حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في مقررات المؤتمر السادس لحركة فتح

بقلم: جمال الشاتي*
لقد شكلت كل من مكان انعقاد المؤتمر، وعضويته، وأسماء المرشحين ومن ثم الفائزين القضايا الأبرز في الإعلام، باعتبارها مواضيع مثيرة

 للجدل، وربما عناوين جذابة تستهوي الباحثين عن خبر مثير، ومسألة يروق للمتنافسين التباري في تحليلها رفضا أو تأييدا. وربما كان هذا احد

العوامل التي تسببت - ولو جزئيا - في حجب أوراق العمل المقدمة للمؤتمر، وأهمية الأفكار المتضمنة فيها والنصوص المقترحة لها.

إن معركة البرنامج السياسي للمؤتمر السادس، وبرامج اللجان المختلفة لم تكن اقل شأنا، إن لم تكن هي الأساس والأصل، خصوصا وان ضرورات انعقاد المؤتمر في هذه المرحلة هي ضرورات سياسية بالمعنى الاستراتيجي وبالدرجة الأولى. لذلك، سيكون من المهم الوقوف على اثر عمل اللجان وأوراقها وتوصياتها على البرنامج السياسي لحركة فتح، والذي بالضرورة يتناول الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني والمتمثلة في العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة. ويجيء هذا المقال ليتناول ورقة المقترحات والتوصيات الخاصة بموضوع حقوق اللاجئين الفلسطينيين وعمل اللجنة المكلفة بهذا الملف، باعتبار أن هذا الموضوع قد شكل محورا تلتقي عنده مواضيع إستراتيجية عدة مثل؛ الحل النهائي، ومعنى حق تقرير المصير، وشكل الدولة المستقلة، كما وتتفرع عنه ومنه مواضيع عدة أبرزها: أدوات النضال وأشكاله، وأسس المفاوضات وضوابطها.
وبصفتي عضوا في اللجنة الخاصة بقضية اللاجئين الفلسطينيين التي انبثقت عن المؤتمر أثناء انعقاده، فقد تابعت عمل اللجنة، بدءا من إعداد ورقة العمل، مرورا بالمداولات الخاصة باللجنة، والتواصل مع اللجان الأخرى وخصوصا اللجنة السياسية، وانتهاء بتقديم مقترح الورقة النهائي والتوصيات. ولعله من المفيد هنا، التأكيد على أن اللجنة قد تبنت الورقة نصا وروحا بالإجماع، ونجحت في توصيلها إلى اللجان الأخرى وخصوصا اللجنة السياسية ولجنة برنامج البناء الوطني، حيث أثرت الورقة بشكل ملموس في روح ونصوص البرنامج السياسي الذي تم تبنيه، وان أعضاء اللجنة على قناعة تامة أن الورقة وتوصياتها ستحظى بمصادقة المجلس الثوري المنتخب.
عن الورقة:
حملت الورقة عنوان: "لا بديل عن العودة إلى الديار الأصلية: ورقة مبادئ واليات عمل لحماية حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين". وقد قدمت للمؤتمر السادس لحركة فتح باعتبارها قراءة تفصيلية للواقع ومعطياته ومتطلبات إحداث التغيير. والورقة في حقيقتها جاءت مستندة إلى توصيات عدد من المؤتمرات الشعبية، والدراسات وورش العمل المتخصصة التي أجرتها وعقدتها مختلف فعاليات الحركة الوطنية الفلسطينية، ومنظمات المجتمع المدني، وفي الطليعة منها اطر ومؤسسات فتح الشعبية وكوادرها الفاعلة في أوساط اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في مختلف مواقعهم في فلسطين التاريخية والمنافي. وقد قسمت الورقة إلى ثلاثة أقسام: الرؤية والتحليل، والمبادئ، والتوصيات.

الرؤية والتحليل:
في القسم الأول (الرؤية والتحليل) تم تناول معطيات المرحلة بعد واحد وستين عاما من النكبة المستمرة، سواء ما تعلق منها بالأوضاع الداخلية، أو الوضع العربي والإقليمي، أو الوضع الدولي على المستويين الشعبي والرسمي. وفي تحليلها للشأن الداخلي ركزت الورقة على أمرين: الأول: " الخطورة التي تتهدد الحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم الأصلية... الأمر الذي يتطلب من كل القوى، والهيئات، والأطر، والأفراد، وفي طليعتها حركة فتح وكوادرها، المبادرة بالفعل المنظم، والمتواصل، والموجّه، والمركز حماية للحقوق والمنجزات". أما الأمر الثاني فتمثل في التأكيد على مكانة م. ت. ف في ظل استفحال الانقسام الداخلي باعتبار أن " إعادة بناء وتفعيل كافة أجهزة وهيئات م. ت. ف، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والإطار الوطني الجامع، والأداة التنظيمية والسياسية، والسلطة الفلسطينية العليا، أولوية وطنية ملحة وغير قابلة للتأجيل.
وفي رؤيتها للصراع وإسرائيل فقد خلصت الورقة إلى " أن النكبة، بعد واحد وستين عاما من النكبة (1948)، واثنين وأربعين عاما من الاحتلال (1967) وبعد قرابة عشرين عاما من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، لا زالت مستمرة؛ الأمر الذي يستدعي التعامل مع إسرائيل باعتبارها نظام استعماري يجمع ما بين خصائص الابرتهايد، والاستعمار الاحلالي، والاحتلال العدواني".
وفي قراءتها للخارطة الدولية فقد بينت الورقة أن المجتمع الدولي لم يفشل فقط في معالجة أسباب الصراع وجذوره، بل وانه " أسهم سواء مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة عبر التواطؤ أو الصمت، في تجذير الاستعمار الاحلالي، والاحتلال العدواني والتمييز العنصري من خلال مد إسرائيل بالدعم السياسي، والاقتصادي، والعسكري وعبر تحصينها من العقوبات الدولية، وغير ذلك."
أما عن تراجع العمل العربي الرسمي والشعبي؛ فقد شددت الورقة أن العمل العربي وخصوصا بسبب تقييد الفعل الشعبي وتراجع الفعل الرسمي " لم يعد يشكل - لا معنويا ولا عمليا - عمقا استراتيجيا لنضال الشعب الفلسطيني... وإن توظيف الجهد والعمق العربي الرسمي والشعبي وتنسيقه وتوحيده، وحفظه من الانهيار مسؤولية نضالية وطنية وقومية ...".
وفيما يتصل بقوى المجتمع المدني العالمي، فقد خلصت الورقة انه " في ظل افتقار الدول، والأمم المتحدة للإرادة السياسية الفاعلة والمطلوبة لتحقيق السلام العادل والدائم والشامل في الشرق الأوسط، فإننا نلحظ باهتمام وعناية أن قوى المجتمع المدني العالمي بدأت تنشط لصالح القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا... ورغم أن العمل على هذا الصعيد يحتاج كغيره إلى مثابرة وانه قد يستغرق وقتا طويلا لجني الثمار... إلا أن هناك ضرورة ملحة لتطويره وتوظيفه خدمة لقضايا شعبنا العادلة".
المبادئ:
وبالاستناد إلى هذه القراءة المتأنية والمعمقة، تم صياغة جملة من المبادئ الأساسية كمنطلقات ومحددات لا بد من الاعتماد عليها عند التعامل مع مختلف الدول، والقوى، وعلى مختلف المستويات. ومن جملة تلك المبادئ فقد تم التركيز على عدد من المبادئ المتصلة بحقوق اللاجئين والمهجرين والفلسطينيين. ففي هذا القسم تم التأكيد على أن: " قضية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في فلسطين التاريخية وفي المنافي، وحدة واحدة غير قابلة للتجزئة..." وان " حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الديار الأصلية حق وطني، وإنساني، وقانوني غير قابل للاستفتاء أو التفاوض، أو التنازل، ولا يقبل التجزئة أو الإنابة أو التفويض، وينتقل من السلف إلى الخلف مهما طال عمر الصراع..."، وان " كل الحلول السياسية التي لا تضمن تمكين اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين من ممارسة خيارهم الفردي والجماعي في العودة إلى ديارهم الأصلية، باطلة ومرفوضة". وإن " تحقيق العدالة والسلام الدائم لا يكون إلا بالعودة إلا الديار الأصلية، وباستعادة الممتلكات، وبالتعويض"، وان هذه الحقوق " ثابتة بصرف النظر عن شكل الحل السياسي". كما وان المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية " توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني وخصوصا للاجئين والمهجرين، إلى أن يتمكن المجتمع الدولي من إيجاد حل عادل ودائم يضمن حقوق الشعب الفلسطيني عبر تطبيق قراراته وفي المقدمة منها القرار 194"، وان تمكين اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العودة الطوعية الآمنة إلى ديارهم الأصلية " شرط مسبق لممارسة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني".
التوصيات:
وبالتدقيق في القسمين: الأول (الرؤية والتحليل)، والثاني (المبادئ) يمكن فهم التوصيات التي خرجت بها الورقة والمتعلقة بموضوع حقوق اللاجئين والمهجرين، والتي من أهمها:
1- الابتعاد عن استخدام العبارات والكلمات الدبلوماسية المطاطة عند الحديث عن حق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في العودة إلى الديار الأصلية، ورفض التعاطي مع أية مقترحات دولية كانت أو إسرائيلية، أو فلسطينية لا ترقى إلى مستوى القرار 194 لغة، وشكلا، ومضمونا.
2- عدم التعاطي مع سياسات الدول المانحة التي تستهدف استبدال وكالة الغوث الدولية (الانروا) بالسلطة الفلسطينية والتي أبرزها سياسة تقليل حجم المساهمة في صندوق الانروا مقابل زيادة تمويل السلطة، والوقوف بحزم أمام التراجع المضطرد في مستوى الأداء والخدمات التي تقدمها الانروا.
3- تجريم ومحاسبة، ومحاكمة كل مسؤول فلسطيني سواء كان في السلطة الفلسطينية أو م . ت. ف ينخرط، أو يدعو، أو يروج لمبادرات ومشاريع تنتقص صراحة أو ضمنا من حقوق اللاجئين الفلسطينيين وخصوصا حقهم في العودة إلى ديارهم الأصلية.
4- إعداد منهاج تعبوي تربوي تثقيفي يعزز ثقافة العودة لدى الأجيال الناشئة وذلك عبر تناول حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين... وتنظيم حملات دعوية وتعبوية منظمة في كافة الأوساط للمحافظة على الهوية الفلسطينية، وللدفاع عن حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين، ولحفظ ذاكرة ضحايا النكبة المستمرة.
5- العناية باللاجئين والمهجرين الفلسطينيين القاطنين خارج مخيمات اللجوء.
6- حث المجتمع الدولي عموما، وخاصة هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها، ودول الرباعية الدولية على تعزيز دور الانروا في مناطق عملها الخمس من خلال الإسهام في صندوقها ودعم توسيع صلاحياتها، والعمل على جعل مساهمة الدول في صندوق الانروا إلزاميا وليس تطوعيا... وحثه أيضا على اتخاذ إجراءات عملية لضمان توفير الحماية الدولية القانونية، والفعلية، اللازمة للشعب الفلسطيني خصوصا لمنع تهجير مزيد من الفلسطينيين، أو لمقاومة عمليات التهجير القسري للفلسطينيين.
7- رفض ومقاومة مشاريع وبرامج التطبيع مع الاحتلال بكافة أشكاله، وتبني حملة مقاطعة إسرائيل نظريا وعمليا والترويج لها في كل الأوساط وعلى كل المستويات باعتبارها وسيلة نضالية فعالة.
8- تعزيز الدور والمحتوى الوطني للجان الخدمات وعدم قصر دورها على تقديم بعض الأعمال الخدمية، من خلال وضع نظام انتخابي بحسب الصلاحيات ذات الصلة ب (م ت ف) باعتبارها المرجعية السياسية العليا، وبما يضمن اختيار الأعضاء المؤهلين لحماية مشروع العودة.
9- الاستفادة من طاقات الشباب الفلسطيني المتواجد في الشتات عبر العمل المشترك معهم ضمن المرافعة والترويج والحشد السياسي، للتأثير في الرأي العام العالمي... وإعطاء الأولوية في الحقبة القادمة لمراكمة العمل لبلورة وتوسيع ائتلافات العودة وبالذات التي تعمل معا في الوطن والشتات كأطر جامعة للاجتهادات المختلفة، والدفع باتجاه توحيد جهود حركة العودة...

 

البرنامج السياسي لحركة فتح:
بمراجعة البرنامج السياسي لحركة فتح يتجلى اثر ورقة المبادئ واليات العمل لحماية حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين. فقد جاء تحت عنوان الثوابت:
"اللاجئون: تلتزم حركة فتح بما يلي:
أ- العمل الدءوب لتحقيق حق اللاجئين في العودة والتعويض واسـتعادة الممتلكات، وبوحدة قضية اللاجئين دون النظر لأماكن تواجدهم بمن فيهم اللاجئون في أراضي (48). وترى الحركة ضرورة المحافظة على المخيم كشاهد سـياسـي أسـاسـي للاجئين الذين حرموا من العودة لديارهم إلى حين حل قضيتهم، وضرورة التمسـك بوكالة الغوث كعنوان دولي واعتراف بقضية اللاجئين إلى حين عودتهم إلى بيوتهم وبلادهم، مع العمل على تحسـين أوضاع اللاجئين والمخيمات، ومع التأكيد على أن منظمة التحرير هي المرجعية السـياسـية للاجئين الفلسـطينيين.
ب-التأكيد على رفض مبدأ التوطين القسـري أو الدعوة للوطن البديل، فلا توطين في لبنان ولا وطن بديل في الأردن."

ضمن نفس السياق جاء تحت عنوان: أشكال النضال في المرحلة الراهنة "... ومن بين أشكال هذا النضال التي يمكن ممارستها بنجاح في المرحلة الراهنة لإسناد المفاوضات وتفعيلها أو كبديل لها إن لم تحقق غاياتها: " مقاطعة المنتجات الإسـرائيلية في الداخل والخارج من خلال التحرك الشعبي، وعلى الأخص ما يتعلق بالسلع الاستهلاكية التي يتوفر لها إنتاج محلي بديل، وممارسـة أشـكال جديدة من العصيان المدني ضد الاحتلال، والعمل على تصعيد الحملة الدولية لمقاطعة إسـرائيل ومنتجاتها ومؤسساتها بالاسـتفادة من تجربة جنوب إفريقيا." و " طرح ومناقشة بدائل إستراتيجية فلسطينية، إذا تعذر تحقيق التقدم من خلال المفاوضات الحالية، بما في ذلك طرح فكرة الدولة الديمقراطية الموحدة، التي ترفض العنصرية والهيمنة والاحتلال، وتطوير النضال ضد الأبارتهايد والعنصرية الإسرائيلية..."

وفي مجال العمل على تطوير أداء منظمة التحرير الفلسطينية في المفاوضات أكد البرنامج، من ضمن أشياء أخرى، على ضرورة التزام م. ت. ف بإدارة التفاوض "على أساس الشرعية الدولية وقراراتها الرئيسة: (181، 194، 242، 383)، و "رفض تأجيل التفاوض على القدس أو على قضية اللاجئين، أو أي من قضايا الحل النهائي"، و "رفض الاعتراف بإسرائيل "دولة يهودية"، رفضا قاطعا لا تراجع عنه حماية لحقوق اللاجئين ولحقوق أهلنا عبر الخط الأخضر".

أما عن تفعيل م. ت. ف ومؤسساتها فقد أكد البرنامج على وجوب: " 1- تعـزيـز حضـور المنظمـة فـي أوساط اللاجئيـن الفلسـطينيين في الشـتات وخاصة في المخيمات في الدول العربية وفي الخارج. 2- إحياء وتفعيل روابط المنظمة مع قـوى التضامن العربية والعالمية وإعادة بناء العلاقات معها. 3- تطوير علاقات المنظمة على المستويين العربي والدولي، شعوباً وأحزاباً وحكومات".

وفي تناوله للمهام تجاه شعبنا في الشتات أكد البرنامج على ضرورة " تفعيل وتعزيز دور الجاليات الفلسطينية ودعم كوادرها النضالية والمهنية وتفعيل الاتحادات والتنظيمات الشعبية في كل مناطق التواجد الفلسطيني في الشتات... وعلى ضرورة " المحافظة على ثقافة وانتماء أجيال أبناء الجالية خارج الوطن العربي، من حيث دعم صلتهم بالوطن، ووضع برامج لتعليم أبنائهم اللغة العربية، وتاريخ وطنهم ونضال شعبهم، والحفاظ على انتمائهم وعلى حقهم في العودة إلى وطنهم."

أما عن المهام تجاه شعبنا في أراضي 48، فقد تم التأكيد على أن الفلسطينيين " أهلنا في أراضي 48 جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني... يعيشون تحت خطر "التهويد" و"التطهير العرقي"، ولذلك فان الحركة ترفض "الدعوة لإعلان “يهودية“ دولة إسرائيل.." و "دعوات التطهير العرقي العنصرية من إسرائيل، مؤكدة حقيقة وجود أبناء شعبنا الطبيعي والتاريخي في وطنهم فلسطين قبل قيام إسرائيل واغتصابها لأرضنا، وتدعم فتح كل ما من شأنه تحقيق مطالب شعبنا بالمساواة وباستعادة حقوقهم...".

أما عن الفعل على المستوى الدولي غير الرسمي فقد تم التأكيد على ضرورة " تعزيز العلاقات مع القوى السياسية الضاغطة من أحزاب سياسية ونقابات ومنظمات غير حكومية، ولاسيما تلك التي تعمل في حقل حقوق الإنسان لما لهذه المؤسسات من تأثير وفاعلية وطنياً وعالمياً".
وهذا أمر يتطلب "... الاسـتعداد لتصعيد الحملة الدولية ضد الممارسـات العنصرية الإسـرائيلية وصولا إلى المقاطعة الدولية تمثلا بالخبرة جنوب الإفريقية".

الخلاصة:
بمقارنة النصوص أعلاه يتضح اثر ورقة العمل الخاصة بحقوق اللاجئين على البرنامج السياسي. وهذا بالطبع لا يعني أن أوراق العمل الأخرى وعمل اللجان المختلفة لم يؤثر شكلا وجوهرا في البرنامج السياسي، ولكن الغاية من هذه الورقة إبراز حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في البرنامج باعتبارها ثابتا وطنيا يقع في صلب أي حل نهائي للصراع. ويبرز هذا الأثر الموضوعي والشكلي في كثير من المواضع. وما يهمنا هنا هو إبرازه في المسائل ذات الأثر الاستراتيجي وذلك على النحو الآتي:

أولا: التأكيد على العودة إلى الديار الأصلية بما فيها الأرض المحتلة عام 1948، وعلى تلازم العودة مع حقوق التعويض واستعادة الممتلكات. وهي في الحقيقة صيغ لم يسبق إدراجها على هذا النحو من التفصيل والدقة في برامج حركة فتح والمنظمة والقوى الفلسطينية من ذي قبل، اذ كان يجري تدوال حق العودة كحق وطني عام دون التعرض لماهية هذا الحق وعناصره توابعه الملازمة.
ثانيا: التأكيد على وحدة قضية اللاجئين في فلسطين التاريخية وفي كافة مواطن الشتات، وجعل م. ت. ف ، وليس السلطة الفلسطينية، "المرجعية السـياسـية للاجئين الفلسـطينيين" وفي هذا عودة إلى ما كانت عليه الأمور ما قبل اوسلو، وهو بمثابة تعزيز لدور المنظمة الذي بدأ يضعف أمام دور السلطة، ولتحمل كافة المسؤوليات تجاه اللاجئين الفلسطينيين في كافة مواقعهم وخصوصا المتواجدين في الشتات.
ثالثا: التأكيد على حقوق فلسطينيي 48 بمن فيهم المهجرين داخليا باعتبارهم جزء من الشعب الفلسطيني، وخصوصا حقوقهم في العودة إلى الديار، والتعويض واستعادة الممتلكات، والمساواة الكاملة. وفي هذا تأكيد على الهوية القومية لفلسطينيي 48 كجزء أصيل من الشعب الفلسطيني.
رابعا: تبني حملة مقاطعة إسرائيل كشكل نضالي فعال، ومطالبة الحركة بتفعيلها شعبيا ورسميا على كافة المستويات. وفي هذا نقلة متقدمة اذا ما قورنت بعدم وضوح الرؤية لدى مؤسسات وأعضاء الحركة فيما يتعلق بالحملة.
خامسا: فتح الباب أمام إمكانية طرح البدائل الإستراتيجية، مثل " فكرة الدولة الديمقراطية الموحدة". ورغم أن هذا الأمر جاء معلقا على شرط فشل المفاوضات، وكأنه ردة فعل يجب توقعها، إلا انه يمكن اعتباره تشكيكا في جدوى الاستمرار في حملة العلاقات العامة وفق العقلية والأجندة الإسرائيلية كبديل للتفاوض والسلام الجديين.
سادسا: تصنيف إسرائيل "كاحتلال استيطاني عنصري"، و دولة عنصرية تمارس "التهويد" و"التطهير العرقي"، وبالتالي الدعوة لـ " تطوير النضال ضد الأبارتهايد والعنصرية الإسرائيلية...". وفي استخدام هذه الاصطلاحات دلالة واضحة على محاولة استكشاف التكوين الاستعماري الاحلالي العنصري لإسرائيل وعدم قصر الرؤية والتعامل معها باعتبارها مجرد احتلال عسكري عدواني.

ربما يرى البعض ان التطبيقات العملية لم تعد مقيدة بالنصوص التي باتت منذ زمن ليس بقريب مجرد حبر على ورق. ولكن، هذا الرأي يغفل أهمية النص خصوصا عند الحاجة إليه لرفع الصوت عاليا ب (لا). وربما يقال أن ما يجري على الأرض يخالف النص روحا وشكلا، ولكن هذا الرأي يغفل أيضا أهمية النص لمن يعتمد عليهم وقت الشدة والحسم. وربما يقال أيضا أن بنودا عديدة لم يتم تضمينها في البرنامج، ولكن هذا القول يغفل أنن ما زالت الفرصة متاحة أمام المجلس الثوري في جلساته القادمة لتضمين البنود ذات الصلة بقضية اللاجئين. ربما يقال أكثر من ذلك، ولكن يبقى للنص أهمية إستراتيجية ولا يقصد هنا الأهمية التاريخية، بل أهميته لإسناد الحركة الجماهيرية والفعل الشعبي في ظل الحاجة إلى ضبط عملية التفاوض، والحاجة إلى تعزيز البناء الذاتي. وعليه، فان مثل هكذا نصوص وان بدت للحظة غائبة عن الفعل القيادي فإنها تبقى ضرورية لكل من ينوي مواصلة درب النضال، ليس للاسترشاد بها وحسب، وإنما لتحديد المسؤولية، واعتمادها أساسا للمحاسبة.

* عضو المجلس الثوري لحركة فتح، رئيس لجنة اللاجئين في المجلس التشريعي السابق.