما" لكنه يستحيل عليها، مهما تمثدت في غيها، ان تزيف "التاريخ"، او ان تزور "الجغرافيا" او ان تطمس "التراث" ... الذاكرة بطبعها عدوة للقهر".

شفيق الحوت (1932-2009) كغيرة من ابناء الشعب الفلسطيني عانى من القهر الصهيوني والاستعماري الذي ترك اثره في الذاكرة الفردية والجماعية الفلسطينية. فلكل منا حصته من نتائج هذا القهر، سواء كنا لاجئين في الشتات او "مواطنين أصليين في الأراضي المحتلة عام 1948، أو القابعين بانتظار حصول "معجزة الدولة الفلسطينة في الضفة الغربية وقطاع غزة".

فإذا كانت السعادة في الذاكرة لا تحفز الانسان على فعل شيء سوى اعادة انتاج مسبباتها في خيالنا، فإن القهر في الذاكرة له دينامية اخرى مختلفة. فالقهر لا يجعل الذاكرة تعود بنا الى الاسباب والنتائج فحسب؛ بل تحفزنا على التفكير في كيفية الخلاص. فالقهر عدو دائم يسكن فينا، ويعشش في ذاكرتنا، ويؤسس لتكويننا النفسي والاجتماعي والسياسي، ولا تزول مفاعيله الا بزوال مسبباته ونتائجه. القهر في الذاكرة يحفزنا على الانتقام منه ومن رموزه، يحفزنا على استرداد حقوقنا التي أنتزعت منا بدون وجه حق. والذاكرة، التي نقش القهر فيها مكانا له، لا يمكن ان تضيع او تنسى، فهي تنتقل من جيل الى آخر. فالقهر يفرض علينا ان نرويه لأبنائنا وأحفادنا، ونحثهم على تحقيق ما لم نستطع تحقيقة في زماننا. هذا ما اراد شفيق الحوت نقله لنا عندما قال: ان "الذاكرة بطبعها عدوة للقهر".

 

هذه المقولة تفسر السيرة والمسيرة الوطنية للشهيد شفيق الحوت. ففي حياته وسلوكه أراد أن يثبت خطأ مقولة "الزمن كفيل بأن ينسي الشعب الفلسطيني موضوع العودة" كما تنبأ وأراد بن غوريون بعد اعلان دولة الاحتلال الصهيوني، وانها لا تنطبق على من عانى القهر، ولا تنطبق على الشعب الفلسطيني، وإنما تنطبق فقط على من لا وطن له. فلا نحن نسينا، ولا الجيل الرابع من اجيال اللجوء- العودة سينسى ان القهر طاله. وان القهر الصهيوني الاستعماري هو السبب في ان اللاجىء الفلسطيني في لبنان محروم من حقوقة المدنية والإنسانية، ومحروم من ممارسة العمل في مهنته او حتى في بعض الاحيان محروم من ممارسة هوايته الرياضية او الفنية.

في هذه المقالة لن اتناول السيرة الشخصية والسياسية للشهيد شفيق الحوت، فهو خير من عبر وتحدث عن سيرته وتجربته النضالية من خلال كتابه: "من يافا بدأ المشوار" ومن خلال المقابلات الصحافية والتلفزيونية، خاصة برنامج فضائية الجزيرة "شاهد على العصر". إضافة الى ما كتبه العديد من الكتاب وا صدقاء الشهيد، ( رشاد ابوشاور، طلال سلمان، انيس الصايغ، مروان عبد العال، الياس خوري، صقر ابو فخر، سامي الاخرس، عزمي بشارة، عمر فاضل، الياس سحاب) ممن عايشوه والذين تناولوا سيرته وتجاربهم معه.

فالجميع اجمع على ان من اختلف مع شفيق الحوت سياسيا أحبه واحترمه شخصيا. فهو صاحب رأي واضح وصريح، ولا يحسب حساب الربح والخسارة الشخصية عند اتخاذه موقفا ما من هذه القضية او تلك. وافق على البرنامج المرحلي بإعتباره برنامج تكتيكي نحو استعادة الحقوق التاريخية والعودة الى يافا. وعندما تيقن ان البعض يعمل على تحويل المرحلي التكتيكي الى نهائي استراتيجي، كان اول المتمردين على نهج " القيادة".

كان من المقربين من الرئيس ياسر عرفات، وكان اشدهم انتقادا لتوقيع عرفات "اعلان المبادىء" المعروفة باتفاقية اوسلو. واستقال من موقعه في اللجنة التنفيذية احتجاجا؛ متخليا عن كافة الامتيازات المادية والمعنوية المتعلقة بالمنصب. وانحاز الى حق اللاجئين الذين حاول البعض تغييب حقهم في العودة او الذين طرحوا حق العودة كورقة تفاوضية تكتيكية. بالرغم من ذلك، فيوم استشهاد عرفات، بكاه بكل صدق ولم يحكم عليه ولم "يشخصن" الاختلاف السياسي. فشفيق الحوت لم يعتبر يوما موقفه ورأية موقفا منزلا؛ على الجميع الاخذ به. وفيما يتعلق برفاق الدرب من القادة في الفصائل المتعددة فلم تكن مفردات التصنيف السياسي "منحرفين" و "متطرفين" و "عدميين" جزءا من لغته السياسية. لقد كان شفيق الحوت نبيلا في اختلافه مع الاخر.

شفيق الحوت من جيل بدايات الثورة الفلسطينية المعاصرة، رفيق درب احمد الشقيري، والدكتور حيدر عبد الشافي، واحمد صدقي الدجاني، وحامد ابوسته، والدكتور جورج حبش، واحمد اليماني، ووديع حداد والدكتور انيس الصايغ والمناضل بهجت ابوغربية وغيرهم ممن بقوا على مبادىء البدايات: تحرير فلسطين كل فلسطين، واستعادة الحق عبر كافة اشكال المقاومة.

شفيق الحوت إنسان، والإنسان قد يصاب بالاحباط واليأس في مرحلة ما، لكنه لا يقطع الامل، ويوم جاء انتصار مقاتلي المقاومة اللبنانية في تموز 2006، خرج من حفرة اليأس والاحباط وتيقن أن الكفاح ما زال ممكنا والانتصار الشامل لا ريبة فيه.

تعود معرفتي بالشهيد شفيق الحوت لسنوات بعيدة جدا. التقيته للمرة الاولى عام 1966. كنت طفلا في العاشرة من عمري، يوم تظاهرت مجموعة من النسوة الفلسطينيات احتجاجا على اعتقال مجموعة من نشطاء حركة القوميين العرب والاتحاد العام لعمال فلسطين فرع لبنان، وكان والدي احد المعتقلين. وللتأثير على الجمهور اللبناني والصحافة اصطحبن الامهات اولادهن معهن وتظاهرن من مدخل مخيم البراجنة الى مقر منظمة التحريرعلى كورنيش المزرعة. هناك أطل الشهيد مستقبلا النسوة، وكان باديا عليه التأثر نتيجة عجزه عن فعل شيء من اجل الافراج عن المعتقلين. القى "الاستاذ" شفيق الحوت كلمة اذكر مضمونها "اعترفوا – اي الحكومات- بنا كمنظمة لتحرير فلسطين لكنهم يعتقلون من سنحرر بهم فلسطين". بعد هذا اللقاء بأشهر قليلة كان الاستاذ شفيق خطيبا في مخيم البداوي في حفل تأبين عمي الشهيد محمد اليماني الذي استشهد في التاسع عشر من اكتوبر 1966 مع مجموعة من منظمة ابطال العودة، التي كانت تقوم منظمة التحرير الفلسطينية بتمويلها. يومها بكى الاستاذ شفيق الحوت بعدما تقدم منه جدي قائلا "انت اليوم بمثابة ابني محمد الذي استشهد وبمثابة ابني احمد المعتقل في السجون اللبنانية، والذي لم يطلق سراحه للمشاركة في تأبين شقيقه الشهيد. يوم وفاة الشهيد شفيق الحوت، اتصلت بالسيدة بيان معزيا، و قالت لي ما زلت اذكر جدك بالقمباز يوم جاء لزيارة "ابوهادر" في مستشفى الجامعة الامريكية عام 1968، مذكرا شفيق بما قاله قبل سنوات بانه بمثابة ابنه ومن الواجب ان ازور ابنائي في حال تعرضهم لأي مكروه.

في أكثر من محطة سياسية أختلف "ابو هادر" مع والدي، لكن يوم اقيم حفل تكريم لابي ماهراليماني بمبادرة من "عصابة الاربعة" المرحوم رفعت النمر، الدكتور انيس الصايغ، الصحافي الدكتور صلاح دباغ، و السيد صالح شبل، كما كان يطلق عليهم الاستاذ شفيق، وبحضور رئيسي الحكومة اللبنانية رشيد الصلح وسليم الحص والصحافي طلال سلمان والكاتب الفلسطيني رشاد ابوشاور والمرحوم فضل شرورو. تحدث الاستاذ شفيق موجها كلامه الى رفيق الدرب: "لو أتيح لي أن ارسم صورة لفلسطين كما هي في وجداني لما رسمت غير صورتك يا ابو ماهر، فليتك تحبني عشرة بالمئة مما احبك."

عمي شفيق، أحببناك، وسيبقى حبنا لك. من يافا بدأ مشوارك، وسنتسمر في المشوار الى ان نعود، وبالتأكيد سنعود.

* ناشط فلسطيني مقيم في كند